ترامب محق في تجنب الحرب مع الحوثيين

دانيال ديبتريس – موقع “Unherd” البريطاني:
بقدر ما أفسدت حرب ترامب غير المبررة مع إيران سياسته العامة في الشرق الأوسط، فإنه محق في التفكير ملياً قبل شن حرب أخرى ضد الحوثيين، فاليمن مستنقعٌ بكل بساطة.
في وقت سابق من هذا الشهر، شنّ الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن هجوماً خاطفاً فاجأ السعودية والولايات المتحدة، مُلحقين هزيمة ساحقة بالقوات الموالية للحكومة. باتت جزيرة بريم الصغيرة ومدينة المخا الساحلية تحت سيطرة الحوثيين، ما يمنحهم موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد استغلت السعودية مضيق باب المندب لتصدير النفط الخام إلى الأسواق العالمية من دون الحاجة إلى عبور مضيق هرمز الذي لا يزال مغلقاً من قبل الحرس الثوري الإسلامي.
أعلنت الحكومة البريطانية الليلة الماضية أنها ستقدم دعماً عسكرياً للسعودية رداً على الهجمات. لكن بينما يلتقي رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام مع دونالد ترامب في نيويورك في وقت لاحق اليوم، تجنب الرئيس الأميركي حتى الآن التدخل. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” يوم الأحد أن قاذفات أميركية كانت محملة بالكامل ومستعدة لضرب أهداف الحوثيين، إلا أنّ ترامب تراجع في اللحظة الأخيرة عن الهجوم.
لا شك أنّ السعوديين سينظرون إلى هذا الخبر بخيبة أمل، إن لم يكن بازدراء. فمع سيطرة إيران ووكلائها فعلياً على اثنين من أهم ممرات الطاقة في الشرق الأوسط، ومع قيام ميليشيات عراقية مدعومة من إيران بتخريب خط أنابيب النفط الرئيسي الذي يربط الشرق بالغرب في وقت سابق من هذا الشهر، يسعى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جاهداً لإيجاد مخرج من مأزق يزداد حرجاً. ولكن بقدر ما أفسدت حرب ترامب غير المبررة مع إيران سياسة ترامب العامة في الشرق الأوسط، فإنه محق في التفكير ملياً قبل شن حرب أخرى ضد الحوثيين.
أولاً، مع أنّ لا أحد ينكر قدرة الجيش الأميركي على قصف اليمن، إلا أنّ البنتاغون لم يعد بإمكانه التهور في استخدام ذخائره. وبغض النظر عن تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث المخالفة، فقد استنزف الصراع المستمر منذ سبعة أشهر تقريباً مع إيران مخزونات الوزارة إلى حدٍّ يُجبر قيادتها على البحث عن ذخائر دقيقة ومنصات دفاع جوي من قيادات قتالية أخرى. وتشير إحدى التقديرات إلى أن الولايات المتحدة استهلكت نحو 80% من صواريخها الاعتراضية من نظام الدفاع الصاروخي الطرفي عالي الارتفاع (THAAD)، كما أن ترسانتها من صواريخ باتريوت قد نفدت أيضاً. ومن المؤكد أنّ هذه الأرقام ستزداد سوءاً إذا ما شنت واشنطن حملة جوية أخرى.
ثانياً، يجدر التذكير بأن ترامب قد خاض حرباً ضد الحوثيين سابقاً، ويمكن وصف النتيجة ، على أقل تقدير، بأنها غير مُرضية. فبين آذار/مارس وأيار/مايو من العام الماضي، أمر بشن حملة قصف شاملة في اليمن لإجبار الحركة على وقف إطلاق النار على السفن المدنية في البحر الأحمر. وقد أسقط الجيش الأميركي ذخائر بقيمة تزيد عن مليار دولار لضرب أكثر من ألف هدف، بما في ذلك منشآت تصنيع الطائرات المسيّرة، وبطاريات الصواريخ، ومراكز القيادة والسيطرة، وقادة الحوثيين أنفسهم.
لكن رغم تلك الخسائر، تمسك الحوثيون بمواقعهم واستمروا في إطلاق صواريخ كروز وطائرات مسيرة باتجاه السفن. وفي نهاية المطاف، سئم ترامب من المواجهة، وعقد صفقة، وأعلن إنجاز المهمة. إنّ العودة مباشرة إلى وضع مماثل بعد عام ونصف، مع توقع نتيجة أفضل، هو ضرب من الجنون.
أخيراً، لا تُجدي الحملات الجوية نفعاً إلا بوجود قوات برية قادرة على استغلالها. وهذا ليس هو الحال في اليمن، حيث لا يُمثل التكتل المناهض للحوثيين تحالفاً متماسكاً، بل هو أقرب إلى مجموعة من الفصائل المنفصلة ذات المصالح والأجندات المختلفة. يقود قوات المقاومة الوطنية ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الذي أُطيح به خلال الربيع العربي وقُتل على يد الحوثيين بعد خمس سنوات. أما الآخرون فهم جهاديون، أو على الأقل متعاطفون مع الأصولية السنية التي حاربتها الولايات المتحدة منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر.
لم تُثبت أيٌّ من هذه التشكيلات المسلحة، سواءً منفردةً أو مجتمعةً، قدرتها على توحيد صفوفها واستعادة الأراضي من الحوثيين، الذين يحكمون معظم سكان اليمن منذ أكثر من عقد، وأظهروا قدرتهم على الصمود أمام منافسيهم. اليمن مستنقعٌ بكل بساطة. ولا يُلام ترامب على تجنّبه ذلك.




