رأي

تاكو ترمب.. حين سقطت هيبة التهديد

منصور المطلق – الجزيرة:

لا أعرف إن كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتقن فعلا “فن الصفقة” كما قدمه للعالم في كتابه الشهير، الذي يمكن اختصار فلسفته التفاوضية في جملة واحدة: “اطلب المستحيل لتحصل على الصعب”، وربما تفسر هذه القاعدة جانبا من تهديدات ترمب المتكررة وذات السقف المرتفع، باعتبارها وسيلة للضغط على الخصم ودفعه إلى تقديم تنازلات قبل الوصول إلى المواجهة.

لكن ما لم يشر إليه في كتابه هو السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما تفشل هذه السياسة؟

الإجابة ظهرت في التعامل مع إيران. فمع كل تهديد مرتفع السقف، ترفع طهران بدورها مستوى خطاب التحدي، وتظهر استعدادا للصمود والمواجهة، الأمر الذي وضع ترمب أمام خيارات أكثر صعوبة، ودفعه إلى التراجع في أكثر من مناسبة أمام العالم. ومع تكرار المشهد، تآكلت هيبة التهديد الأمريكي تدريجيا، وتحولت تصريحات الرئيس الأمريكي إلى مادة للسخرية داخل الولايات المتحدة، حيث أطلق عليه منتقدوه لقب “TACO Trump”.

ولا علاقة للأمر هنا بشطيرة التاكو المكسيكية الشهيرة، وإنما هي لعبة لغوية تقوم على اختصار عبارة “Trump Always Chickens Out”، أي “ترمب يتراجع دائما”. وقد تحول المصطلح إلى تعبير سياسي وإعلامي ساخر، وهو أمر يحمل دلالة تتجاوز حدود السخرية نفسها، فعندما تصبح تهديدات رئيس الدولة الأقوى في العالم مادة للنكات والتعليقات، فإن جزءا من قوة الردع المرتبطة بها يبدأ في التآكل.

الخصم الذي يسمع للمرة الأولى تهديدا استثنائيا قد يشعر بالخطر. وفي المرة الثانية يبدأ بالاستعداد. أما عندما يسمع التهديد للمرة الخامسة أو العاشرة، ثم يراقب النتيجة ويجد أن التصعيد ينتهي بتراجع أو تأجيل أو تخفيف للموقف، فإنه يتوقف عن التعامل معه باعتباره إنذارا حقيقيا

وهنا تظهر المفارقة في تجربة ترمب. فهو بنى جزءا كبيرا من صورته السياسية على شخصية الرجل الذي لا يخشى المواجهة، ولا يتردد في الذهاب إلى أبعد الحدود للحصول على ما يريد. وقد شكلت هذه الصورة في حد ذاتها أداة تفاوضية قوية، فالخصم الذي يعتقد أن الطرف الآخر قد يتخذ قرارا مفاجئا وخطيرا، قد يفضل تقديم التنازل قبل الوصول إلى نقطة المواجهة. وهذه الإستراتيجية تحتاج إلى عنصر الغموض حتى تنجح.
أما عندما يصبح النمط مكشوفا، تتغير قواعد اللعبة بالكامل.


وفي الحالة الإيرانية، استطاعت طهران التعامل مع التهديدات الأمريكية بطريقة مختلفة عن الحسابات التي ربما وضعتها واشنطن. فبدلا من الانكفاء أمام ارتفاع سقف التهديد، اختارت رفع مستوى خطاب التحدي، وأظهرت قدرة واضحة على الصمود، وأرسلت رسالة مفادها أن الضغط الأمريكي لا يعني بالضرورة استسلام الطرف الآخر.

وهنا تكمن واحدة من أكثر النقاط إحراجا لترمب: لقد كشف أسلوبه أمام خصمه.

فالخصم الذي يستطيع قراءة رد فعله بعد كل تهديد، يستطيع أيضا أن يبني خطواته التالية على هذا السلوك. وكل تراجع متكرر يمنح الطرف الآخر معلومة جديدة عن حدود التصعيد.

قد يقول مؤيدو ترمب إن كل ذلك جزء من إستراتيجية تفاوضية محسوبة، وإن الرئيس لا يطلق تهديداته بالضرورة بهدف تنفيذها، وإنما يستخدمها لرفع سقف المطالب وإجبار الخصم على تقديم تنازلات. وهذه الفكرة تنسجم بالفعل مع فلسفته، لكن حتى أكثر إستراتيجيات التفاوض ذكاء يمكن أن تفقد فعاليتها عندما يتكرر استخدامها بالطريقة نفسها.

فالخصم الذي يسمع للمرة الأولى تهديدا استثنائيا قد يشعر بالخطر. وفي المرة الثانية يبدأ بالاستعداد. أما عندما يسمع التهديد للمرة الخامسة أو العاشرة، ثم يراقب النتيجة ويجد أن التصعيد ينتهي بتراجع أو تأجيل أو تخفيف للموقف، فإنه يتوقف عن التعامل معه باعتباره إنذارا حقيقيا، ويبدأ في اعتباره جزءا من التكتيك التفاوضي. وهنا تتحول المعادلة بصورة أكثر تعقيدا.

فترمب، من حيث يدري أو لا يدري، وضع نفسه أمام خيار بالغ الصعوبة. فبدلا من أن تدخل الولايات المتحدة أي مواجهة وهي تمتلك رصيدا متراكما من الهيبة والمصداقية يسمح لها بتحقيق مكاسب سياسية عبر التفاوض والضغط، أصبح عليه اليوم أن يتعامل مع واقع أكثر قسوة وهو استعادة الهيبة التي كانت متاحة لواشنطن قبل المواجهة. وقد تتطلب ثمنا أكبر بكثير من الثمن الذي كان يمكن دفعه لتجنب تآكلها من الأساس.

القوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت، وإلحاق خسائر، وتغيير موازين ميدانية، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق الهدف السياسي الذي من أجله استخدمت

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم بصورة أوضح خلال الحرب الباردة وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بنت الولايات المتحدة نظاما دوليا قائما على مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، وكانت تستطيع في كثير من الملفات أن تحصل على تنازلات عبر التهديد باستخدام القوة، من دون الحاجة إلى استخدامها فعليا. وكانت هذه هي القيمة الحقيقية للردع: “أن يصدق الخصم أن القوة موجودة خلف الكلمات، فيتراجع قبل أن تضطر إلى استخدامها”.

أما عندما تتآكل هذه المصداقية، فإن استعادتها تصبح أكثر كلفة.

وهنا يجد ترمب نفسه أمام معضلة حقيقية. فإذا أراد العودة إلى الصورة التي كانت عليها الولايات المتحدة قبل أن تتعرض تهديداته للاختبار، فقد لا يكفيه إصدار تهديد جديد أو إعلان موقف أكثر تشددا. قد يجد نفسه مضطرا إلى إظهار قدر من القوة يفوق ما كان يحتاج إليه في السابق، فقط لإثبات أن القوة التي تحدث عنها طوال الوقت ما زالت موجودة وقابلة للاستخدام. وهذه هي المفارقة.


القوة التي كان يفترض أن تكون وسيلة للحصول على الصفقة، قد تتحول إلى وسيلة لاستعادة القدرة على عقد الصفقة.
أي أن واشنطن قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع ثمن عسكري وسياسي واقتصادي كبير كي تستعيد موقعا تفاوضيا كانت تستطيع الحفاظ عليه سابقا بالكلمة والتهديد والضغط الدبلوماسي. وهذا الخيار بالغ المرارة.

فإذا اختارت الإدارة الأمريكية استخدام القوة المفرطة لإعادة بناء الردع، فإنها تدخل في مغامرة لا يمكن ضمان نتائجها. القوة العسكرية تستطيع تدمير منشآت، وإلحاق خسائر، وتغيير موازين ميدانية، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق الهدف السياسي الذي من أجله استخدمت.

فالولايات المتحدة قد تتمكن من توجيه ضربة عسكرية ساحقة، وربما تلجأ في سبيل ذلك إلى أسلحة محظورة أو أساليب قتال تتجاوز الخطوط الحمراء المعروفة دوليا. غير أن مثل هذا الخيار لن يبقى محصورا في ساحته الأولى، إذ قد يفتح الباب أمام روسيا والصين لتبرير استخدام وسائل مماثلة في أوكرانيا وتايوان، تحت ذرائع مختلفة، وعندها تدخل المنظومة الدولية منطقة شديدة الخطورة يصعب التنبؤ بمساراتها أو حدود تداعياتها.

أما إذا اختارت عدم تنفيذ تهديداتها، فستواجه ثمنا آخر لا يقل خطورة وهو تآكل ما تبقى من هيبة الردع الأمريكي، وترسيخ قناعة لدى الخصوم بأن سقف القوة الأمريكية أقل من سقف تصريحاتها. وفي المقابل، ستتقدم الصين خطوة جديدة نحو موقعها في صدارة النظام العالمي، مستفيدة من كل ارتباك أمريكي وكل تراجع في النفوذ.

أما الحلفاء، فقد لا ينتظرون طويلا حتى يعيدوا حساباتهم. في عالم السياسة، الولاءات الكبرى لا تقوم دائما على العاطفة، وإنما على ميزان القوة والمصلحة. فإذا شعر الحليف أن الملك يتراجع، فسوف يبحث سريعا عن الملك الصاعد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى