عودة: السلطة لا تكون على حساب الناس

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس، وألقى بعد قراءة الإنجيل عظة تناول فيها معنى حمل الصليب ونكران الذات، داعيًا إلى الانتقال من مركزية «الأنا» إلى المسيح.
وقال عودة إن إنجيل اليوم لا يضع أمام الإنسان سؤال القدرة على حمل الصليب، بل سؤال «أي حياة نريد أن نعيش»، مستشهدًا بقول المسيح: «من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني». وأوضح أن الإنسان لا يجد حياته عندما يتشبث بها، بل عندما يسلمها لله.
وأشار إلى أن الإنسان المعاصر يسعى إلى حماية نفسه من كل خسارة، فيلهث وراء المال والمكانة والشهرة والسلطة، فيما تكمن الخسارة الأخطر في أن «نفقد نفوسنا فيما نحن نحافظ على كل شيء». ولفت إلى أن المسيح يسأل: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟».
وتوقف عودة عند قول الرسول بولس: «مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا في»، معتبرًا أن إنكار الذات لا يعني محو شخصية الإنسان، بل تحريره من «الأنا» التي تريد أن تعيش مستقلة عن الله.
وقال إن الإنسان غالبًا ما يريد تغيير الآخرين والظروف والكنيسة والعائلة والمجتمع، من دون أن يسأل عما يريد المسيح تغييره في نفسه. ونقل عن آباء الكنيسة أن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع الخارج، بل مع الأهواء التي تستعبد القلب، مشددًا على أن الحرية الحقيقية تتحقق عندما تتحرر الإرادة من عبودية الأهواء وتتوافق مع مشيئة الله.
ورأى أن حمل الصليب يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، في التخلي عن كلمة جارحة، وطلب الصفح، والأمانة للقيم، ورفض المكسب الذي يفسد الضمير، والصبر على ضعف الآخرين، معتبرًا أن الصليب عندها لا يعود مجرد حمل، بل يصبح «طريقة سلوك وحياة».
وشدد عودة على أن المسيحية لا تبدأ من جهد الإنسان للوصول إلى الله، بل من اكتشافه أن الله أحبه أولًا، مؤكدًا أن المسيح لم ينتظر أن يصبح الإنسان مستحقًا للمحبة، بل أحبه وبذل نفسه من أجله.
وأشار إلى أن قيمة الإنسان، وفق الإنجيل، لا ترتبط بما يحققه أو يملكه أو بنظرة الآخرين إليه، موضحًا أن من يكتشف قيمته في محبة المسيح يصبح قادرًا على الخسارة بلا انهيار، والتواضع بلا شعور بالإهانة، والعطاء بلا انتظار مقابل، والمحبة من دون كبرياء.
وختم عودة بالتأكيد أن نكران الذات والتخلي عن الاهتمامات الدنيوية هما طريق إلى الخلاص، داعيًا إلى عدم الخجل من حياة مختلفة عن منطق العالم، وإلى «رذل الأنا» وحمل الصليب بفرح، وصولًا إلى الخلاص الذي وعد به الرب.




