رأي

في زمن الاضطرابات: رؤى الخليج تُثبت صمودها

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.

سلطنة عمان عبر رؤيتها 2040 تسعى إلى بناء مجتمع مبتكر واقتصاد متنوع وهي رؤية شاملة تهدف إلى تعزيز مكانة عمان كدولة مستقرة وفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي.

اقتصادات دول الخليج تكاد تكون، وسط ما يشهده العالم من أزمات اقتصادية وتوترات جيوسياسية وتغيرات مناخية، حالة استثنائية تستحق التوقف عندها. فبينما يعاني العالم من تباطؤ اقتصادي وارتفاع معدلات التضخم ويواجه تحديات في التجارة العالمية وتراجع النمو، نجد دول مجلس التعاون الخليجي تحقق معدلات نمو تفوق التوقعات، وتقدم نموذجاً مختلفاً عن الصورة التقليدية التي ارتبطت بها لعقود طويلة باعتبارها اقتصادات ريعية تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات.

هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة رؤى استراتيجية طويلة الأمد وضعت منذ سنوات، مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية الإمارات 2071 ورؤية عُمان 2040 ورؤية البحرين الاقتصادية 2030 ورؤية الكويت 2035، وهي مشاريع وطنية كبرى تهدف إلى إعادة صياغة البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لهذه الدول، وتحويلها إلى مراكز إقليمية وعالمية قادرة على مواجهة التحديات وصنع المستقبل.

الأرقام الرسمية والتقارير الدولية تؤكد هذا الواقع الجديد. ففي عام 2025، سجل الاقتصاد السعودي نمواً يصل إلى 4.6% مدفوعاً بقطاعات غير نفطية مثل السياحة والترفيه والتكنولوجيا. الإمارات من جانبها تسجل نمواً يقارب 5% مع ازدهار في الخدمات المالية واللوجستية والذكاء الاصطناعي، بينما سجل الاقتصاد العُماني نمواً بنسبة 3.4% مدفوعاً بزيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 16.2% وارتفاع التصنيف الائتماني. هذا النمو يأتي في وقت يعاني فيه العالم من تباطؤ، ما يجعل التجربة الخليجية جديرة بالاهتمام والتحليل.

السر يكمن في التنويع الاقتصادي الذي بدأ قبل عقد على الأقل حيث قلصت دول الخليج اعتمادها على النفط من أكثر من 90% في الإيرادات إلى أقل من 50% في بعض الحالات

السر يكمن في التنويع الاقتصادي الذي بدأ قبل عقد على الأقل، حيث قلصت دول الخليج اعتمادها على النفط من أكثر من 90% في الإيرادات إلى أقل من 50% في بعض الحالات، من خلال استثمارات هائلة في قطاعات جديدة، وهو ما جعلها أكثر قدرة على الصمود أمام تقلبات أسعار النفط وأزمات الطاقة العالمية.

رؤية السعودية 2030 تمثل النموذج الأبرز لهذا التحول. مشاريع مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر لم تعد مخططات على الورق، بل أصبحت واقعاً يجذب استثمارات أجنبية بمليارات الدولارات ويخلق ملايين الوظائف للشباب. هذه المشاريع العملاقة لا تهدف فقط إلى تنويع الاقتصاد، بل إلى إعادة صياغة صورة المملكة على المستوى العالمي، وتحويلها إلى مركز جذب للاستثمار والسياحة والابتكار.

الإمارات بدورها أصبحت مركزاً عالمياً للابتكار، مع استضافة مؤتمرات كبرى مثل مؤتمر المناخ COP28 واستثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي والفضاء، ما جعلها لاعباً رئيسياً في الاقتصاد العالمي الجديد القائم على المعرفة والتكنولوجيا.

سلطنة عُمان عبر رؤيتها 2040 تسعى إلى بناء مجتمع مبتكر واقتصاد متنوع ومؤسسات كفؤة وبيئة مستدامة، وهي رؤية شاملة تهدف إلى تعزيز مكانة عُمان كدولة مستقرة وفاعلة في محيطها الإقليمي والدولي. البحرين من خلال رؤيتها الاقتصادية 2030 ركزت على مبادئ الاستدامة والعدالة والتنافسية، وتهدف إلى الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة عالمياً، وتحسين مستوى المعيشة لجميع المواطنين. أما الكويت فقد وضعت رؤية 2035 تحت عنوان “كويت جديدة”، وتهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز مالي وتجاري عالمي، وتعزيز التنمية البشرية والبنية التحتية، بما يجعلها لاعباً رئيسياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

نمو الخليج ليس مجرد أرقام اقتصادية، بل دليل على قدرة المنطقة على القيادة في زمن الأزمات. إذا استمر هذا المسار، سيكون الخليج ليس فقط منتجاً للطاقة، بل مصدراً للأمل والنموذج للعالم العربي بأكمله

هذه الرؤى لم تتوقف عند التحديات، بل استفادت منها لتسريع التحول الاقتصادي. انخفاض أسعار النفط دفع نحو التنويع، والتوترات الإقليمية عززت الاستقلالية الاقتصادية، والتغيرات المناخية دفعت إلى الاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء. فمشاريع الطاقة الشمسية الهائلة في السعودية والإمارات وعمان، والاستثمارات في التكنولوجيا النظيفة، تعكس إدراكاً عميقاً بأن المستقبل لن يكون رهين النفط وحده، بل رهين القدرة على الابتكار والتكيف مع التحولات العالمية.

لكن هذا النمو ليس خالياً من التحديات. التوترات في اليمن ولبنان وسوريا والصراع في غزة تلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي، مما يؤثر على التجارة والسياحة ويزيد من المخاطر السياسية. كما أن التغير المناخي يهدد البنية التحتية، مع موجات حر قاسية وارتفاع مستوى البحار، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في التكيف والتخفيف. رغم ذلك، نجح الخليج في تحويل هذه التحديات إلى فرص، من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الخضراء، وتبني سياسات أكثر مرونة في مواجهة الأزمات. هذا النجاح يعكس قدرة هذه الدول على التفكير الاستراتيجي بعيد المدى، وعدم الاكتفاء بالحلول المؤقتة أو الانفعالية.

في وقت يعاني فيه العالم العربي الأوسع من أزمات اقتصادية وسياسية، يقدم الخليج نموذجاً للتنويع والصمود، يعتمد على الشباب والابتكار لا على الريع فقط. هذا النمو رغم التحديات يؤكد أن المستقبل ليس في انتظار الظروف المثالية، بل في صنعها بالإرادة والتخطيط. فبينما تتعثر دول عربية أخرى في أزمات داخلية وصراعات سياسية، يثبت الخليج أن الاستثمار في الإنسان والابتكار والبنية التحتية يمكن أن يخلق مساراً مختلفاً، ويمنح المنطقة فرصة للقيادة في زمن الاضطرابات.

نمو الخليج ليس مجرد أرقام اقتصادية، بل دليل على قدرة المنطقة على القيادة في زمن الأزمات. إذا استمر هذا المسار، سيكون الخليج ليس فقط منتجاً للطاقة، بل مصدراً للأمل والنموذج للعالم العربي بأكمله. فالرؤى التي وضعتها السعودية والإمارات وعُمان والبحرين والكويت ليست مجرد خطط تنموية، بل مشاريع حضارية تهدف إلى إعادة صياغة مستقبل المنطقة، وجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصنع الفرص. هذا التحول يعكس وعياً عميقاً بأن العالم يتغير بسرعة، وأن من لا يواكب هذا التغيير سيجد نفسه خارج اللعبة. الخليج اليوم يقدم للعالم العربي درساً في أن الإرادة والتخطيط يمكن أن يصنعا المستقبل، مهما كانت الظروف صعبة ومعقدة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى