رأي

أنا مستعد لخوض حرب ضد أكاذيب الإنترنت عن لندن

مواجهة تغير المناخ تعني أيضاً التصدي لمحاولات منسقة للخداع على وسائل التواصل الاجتماعي وأنا سبقتهم بخطوة

صادق خان – اندندنت ععربية:

عمدة لندن صادق خان يربط بين معركة لندن من أجل هواء أنظف ومعركة أوسع ضد التضليل الإلكتروني، بعدما تحولت سياسات المناخ، من Ulez إلى “مدن الـ15 دقيقة”، إلى هدف لحملات منظمة على وسائل التواصل. الأكاذيب المناخية لم تعد مجرد جدل سياسي، بل تهديد للصحة العامة والديمقراطية، تدفع كلفته المدن وسكانها إذا تُركت الخوارزميات والحسابات الآلية تصنع الغضب وتبدد الثقة.

كرست جانباً كبيراً من العقد الذي أمضيته عمدة للندن لتنقية هواء العاصمة، لكنني اليوم، مع اختتام “أسبوع لندن للعمل المناخي”، أوجه اهتمامي إلى نوع آخر من التلوث السام: التضليل.

خلال الأشهر القليلة الماضية، أصدرتُ تحذيرات من الأكاذيب الخبيثة التي تنتشر عن لندن على وسائل التواصل الاجتماعي، وتصديت لمن يتعمدون إثارة الغضب على الإنترنت، ويسعون، بمساعدة جيش من الحسابات الآلية وأصحاب النزعات الانغلاقية، إلى رسم صورة مشوهة للعاصمة، وكأنها مدينة خارجة على القانون وغارقة في الفوضى، وكذلك انتقدت شركات التواصل الاجتماعي لأنها تصمم خوارزميات تضخم الأصوات الأكثر تطرفاً، وتغذي المستخدمين بمحتوى يبقيهم غاضبين ومعزولين، من دون أي اكتراث بالضرر الذي قد تسببه.

والسبب الذي يجعل قوى الخوف والكراهية والانقسام تستهدف لندن واضح، فهي لا تطيق أن ترى مدينة مثل مدينتنا، تعتز بتنوعها وانفتاحها وقيمها التقدمية، تزدهر لأنها تناقض كل ما تؤمن به تلك القوى، لذلك لم يكن مستغرباً أن تواجه جهود مكافحة تغير المناخ، وهي إحدى ركائز السياسة التقدمية، رد الفعل نفسه، فقد باتت هذه القضية تُستخدم ذريعة في الحرب الثقافية الدائرة.

حين أعلنت عزمي توسيع نطاق “منطقة الانبعاثات شديدة الانخفاض” في لندن (Ulez) التي أصبحت اليوم أكبر منطقة لمكافحة التلوث في العالم، انطلقت واحدة من أكثر حملات التضليل الإلكتروني تعقيداً خلال الأعوام الأخيرة، ومولت بما لا يقل عن 200 ألف دولار على منصة “إكس” وحدها، ولا نزال نجهل الجهة التي وقفت وراء تلك الحملة، لكننا نعرف أنها كانت تحدياً مباشراً لديمقراطيتنا.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تكاثرت نظريات مؤامرة تزعم وجود خطط لفرض “إغلاقات مناخية” تتيح للدولة التحكم في تنقلات المواطنين، ووصل الأمر برجل، دِين لاحقاً، إلى صنع قنبلة بدائية لتدمير كاميرا تابعة لنظام (Ulez) قرب منزله، بعدما وقع تحت تأثير أفكار متطرفة على الإنترنت، فأدى الانفجار إلى تحطيم إطار نافذة في غرفة نوم طفل، ولحسن الحظ لم يسفر هذا العمل المروع، المصنف إرهاباً داخلياً، عن عواقب قاتلة.

ومن المزاعم الغريبة عن “مدن الـ15 دقيقة” [وهي فكرة تقوم على تقريب الخدمات الأساسية من السكان وتقليل الحاجة إلى التنقل الطويل]، إلى الأكاذيب السخيفة عن توربينات الرياح، بات التضليل المناخي تجارة مزدهرة، وجعل صعود الذكاء الاصطناعي هذه التجارة أكثر ربحية، إذ أصبح في وسع أي شخص تقريباً أن يصنع محتوى مضللاً عن المناخ وينشره ببضع نقرات، وقد لاحظ عدد من كبار الكتّاب أن “الكذبة تستطيع أن تدور حول العالم، قبل أن تجد الحقيقة وقتاً لانتعال حذائها”، أما اليوم فبوسع الكذبة أن تطوف حول العالم مرتين، قبل أن تستيقظ الحقيقة أصلاً.

وبالطبع، يختلف التضليل عن الاختلاف في الرأي والنقاش، وهذا فارق جوهري، لأننا لا نستطيع التعامل مع أزمة المناخ كأنها خارج السياسة تماماً، فالقرارات التي نتخذها في مواجهة عالم يزداد احتراراً بوتيرة سريعة ستثير، بطبيعة الحال، آراء متباينة، وفي الديمقراطية السليمة، لا ينبغي للقادة أن يكتفوا بتقبل هذا النقاش، بل أن يرحبوا به.

لكن ما لا يجوز الترحيب به هو المحاولات المنهجية لتقويض الشرط الذي يجعل هذا النقاش ممكناً أصلاً، أي توافر معلومات موثوقة، وهذا تحديداً ما يسعى إليه معطلو العمل المناخي ومروجو دعايتهم، فبدلاً من المشاركة في النقاش حول كيفية التصدي لتغير المناخ، يريد هؤلاء تدميره عبر صناعة الشكوك وإنكار الواقع الذي نواجهه.

حجم هذه الأزمة صادم، فأبحاث جديدة نشرتها اليوم شبكة (C40) تظهر أن نشاط الحسابات الآلية مسؤول عما يصل إلى 48 في المئة من التفاعل الإلكتروني، حول جودة الهواء ومناطق الانبعاثات المنخفضة، ولذلك ليس غريباً أن يرى ثلاثة أرباع سكان لندن أن التضليل يشكل خطراً جدياً على مجتمعهم، وهم محقون في قلقهم، فمن الحرائق والفيضانات إلى تلوث الهواء القاتل واضطراب إمدادات الغذاء والطاقة، تقف مدن مثل لندن في الخطوط الأمامية لأزمة المناخ.

وعبر نشر البلبلة وتمزيق التوافق حول العمل المناخي، لا يجعل التضليل الاستجابة للأزمات في وقتها أكثر صعوبة وحسب، بل يهدد أيضاً بتركنا عاجزين عن منع الاحترار العالمي وحالات الطوارئ الصحية العامة خلال الأعوام المقبلة، وفي النهاية سيكون سكان لندن العاديون هم من يدفعون الثمن.

لكن لحسن الحظ هناك حلّ، فالمدن ليست أول من يواجه عواقب أزمة المناخ وحسب، بل هي أيضاً أول من يتصدى لها، ومع تعثر المفاوضات الدولية خلال العقود الأخيرة بفعل المنكرين والمماطلين، ظلت المدن منارة أمل، واليوم، في مواجهة عاصفة قاتمة من التضليل، تتجه أنظار العالم إلينا من جديد.

لهذا السبب نخطو اليوم خطوة أبعد في هذه المعركة عبر إطلاق مبادرة “حقائق المناخ في المدن” (City Climate Facts)، وهي مبادرة جديدة تقودها شبكة (C40) لمساعدة المدن حول العالم على فهم الأكاذيب المناخية على الإنترنت، وكشفها والرد عليها.

أحبك لندن… لكن التلوث ينهكني
في لندن، أثبتنا بالفعل أننا نملك ما يلزم لكسب هذه المعركة، فعندما غمرتنا موجات التضليل حول (Ulez) لم ندعها تجرفنا، بل تمسكنا بموقفنا، وفي مواجهة الأكاذيب قدمنا الحقائق، وكررنا حجتنا من أجل هواء أنظف، مرة تلو الأخرى.

وبعد نحو ثلاثة أعوام على توسيعها، نالت (Ulez) اعترافاً عالمياً بوصفها نموذجاً ناجحاً لسياسة عامة خضراء وتقدمية، فقد خفّضت الانبعاثات والتلوث، وفي عام 2025 نجحنا في إيصال مستويات ثاني أكسيد النيتروجين، أحد أخطر ملوثات الهواء، إلى الحدود القانونية، قبل نحو قرنين مما كان الخبراء يتوقعونه، لو لم نتخذ أي إجراء.

لكن تخيلوا أين سنكون لو سمحنا للتضليل بأن يوقفنا، فبدلاً من أن يدخل عدد أقل من سكان لندن المستشفيات بسبب مشكلات في القلب والتنفس، كما أظهرت بصورة لافتة دراسة حديثة من “إمبريال كوليدج لندن”، كان مزيد من سكان لندن سيمرضون، وكان مزيد من الأطفال سينشأون برئات لم يكتمل نموها، وعندما نتحدث عن التضليل فنحن لا نتحدث عن محاولات حسنة النية للاعتراض أو النقد أو الإقناع، بل نتحدث عن محاولات منسقة للخداع، لها عواقب مميتة، وتُنظم على منصات إلكترونية تجني أرباحاً من تأجيج الغضب، بدلاً من أن تواجه العقاب.

في المعركة ضد الأكاذيب المناخية، ليس مستقبل كوكبنا وحده على المحك، بل صحة مواطنينا وبقاء ديمقراطيتنا أيضاً، فالوقوف في وجه التضليل هو السبيل الوحيد لحماية رفاه الناس وحرياتهم التي يعتزون بها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى