رأي

المرسوم 13 والدستور السوري المنشود

فيصل يوسف – العربي الجديد:

تُقاس أهمية المراسيم والقوانين بمدى قدرتها على التعبير عن تحوّلات فلسفة الدولة وإعادة تعريف علاقتها بالمجتمع. ولهذا يكتسب المرسوم التشريعي في سورية رقم 13، الصادر في 16 يناير/ كانون الثاني 2026، أهمّيةً سياسيةً تتجاوز مضمونه القانوني المباشر، إذ يفتح الباب أمام سؤال جوهري يتعلّق بطبيعة الدولة السورية التي تتشكّل ملامحها بعد عقود من الاستبداد والصراعات، كما يضع مجلس الشعب الجديد أمام مسؤولية تاريخية تتمثّل في ترجمة هذا الإقرار إلى عقد دستوري دائم.

لقد قامت الدولة السورية، عقوداً، على تصوّر أحادي للهُويّة الوطنية، تعامل مع التنوع القومي والثقافي والديني باعتباره إشكاليةً ينبغي احتواؤها أو إنكارها، بل يجب تجريم المطالبين بالاعتراف بها. وأفضت هذه السياسات إلى تآكل الثقة بين الدولة ومكوِّناتها، وتراكم مظالمَ سياسية وقانونية واجتماعية، كان السوريون الأكراد من أكثر المتضرّرين منها. إذ حُصرت المواطنة في إطار أيديولوجي ضيّق، وغابت منها الشراكة الحقيقية، وتحوّل التنوّع من مصدر قوّة إلى ذريعة للإقصاء واتّباع السياسات الاستثنائية.

وفي هذا السياق، يمثّل إقرار المرسوم بالشعب الكردي بوصفه مكوِّناً أصيلاً من مكوِّنات المجتمع السوري تحوّلاً سياسياً وقانونياً لافتاً، لأنّه يلامس واحدة من أعمق القضايا الوطنية. غير أنّ هذا الإقرار لن يكتمل أثره ما لم يتحوّل إلى نصوص ومبادئ دستورية حاسمة، وهنا تبرز المهمّة الأساسية لمجلس الشعب بوصفه المؤسّسة المخوّلة بصياغة الإطار التشريعي للدولة الجديدة. فالقضية الكردية لم تكن يوماً قضيةً ثقافيةً أو لغويةً فحسب، كما أنّها ليست مطالبة بامتيازات خاصّة، وإنّما هي قضية شراكة متكافئة في الوطن والدولة، تقوم على المواطنة المتساوية، والاعتراف الدستوري بحقوق السوريين الأكراد، وإزالة المظالم التي لحقت به. ومن ثمّ، فإنّ أيّ معالجة تقتصر على البعد الرمزي، من دون إعادة بناء العلاقة الدستورية والقانونية بين الدولة والمكوِّن الكردي والمكوِّنات الأخرى، ستظلّ معالجةً ناقصةً لا تمسّ جوهر المشكلة.

لا يمكن لسورية الجديدة أن تُبنى على إعادة إنتاج المركزية المطلقة التي أثبتت فشلها، وإنّما على شراكة وطنية تتيح لجميع السوريين الإسهام في إدارة دولتهم

الإقرار الصريح بالتعدّدية القومية والدينية والثقافية في الدستور ليس تهديداً لوحدة البلاد، بل هو الضمانة الحقيقية لاستقرارها، لأنّه يغلق الباب أمام سياسات التهميش، ويؤسّس لشراكة وطنية مستدامة. ومن هنا، فإنّ دور مجلس الشعب يتجاوز التشريع الروتيني إلى المشاركة الفاعلة في صياغة العقد الاجتماعي الذي سيحدّد شكل سورية لعقود مقبلة.

ينبغي النظر إلى المرسوم رقم 13 باعتباره بدايةً لمسار تأسيسي جديد، ينتقل من إثبات الوجود إلى صون الحقوق، ومن معالجة المظالم التاريخية إلى بناء دولة قائمة على العدالة والتعدّدية والشراكة المتوازنة في إدارة الشأن العام. وإذا كان مجلس الشعب يمثّل الإرادة الوطنية، فإنّ محكّ نجاحه يكمن في استكمال هذا المسار حتّى يبلغ غايته الدستورية، كما أنّ نجاح المرحلة الانتقالية يُقاس بمدى قدرتها على معالجة الإرث الثقيل الذي خلّفته السياسات السابقة بحقّ المكوِّن الكردي وسائر المكوِّنات. فالعدالة الانتقالية شرط أساس لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر الاعتراف بالمظالم، وجبر الضرر، وردّ الحقوق، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وفي هذا الإطار، تبقى ملفّات “الحزام العربي” وسياسات التعريب وغيرها جزءاً من استحقاق وطني لا يجوز تأجيله، ويقع على عاتق المجلس سنّ التشريعات الكفيلة بإنصاف الضحايا وردّ الحقوق إلى أصحابها.

في المقابل، لا يمكن لسورية الجديدة أن تُبنى على إعادة إنتاج المركزية المطلقة التي أثبتت فشلها، وإنّما على شراكة وطنية تتيح لجميع السوريين الإسهام في إدارة دولتهم. ومن هذا المنطلق، يبرز اعتماد شكل مناسب من اللامركزية خياراً ناضجاً لتعزيز فعّالية الإدارة وترسيخ المتحد الوطني. فاللامركزية توسّع المشاركة، وتحدّ من احتكار السلطة، وتحقّق توازناً بين صلاحيات المركز وحقوق المناطق والمكوِّنات، وهو ما يستدعي حواراً وطنياً معمّقاً للوصول إلى الصيغة الأنسب.

الإقرار الصريح بالتعدّدية القومية والدينية والثقافية في الدستور ليس تهديداً لوحدة البلاد، بل هو الضمانة الحقيقية لاستقرارها

ويبقى التحدّي الأكبر في تحويل هذه المبادئ إلى ثقافة سياسية جديدة تقطع مع ذهنية الدولة الشمولية، وتؤمن بأنّ التنوّع مصدر قوّة وشرعية. فالدولة التي تكفل المساواة الدستورية لجميع مواطنيها هي وحدها القادرة على بناء ولاء وطني جامع، وتجاوز الانقسامات التي أنهكت البلاد.

القيمة الحقيقية للمرسوم التشريعي رقم 13 تكمن فيما يُؤسِّس له. فإذا تحوّل إلى مدخل لإصلاح دستوري شامل، وعدالة انتقالية منصفة، وشراكة متوازنة، فسيشكّل محطّةً مفصليةً في تاريخ سورية. أمّا إذا بقي إجراءً منفصلاً عن مشروع وطني متكامل، فسيظلّ خطوةً إيجابيةً، لكنّها غير كافية للإجابة عن الأسئلة الكُبرى للمرحلة الانتقالية.

يقف مجلس الشعب الجديد أمام اختبار تاريخي حقيقي في قدرته على تأسيس دولة تستوعب جميع أبنائها. فحقوق المكوِّنات الوطنية الأساسية ليست موضع تصويت بين أكثرية وأقلية، بل هي مبادئ دستورية فوق الخلافات السياسية، وستكون معيار النجاح والبوصلة التي تقود إلى إرساء الأساس المتين لسورية الجديدة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى