
يحيى دبوق – الخليج:
تكشف المؤشرات الأميركية الأخيرة عن تحوّل لافت في العلاقة مع إسرائيل، مع اقتراب اتفاق محتمل مع إيران يقدّم المصالح الأميركية على الحسابات الإسرائيلية، ويعيد رسم توازنات الإقليم.
يعكس التصريح الأخير للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن وقف الهجمات الإسرائيلية على إيران، تظهيراً إضافياً لتحوّل جارٍ في ديناميكية العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، التي انتقلت، أقلّه في عهد دونالد ترامب، من مرحلة التنسيق الوثيق والمراعاة المتبادلة، إلى مرحلة فرض الرؤية الأميركية بشكل قاطع وحاسم، إذ أكّد ترامب، في مقابلته الأخيرة مع شبكة «بي بي سي»، أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لم يعُد في موقع يسمح له باتخاذ قرارات انفرادية تتعارض مع التوجّهات الأميركية، مشيراً بوضوح إلى أنه عندما يُصدِر هو توجيهاً، فإن الأخير ينفّذه من دون تردّد أو تحفّظ، الأمر الذي يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ارتباط هذا الموقف بقرب التوصل إلى اتفاق إيراني – أميركي، لا يراعي المصلحة الإسرائيلية تماماً.
جاء موقف ترامب لينفي أيّ تفسير يشير إلى وجود تمرّد إسرائيلي أو محاولة لتقويض السياسة الأميركية؛ إذ برّر الردّ الإسرائيلي على هجمات إيران بأنه جاء في سياق زمني لم يكن فيه ثمّة مجال للتدخّل لمنعه، فيما لم يُربِط وقوعه بوجود خلاف استراتيجي. لكنّ الدلالة الأعمق في كلامه لا تكمن في نفي التمرّد بحدّ ذاته، بل في توقيت هذه التوضيحات الذي يتزامن مع الحديث عن نضوج اتفاق يُحتمل أن يكون نهائياً وليس مجرّد ورقة تفاهم مؤقّتة، وقد تفضي مخرجاته إلى واقع بعيد تماماً عمّا ترغب فيه إسرائيل ككيان، وليس فقط ما يريده صاحب القرار السياسي الحالي فيها.
والاستعاضة المُحتملة تلك عن «ورقة التفاهم» بـ»الاتفاق الكامل»، تستند إلى حسابات براغماتية أميركية بحتة، قد يكون أهمّها أن التنازلات المطلوبة من الولايات المتحدة، التي تصرّ عليها إيران، لا تبرّرها مجرّد مذكّرة أو اتفاق على تفاوض لاحق. بتعبير آخر، لا يمكن إيران أن تتلقّى العوائد، فيما تنتظر أميركا عوائدها بعد عملية تفاوضية، قد تفشل أو تنجح، علماً أن التأجيل نفسه لم يعُد يخدم المصلحة الأميركية الراهنة.
وكانت تصريحات نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، أكّدت العمق الحقيقي للتحوّل الأميركي، وأكملت في معانيها وعباراتها المباشرة ما بدأه ترامب نفسه، إذ أشار فانس إلى قرب الإعلان عن اتفاق مع إيران، مبيّناً أن هذا الاتفاق قد لا يتّفق في مخرجاته مع الأهداف الإسرائيلية، بل قد يتعارض معها، واضعاً المصلحة الوطنية الأميركية فوق الاعتبارات العاطفية أو «التحالفية» التقليدية. ومن شأن هذا الطرح، الذي يمثّل قطيعة مع الماضي، أن يؤسّس لمرحلة من البراغماتية الصارمة التي تفصل بوضوح بين الأهداف المشتركة وتلك المتباينة؛ إذ رأى فانس أن منع إيران من امتلاك السلاح النووي هو الغاية المركزية التي تبرّر أي تنازلات قد لا ترضي إسرائيل.
غير أن السؤال الرئيس يبقى حول سبب هذا التحوّل، علماً أن إرادة الضغط على إيران كانت قراراً مشتركاً في البداية، ووصلت إلى حدّ التفاهم الكامل على إسقاط النظام نفسه؟ الواقع أن الإجابة لا ترتبط باختلاف في التشخيص، بل بنتيجة حرب مشتركة فشلت في تحقيق أهدافها القصوى. فقد استطاعت إيران، بصمودها وتوظيف مصادر قوتها، أن تفرض على الولايات المتحدة خفض سقف توقّعاتها، سواء في الميدان أو على طاولة التفاوض، وهو ما أدّى إلى فصل مصالحها عن مصالح إسرائيل، والتي كانت متطابقة في سياق الأهداف الابتدائية.
في خضمّ هذا المشهد المُعقّد، يغيب التعليق الرسمي الإسرائيلي، وهو ما يُعزى إلى أن الخيارات محدودة، وأن أيّ تظهير، حتى للتحفّظ، قد يفضي إلى خسائر إضافية. ويبدو أن محاولات السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل ليتر، احتواء التداعيات، تمثّل جهداً دفاعياً للحفاظ على مظهر الوحدة الاستراتيجية، من دون إلغاء أصل الخلاف. فعلى الرغم من تأكيده أن «البلدين دخلا الحرب معاً وسيخرجان منها معاً»، إلا أن وصفه للخلافات بأنها عابرة، يكشف عن وعي عميق بتضاؤل هامش المناورة بشكل كبير، وهو ما يختلف جذرياً عن موقف تل أبيب العلني والرافض عشية اتفاق عام 2015، والذي دفع نتنياهو آنذاك إلى اعتلاء منصة «الكونغرس» للتصويب على الاتفاق النووي والمطالبة بإبطاله.
على أيّ حال، تشير قراءةٌ في ما بين سطور حديث ليتر، إلى أن الاتفاق بات وشيكاً، لكنه اتفاق يختلف عمّا أراده نتنياهو، ويتعارض مع مصلحة «إسرائيل الدولة»، الأمر الذي يعني أن إيران نجحت في الحرب التفاوضية، كما صمدت في الميدان العسكري، بينما خفّض الطرف الآخر أي الأميركي سقف توقّعاته إلى الحدّ الأدنى الذي يمكن الولايات المتحدة تحمّله أو حتى تبريره. ومن شأن ذلك أن يجرّ هزيمة استراتيجية لإسرائيل التي تجد نفسها أمام خيارَين لا ثالث لهما: إمّا الانخراط في التسوية الأميركية بشروطها، أو مواجهة عزلة استراتيجية قد لا تستطيع تحمّل تكاليفها الباهظة.
ولا يقتصر تأثير هذا التحوّل على الثنائية الإسرائيلية – الإيرانية، بل يمتدّ ليشمل توازنات الإقليم الأوسع، بما في ذلك مكانة حلفاء إيران من غير الدول، وقدرتهم على مواجهة التحدّيات المقبلة. وفي المقابل، تدفع البراغماتية الأميركية الجديدة، التي ترسّخت في أعقاب الحرب، دول الخليج إلى إعادة تقييم معادلاتها ومقارباتها لكلّ ما يتّصل بأمن المنطقة، وذلك في ظلّ إدراك متزايد من جانبها بأن المظلّة الأمنية الأميركية لم تعُد مطلقة، بل مشروطة بالمصلحة الوطنية المباشرة التي تتحرّك سلباً وإيجاباً، وفقاً لتأثيرات إيرانية مباشرة في هذه الحالة، وهو ما أقرّ به نائب الرئيس الأميركي، وما ستُظهِره بنود الاتفاق المتبلور مع طهران. ويفرض هذا الواقع على جميع أطراف الإقليم، بمن فيهم إسرائيل، التكيّف مع مرحلة تكون فيها إيران جزءاً لا يتجزّأ من عوامل التأثير التي لا يمكن إنكارها أو تجاوزها، وتقبّل خسارة كلّ ما خُطّط له على مستوى الإقليم، خلال العقدَين الماضيين.




