دلالات فوز ممداني

كتبت د. نورة صالح المجيم في صحيفة القبس.
حقق المرشح الديموقراطي زهران ممداني البالغ من العمر 34 ربيعاً، انتصاراً تاريخياً كأول «مسلم» يفوز بمنصب عمدة نيويورك في تاريخ انتخابات المدينة ذات الأهمية الاقتصادية الكبيرة التي تتخطى أهميتها الولايات المتحدة إلى العالم.
إن فوز مسلم ذي أصول مهاجرة خالصة صغير السن حديث العهد نسبياً بالسياسة ذي توجه اشتراكي معلن بهذه المدينة الاقتصادية العالمية، حدث تاريخي استثنائي (زلزال سياسي أمريكي)، يعكس مجموعة أمور جوهرية على صعيد الداخل الأمريكي.
تعد ولاية نيويورك عامة، وليس مدينة أو بلدية نيويورك التي فاز ممداني برئاستها، ولاية ديموقراطية حصرية وبالأخص مدينة نيويورك، وتحتوي الولاية أيضا على أعلى نسبة يهود في أمريكا، إذ يشكلون قرابة 35% من سكانها. ومن ثم، ففوز أي مرشح ديموقراطي مضمون بنسبة تفوق الـ90%، لكن ديموقراطيا مسلما اشتراكيا حديث العهد لجمهور الولاية، هذا أمر صعب للغاية يكاد يكون مستحيلاً، حتى ولو نال تأييد الحزب ونخبته المهيمنة عليه مثلما نال ممداني تأييد أوباما.
فوز ممداني من حيث المبدأ يعكس الصورة الأكبر للتحول الاجتماعي والسياسي والفكري الهائل داخل الولايات المتحدة والجاري منذ عشرين عاما، وآخذا في التوسع. على مدار العقدين الماضيين، وذلك إثر زيادة عدد «الملونين/غير البيض الأصليين» بصورة كبيرة في المقام الأول، وأيضا إثر ظهور تيارات فكرية جديدة كالنسوية، والخضر، والشعبوية، وتوسع فجوة التفاوت الطبقي بصورة مرعبة (1% فقط يحتكرون الثروة، وأكثر من 70% في فقر وديون خانقة)، وزيادة أعداد الشباب، والتطور التكنولوجي؛ أمسى صعود نجم قائد سياسي جديد بقوة وسرعة الصاروخ (خارج نطاق المؤسسة التقليدية، أو السياق العام التقليدي) حدثاً عادياً، ولا يرقى حتى لمستوى الظاهرة، حتى ولو أسود، أو مسلم.
فأوباما وهو أول انعكاس حقيقي ملموس لذلك التحول، فقد عُد فوزه حدثاً تاريخياً غير متوقع، وصنف انتخابه بأنه خارج السياق والمؤسسة التقليدية، والمفارقة أيضا هي ترامب الذي تجاوز كل الحدود التقليدية بأشواط حتى داخل الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه اسميا فقط، لكن أفكاره تناهض معظم أفكاره.
وبالتالي، فانتصار ممداني – رغم صعوبته الشديدة، هو انعكاس طبيعي لصورة التحول الكبيرة. لكن أيضا ربما تكمن المفاجأة أن انتصاره في نيويورك المدينة الرأسمالية ذات الأغلبية المسيحية اليهودية. انتخب ممداني كثير من الشباب، وكثير من المسيحيين، والأقليات، والمفارقة نسبة معقولة من يهود نيويورك تقدر بنحو 7% وربما تصل إلى 10%، وبالمجمل فاز ممداني بنصف أصوات المدينة بفارق ضئيل عن منافسه الديموقراطي المستقل أندرو كومو؛ على خلفية برنامجه الاشتراكي الذي وعد فيه بتحقيق العدالة الاجتماعية عبر رفع الضرائب على الأغنياء، وسائل مواصلات مجانية، الحد من رفع إيجار المنازل، دور رعاية صحية وللأطفال مجانا… وغيرها.
برنامج انتخابي مغرٍ مذهل يتماهى مع وضع أغلبية سكان المدينة خاصة الشباب الفقراء. وبالعودة إلى الصورة الأكبر، فهذا انعكاس صريح للتفاوت الطبقي الصارخ الناجم عن الرأسمالية المتوحشة، وتمرد أيضا على هذه الرأسمالية؛ فالشاب اليهودي الفقير-مثلا- لن يلتفت لخلفية المرشح، كممداني المسلم الناقد بشدة لإسرائيل والصهيونية، ولم يعر أي اعتبار للايديولوجيا أو العقيدة، طالما أن المرشح سيكون طوق النجاة من جحيم الفقر والتضخم والتأمين الصحي الباهظ، والإيجار المتضخم.
ولعل ذلك يدفعنا للقول ان فوز ممداني بدأ يشير لتحول جذري داخل الحزب الديموقراطي ويتبدى ذلك في عدة مظاهر واتجاهات، من أهمها: قاعدة واسعة للحزب من الأقليات والشباب تميل نحو ما يسمى «الاشتراكية العقلانية» أي استياء من النهج التقليدي وقيادته ونخبته المسيطرة عليه، رافضة للدعم المطلق لإسرائيل، حيث حظيت حملة ممداني على إسرائيل وجرائمها في غزة على دعم واسع، وأيضا التمرد على النمط التقليدي للسياسة التقليدية للحزب ذات العنصرين الأساسيين (القيم الليبرالية، والأصولية الدينية المسيحية اليهودية) لكن بصورة أقل نسبيا من الحزب الجمهوري.
في الختام، انتصار ممداني الصعب التاريخي ما هو إلا انعكاس لصورة التحول الأكبر السياسي والاجتماعي والفكري والعرقي داخل أمريكا، وفي طيات ذلك، يدشن ممداني بوضوح لتنامي الاشتراكية العقلانية، التخلص من الانحياز المطلق لإسرائيل، والتخلص من إرث النيوليبرالية والأصولية الدينية الثقيل.




