رأي

أحداث سبتة: كيف حوّل التضليل الإعلامي البحر إلى فخ للشباب

محمد الصالحين الهوني – العرب:

كل مشروع يُنجز، وكل فرصة عمل تُستحدث، يمثل في جوهره ردًا عمليًا على الإشاعات التي تحاول إقناع الشباب بأن لا مستقبل لهم داخل وطنهم.

لم تكن المشاهد التي رافقت أحداث سبتة مجرد محاولة جديدة للهجرة غير النظامية، ولا يمكن اختزالها في اندفاع مجموعة من الشباب نحو الضفة الأخرى من البحر. فقد كشفت تلك الأحداث عن معركة أكثر تعقيدًا تدور بعيدًا عن الشواطئ ونقاط العبور، معركة تُخاض على شاشات الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الشائعات بسرعة تفوق الحقائق، وتتحول الرسائل المضللة إلى قرارات مصيرية قد تغيّر حياة الأفراد أو تنهيها.

لقد أصبح التضليل الإعلامي في العصر الرقمي أحد أكثر أدوات التأثير خطورة، لأنه لا يعتمد على القوة المباشرة، بل على إعادة تشكيل الإدراك. فخلال دقائق معدودة، يمكن لمقطع فيديو مجتزأ، أو منشور مجهول المصدر، أو دعوة تنتشر عبر تطبيقات التواصل، أن تخلق انطباعًا زائفًا بأن الحدود مفتوحة، أو أن فرصة العبور أصبحت متاحة، أو أن المستقبل ينتظر على الجانب الآخر من البحر بلا مخاطر ولا تعقيدات. وعندما يتلقى شاب يبحث عن فرصة أفضل هذه الرسائل بصورة متكررة، فقد تتحول الشائعة في وعيه إلى حقيقة، ويصبح الوهم أقوى من الواقع.

تكمن خطورة هذا النوع من التضليل في أنه لا يكتفي بتزييف الوقائع، بل يستثمر في الأحلام الإنسانية المشروعة. فالرغبة في تحسين مستوى المعيشة، أو البحث عن فرصة عمل، أو بناء مستقبل أكثر استقرارًا، كلها تطلعات طبيعية. غير أن بعض الخطابات الرقمية تعمد إلى تقديم الهجرة غير النظامية بوصفها الطريق الأسرع لتحقيق هذه الأحلام، متجاهلة ما تحمله من مخاطر إنسانية وقانونية، وما يواجهه كثير من المهاجرين من صعوبات تبدأ عند البحر ولا تنتهي بالوصول إلى الضفة الأخرى.

فالأكاذيب التي تُبث عبر الفضاء الرقمي لا تظل حبيسة الشاشات، بل قد تتحول إلى قوارب مكتظة، وإلى عائلات تنتظر أخبار أبنائها، وإلى شباب يدفعون ثمن الثقة بمعلومات لا تستند إلى حقيقة. ولهذا، فإن التضليل في زمن المنصات لم يعد مجرد مشكلة إعلامية، بل أصبح قضية تمس الأمن المجتمعي والاستقرار الإنساني.

لكن اختزال أحداث سبتة في تأثير وسائل التواصل وحدها سيكون قراءة ناقصة. فالمعلومات المضللة لا تنجح إلا عندما تجد جمهورًا يبحث عن إجابات، أو عن فرصة، أو عن أفق مختلف. ومن هنا، فإن مواجهة التضليل لا تتحقق فقط عبر نفي الشائعات أو تفنيد الأخبار الزائفة، بل عبر بناء الثقة، وتوسيع الفرص، وتعزيز شعور الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل وطنهم بقدر ما يحلمون به خارجه.

وهنا تحديدًا تبرز خصوصية التجربة المغربية. فالمغرب لم يجعل من التنمية الاقتصادية مشروعًا لتحسين المؤشرات الكلية فحسب، بل تبناها باعتبارها خيارًا استراتيجيًا لتعزيز الاستقرار، ورفع جودة الحياة، وخلق بيئة اقتصادية أكثر قدرة على استيعاب طاقات الشباب. وفي عالم تتزايد فيه حروب المعلومات، تصبح المشاريع التنموية، بقدر ما هي استثمارات في البنية التحتية، استثمارًا في الثقة أيضًا؛ لأنها تقدم للمواطنين دليلًا ملموسًا على أن المستقبل يُبنى بالفعل، لا بالوعود.

المغرب يواجه هذه الحملات بالمنجزات الميدانية وبناء مشاريع استراتيجية واقعية مؤكداً أن حماية الأمل هي الرد الأقوى على الأكاذيب وأن التنمية هي السد الحقيقي أمام التضليل

الإستراتيجية التنموية التي انتهجها المغرب لم تقتصر على تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، بل انطلقت من رؤية أوسع تقوم على تقليص الفوارق المجالية، وربط المناطق بشبكات حديثة للنقل واللوجستيات، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، لم تعد البنية التحتية مجرد مرافق عامة، بل أصبحت أدوات لإعادة تشكيل المجال الاقتصادي، وتمكين الجهات من الاندماج بصورة أكبر في الدورة التنموية الوطنية.

وهذا لا يعني أن التنمية وحدها تنهي جميع التحديات، أو أن أي مجتمع يخلو من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. لكن الفارق يكمن في وجود مشروع وطني يتحرك إلى الأمام، ويستثمر باستمرار في تحسين البنية الاقتصادية وخلق الفرص. فالشباب لا يحتاج فقط إلى خطاب يطمئنه، بل إلى مؤشرات ملموسة تؤكد أن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل وطنه، وأن الأمل ليس وعدًا مؤجلًا، بل مسارًا تتراكم إنجازاته عامًا بعد عام.

كما أن المغرب لم يربط مشروعه التنموي بالبعد الداخلي وحده، بل وضعه في إطار رؤية أوسع تعزز مكانته كشريك اقتصادي إقليمي، من خلال توسيع ارتباطه بالأسواق الإفريقية، وتطوير الممرات التجارية، وتعزيز البنية اللوجستية. وهذا البعد يمنح التنمية بعدًا استراتيجيًا يتجاوز تحسين الخدمات، ليجعلها ركيزة لتعزيز السيادة الاقتصادية، وزيادة القدرة على مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق، تصبح مواجهة التضليل الإعلامي جزءًا من معركة أوسع لحماية الثقة العامة. فالأخبار الزائفة قد تنتشر بسرعة، لكنها تواجه صعوبة في الصمود أمام واقع يتغير باستمرار. وكل مشروع يُنجز، وكل فرصة عمل تُستحدث، وكل استثمار جديد يرى النور، يمثل في جوهره ردًا عمليًا على الإشاعات التي تحاول إقناع الشباب بأن لا مستقبل لهم داخل وطنهم.

وهكذا، تتضح معادلة مختلفة في التجربة المغربية: فبدل الانجرار إلى معركة لا تنتهي مع كل شائعة، يجري الاستثمار في بناء الوقائع نفسها. لأن الحقائق التي تُشيد بالإسمنت والابتكار والعمل اليومي، تبقى أكثر قدرة على الإقناع من أي حملة رقمية عابرة، ولأن التنمية، في نهاية المطاف، ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل مشروع لبناء الثقة، وترسيخ الأمل، وتعزيز مناعة المجتمع في مواجهة التضليل.

تكشف أحداث سبتة، بمعزل عن تفاصيلها الآنية، حقيقة أصبحت أكثر وضوحًا في عالم اليوم: أن حماية الحدود لم تعد تبدأ عند نقاط العبور، بل عند بناء وعي الإنسان وتعزيز ثقته في مستقبله. فالتضليل الإعلامي لا يجد طريقه إلى المجتمعات بسبب تطور أدواته التقنية وحدها، وإنما لأنه يحاول استغلال الفراغ الذي قد تتركه الأزمات أو الشائعات أو غياب المعلومة الموثوقة.

لقد غيّرت الثورة الرقمية طبيعة التهديدات التي تواجه الدول. ففي الماضي كانت حملات التأثير تحتاج إلى وسائل إعلام كبرى وإمكانات ضخمة، أما اليوم فقد يكفي حساب مجهول أو مقطع فيديو مجتزأ أو منشور ينتشر بسرعة عبر المنصات ليصنع حالة من الارتباك، ويؤثر في قرارات آلاف الأشخاص خلال ساعات قليلة. ولهذا، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، بل أيضًا بقدرتها على حماية فضائها المعلوماتي، وتعزيز ثقافة التحقق، وترسيخ الثقة بين المؤسسات والمجتمع.

وهذا هو الرهان الذي يفرض نفسه اليوم على كل الدول الساعية إلى ترسيخ استقرارها في عصر التحولات الرقمية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى