افتتاحية اليوم: النفوذ الأميركي.. والدور الفرنسي

حمل الاتصال الذي أجراه، بعد ظهر أمس، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أكثر من رسالة سياسية، إذ جاء ليؤكد أن باريس لا تزال تعتبر لبنان أولوية في سياستها الشرق أوسطية، وأنها ليست في وارد التخلي عن دورها التاريخي، رغم التحولات التي تشهدها المنطقة، وتصاعد الحضور الأميركي في إدارة الملفات اللبنانية، حيث شدد ماكرون على استمرار دعم فرنسا للبنان، وحرصها على استقراره وصون سيادته، مع تأكيد مواصلة دعم الجيش اللبناني، والمساهمة في إعادة الإعمار، إضافة إلى استعداد فرنسا والدول الصديقة لمؤازرة لبنان لتجاوز المرحلة الدقيقة التي يعيشها.
هذه المواقف، بلا شك، تعكس تمسك باريس بثوابتها تجاه لبنان، انطلاقًا من قناعة بأن استقراره يشكل ركنًا أساسيًا في استقرار شرق المتوسط، وأن أي اهتزاز داخلي ستكون له انعكاسات إقليمية تتجاوز الحدود اللبنانية.
كما يأتي هذا الموقف الفرنسي في وقت يتردد فيه أن النفوذ الأميركي بات أكثر حضورًا وتأثيرًا في لبنان، سواء من خلال رعاية ملفات التفاوض، أو مواكبة تنفيذ التفاهمات الأمنية، أو ممارسة الضغوط السياسية المرتبطة بالاستحقاقات المقبلة.
في تقدير مصدر وزاري، فإن تنامي الدور الأميركي لا يعني بالضرورة تراجع الدور الفرنسي أو انحساره، بل يعكس توزيعًا للأدوار بين العواصم الغربية المعنية بالملف اللبناني، حيث تمتلك كل دولة أدواتها ونقاط قوتها.
فالولايات المتحدة تتحرك من زاوية الأمن والاستقرار الإقليمي، بينما تتميز فرنسا بعلاقاتها السياسية والتاريخية مع مختلف المكونات اللبنانية، وبقدرتها على الحفاظ على قنوات الحوار مع جميع الأطراف، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للقيام بدور الوسيط والمسهّل في كثير من المحطات.
كما أن باريس، في رأي المصدر، تدرك أن لبنان يقف اليوم أمام استحقاقات مصيرية، تبدأ بتثبيت الاستقرار الأمني، ولا تنتهي بإطلاق ورشة إعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد، واستكمال مسار الإصلاحات. ومن هنا، فإن رسائل ماكرون تعكس رغبة واضحة في إبقاء فرنسا شريكًا أساسيًا في أي مسار إنقاذي، وعدم ترك الساحة اللبنانية حكرًا على أي نفوذ دولي أو إقليمي منفرد.
كما يكتسب التركيز الفرنسي على دعم الجيش اللبناني أهمية خاصة، باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة القادرة على حماية الاستقرار الداخلي وترسيخ سلطة الدولة، وهو خيار لطالما شكل نقطة التقاء بين باريس وبيروت. كما أن الحديث عن إعادة الإعمار يعبّر عن استعداد فرنسي للمشاركة في مرحلة ما بعد الأزمات، انطلاقًا من قناعة بأن التعافي الاقتصادي يشكل المدخل الحقيقي لترسيخ الاستقرار السياسي.
وفي اعتقاد المصدر، فإن باريس لا تزال مصممة على البقاء لاعبًا رئيسيًا في المشهد اللبناني، حتى في ظل اتساع الحضور الأميركي. فالمرحلة المقبلة تبدو أقرب إلى تكامل في الأدوار بين القوى الدولية الداعمة للبنان منها إلى صراع نفوذ، فيما يبقى الرهان الأساسي على قدرة اللبنانيين على استثمار هذا الاهتمام الدولي في تعزيز مؤسسات الدولة.




