انتخابات على خلفية حرب إقليمية مرتقبة

تأجيل المواجهة الشاملة ربما يحدث إذا نجحت الجهود الدبلوماسية التي تميزت أخيراً بدخول روسيا القوي على خطها
طوني فرنسيس – اندبندنت عربية:
الحرب في المبدأ ليست حتمية، ولكنها الاحتمال الأعلى، وفي العلوم السياسية لا توجد حرب حتمية بنسبة 100 في المئة، إذ تؤدي القنوات الخلفية والمفاوضات السرية دوراً في منع الانفجار الشامل.
على رغم تزاحم المواعيد والمحطات، لا تزال التساؤلات المعقدة التي تشغل بال المراقبين والقوى المعنية في الشرق الأوسط والعالم، تقوم على واقعة متى تنفجر المعركة بين إيران وخصومها في أميركا وإسرائيل؟ وماذا ستفعل طهران التي تهدد بمزيد من العدوانية ضد دول الجوار العربي؟ وما سيفعله أنصارها الذين يطلق عليهم اسم الأذرع؟ وما حدود الدور المرسوم لهم؟ ومن يرسمه؟
التوقيت لكل ذلك يبقى الشغل الشاغل، فالعوامل التي تتحكم في انفجار الصراع أو تمديد فترة هدؤه، تعكس في النهاية عمق الصراع وحيثيات رسم طرق الخروج منه، وفي الجواب عن هذه الأسئلة يمكن تفكيك المشهد إلى شقين: التوقيت والحتمية المتصلين بالصدام، ثم الدور الوظيفي للأطراف وللفصائل والأذرع الحليفة لإيران.
في مسألة التوقيت والحتمية، بين الانتخابات الإسرائيلية والأميركية أو بعدها، يحق لنا الإلحاح على سيناريوين محتملين، الأول الانفجار في الفترة الانتقالية، أي خلال أو قبل أو على مسافة قريبة من الانتخابات النصفية الأميركية، وهذا ما بات يبدو مستبعداً بعض الشيء.
أما السيناريو الثاني فهو ما يمكن اعتباره نافذة الفرصة الإستراتيجية، فهي تعني بحسب كثير من التحليلات جعل الفترة الممتدة بين الانتخابات النصفية وحتى الانتخابات الرئاسية بعد عامين، ثم تسلّم الإدارة الجديدة رسمياً، فترة ذهبية حاسمة لجميع الأطراف، ففي الحسابات الإسرائيلية قد ترى قيادة تل أبيب في هذه الفترة الانتقالية فرصة لفرض أمر عسكري واقع، مستغلة انشغال الإدارة الأميركية الراحلة أو عدم رغبة الرئيس المغادر في الدخول في مواجهة سياسية كبرى، أو مستفيدة من دعم مطلق موقت، بينما في الحسابات الإيرانية تفضل طهران ضبط النفس خلال هذه الفترة، لتجنب إعطاء ذريعة لضربة قاصمة، أو العكس تماماً إذا شعرت أن هناك خطراً داهماً يستوجب توجيه ضربة استباقية.
لكن دعونا من هذه التوقعات الطويلة المدى، ففي سيناريو آخر أقرب مدى، فإن اندلاع الحرب بعد الانتخابات المقررة خلال هذه الأيام، واستقرار الإدارات، أمر وارد بقوة، ولا تكف القيادة الإيرانية عن الحديث في شأنه، وكذلك فإن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يورده في شتى خطاباته.
غير أن سير الأمور واقعياً لا ينتظر التصريحات، فالحرب قائمة فعلياً ويخوضها من الطرف الإيراني “حوثيو اليمن” ضد الحكومة الشرعية والسعودية، وأهداف هذه الحرب كافية لتوضح أن المعركة لم تتوقف، وأن الهدف الإيراني، بعد محاولة إقفال مضيق هرمز، هو إقفال البحر الأحمر، والضغط على السعودية استقراراً وازدهاراً، وهذا ما تريده سلطات طهران تحديداً.
ومع ذلك فإن تأجيل المواجهة الشاملة قد يحدث إذا نجحت الجهود الدبلوماسية التي تميزت في الآونة الأخيرة بدخول روسيا القوي على خطها، عبر اتصالاتها المكثفة مع الأميركيين والإيرانيين ودول المجموعة الخليجية العربية، والردع المتبادل، في احتواء التصعيد الحالي.
بعد الانتخابات الأميركية، يُنتظر أن تتبنى الإدارة الجديدة إستراتيجية واضحة، إما تصعيدية قصوى أو تطرح التفاوض، وهي حتى الآن، وبحسب تصريحات الرئيس دونالد ترمب، ميالة إلى الحسم وإنهاء الوضع غير الطبيعي القائم في الشرق الأوسط، وبناء على ذلك تتحدد مسارات الحرب أو السلم.
أما عن سؤال هل الحرب لا مفر منها؟ فتبقى الأجوبة المتنوعة متوافرة، فالحرب في المبدأ ليست حتمية ولكنها الاحتمال الأعلى، وفي العلوم السياسية لا توجد حرب حتمية بنسبة 100 في المئة، إذ تؤدي القنوات الخلفية والمفاوضات السرية دوراً في منع الانفجار الشامل.
مراقبون يرون أن إسرائيل وإيران لا ترغبان في حرب إقليمية مدمرة وشاملة، مع أن بنيامين نتنياهو يتحدث عن إسقاط النظام، وطهران تلهج بإزالة الكيان، ومع ذلك فإن خطر الانزلاق إلى حرب واسعة بسبب خطأ في الحسابات يظل مرتفعاً جداً، مما يجعل تجنبها أمراً معقداً للغاية، وهنا علينا متابعة دور الأذرع بدقة، في حالي الحرب أو عدمها، فالفصائل المتحالفة مع إيران المنضوية ضمن ما يعرف بـ “محور المقاومة”، تؤدي دوراً وظيفياً مزدوجاً ومحورياً، يتغير بحسب طبيعة المرحلة.
أولاً: في حال الحرب الشاملة (الانفجار)، تتحول هذه الأذرع إلى أدوات إسناد ناري وعسكري جبهوي ضمن عقيدة “توحيد الساحات”، ويمثل “حزب الله” في لبنان رأس الحربة والجبهة الأخطر لإسرائيل، نظراً إلى امتلاكه ترسانة صاروخية ضخمة ودقيقة، ودوره يتلخص في إشغال الجيش الإسرائيلي واستنزاف منظومات الدفاع الجوي (القبة الحديدية ومقلاع داوود)، وضرب البنية التحتية الحيوية لشل الداخل الإسرائيلي، ولو أدى ذلك إلى تدمير إضافي في لبنان، وتوسيع رقعة الاحتلال الاسرائيلي لأراضيه، وصولاً إلى بيروت.
وفي المرتبة الثانية تأتي ميليشيات الحوثيين في اليمن، ودورهم يتركز في الخنق الاقتصادي عبر استهداف الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب، وإطلاق الصواريخ بعيدة المدى والمسيّرات نحو السعودية، لشلها ومنعها من أداء دورها المفترض في إيجاد الحلول للنزاعات الكبرى التي تشغل المنطقة ووضع حد لها، وإلى ذلك يمكن للحوثي إطلاق بعض الصواريخ نحو جنوب إسرائيل (إيلات)، ضمن تأثيرات ضئيلة القيمة.
أما الفصائل العراقية فعادة ما يجري توظيفها كمنصات إطلاق للصواريخ والمسيّرات نحو العمق العربي في الخليج والسعودية، وأحياناً إسرائيل التي حذرت تلك الفصائل في مرات سابقة، فانكفأت عن “نضالها ضد الصهيونية” إلى حين.
ثانياً: يتغير دور الأذرع في حال اللاحرب واللاسلم، ليصبح أداة ردع سياسي ودبلوماسي، فوجود هذه الفصائل على حدود إسرائيل يمثل حزام أمان لطهران، التي تقول لخصومها إن أية ضربة مباشرة لمنشآت إيران النووية أو الحيوية، ستواجه برد فوري ومكثف من هذه الجبهات، من دون الحاجة إلى تدخل إيراني مباشر في البداية.
وهذه الفصائل، في الوقت عينه، أوراق تفاوضية، إذ تستخدم إيران نفوذها وقدرتها على تهدئة أو تصعيد الجبهات، كأوراق ضغط قوية على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة والقوى الغربية، لتحصيل مكاسب سياسية أو رفع العقوبات الاقتصادية.




