رأي

بعد الحرب والاحتجاجات: مسارات إيران المقبلة داخليا وخارجيا

كتبت هدى رؤوف في صحيفة إندبندنت عربية.

شهدت إيران خلال العامين الماضي والحالي أكبر تحديين لجهتي بقاء النظام واستمراره ومكانتها الإقليمية بما يعني النفوذ والمشروع الإقليمي، في العام الماضي هاجمت إسرائيل إيران ولحقت بها واشنطن مما كشف عن ضعف عسكري واختراق أمني لإيران وضعف منظومة دفاعاتها الجوية.

بداية هذا العام شهدت إيران احتجاجات قوية بدأت لأسباب اقتصادية ثم سرعان ما تحولت إلى شعارات طاولت رأس النظام وطالب البعض منها بإسقاطه وظهرت دعوات العودة إلى الملكية، ما أعطى الاحتجاجات زخماً كان تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتهديده للنظام الإيراني وتشجيعه للمحتجين على الاستمرار، بل تطورت التهديدات للترجيح بضربة أميركية ضد إيران.

في تلك الأثناء وللتعامل مع العاصفة القوية طلبت إيران العودة للتفاوض مع واشنطن، وتراجع ترمب حينها عن تهديداته بالضربة العسكرية، هنا من المهم تسجيل عدد من الملاحظات التي ربما تتحرك إيران على أساسها خلال الفترة الحالية والمقبلة من واقع الضغوط التي مرت بها.

أولاً: تعي إيران وواشنطن أن كلاً منهما يريد شراء الوقت حالياً، فبينما أظهرت طهران رغبة في الدبلوماسية كان الهدف هو تحييد ترمب لحين احتواء التظاهرات وإخمادها، ثم تجنب ضربة كان يمكن أن تهدد استقرار النظام.

ثانياً: في حين أنه لا توجد أنظمة تسقط جراء ضربة جوية، لذا كان المهم تحديد هدف ترمب من التدخل العسكري في إيران، ولأن واشنطن كانت قد سحبت منذ فترة تعزيزاتها العسكرية، فربما إرجاء الخيار العسكري خلال الاحتجاجات كان يرتبط بوصول تعزيزات أميركية في الشرق الأوسط مثلما حدث من أيام حيث وصلت حاملة طائرات ومقاتلات، مما يعني أن تنفيذ أي ضربة تجاه إيران سيكون أكثر مفاجأة.

ولا بد من تقييم الضربة العسكرية الأميركية بناءً على الهدف منها، هل الهدف إسقاط النظام وهو أمر صعب ما لم يكن هناك احتجاجات واضطرابات داخلية، أو أن الهدف تقويض قدرات إيران الصاروخية وهو هدف لدى كل من واشنطن وإسرائيل.

ومن ثم نطاق الضربة سيتحدد بناءً على الهدف، ثم تكون ضربة محدودة تستهدف بعض الأصول العسكرية أو المنشآت الخاصة بالحرس الثوري أو حرباً واسعة ممتدة، وهو يعني حرباً طويلة وهو ما لا تعززه أفكار ترمب أو يؤيده الرأي العام الأميركي.

ثالثاً: إن إسقاط النظام الإيراني ليس أمراً يسيراً، حيث لا يوجد بديل واضح داخل إيران بالنسبة إلى الإيرانيين أو للخارج، وإيران دولة بها كثير من التعقيدات، حيث التنوع العرقي والإثني الذي سيفجر نزاعات استقلال وانفصال وفوضى تمتد لخارج إيران، فضلاً عن القدرات الاستراتيجية لدى إيران من منظومة صواريخها الباليستية والقدرات النووية التي تصل إلى 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب، كلها تعقيدات لا تعني سهولة هدف إسقاط النظام.

وتجارب تغيير الأنظمة بالقوة التي اتبعتها واشنطن سابقاً في عدد من الدول لا سيما العراق وأفغانستان لم تكن تجارب ناجحة، فضلاً عما شهدته المنطقة العربية من تظاهرات شعبية غيرت بعض الأنظمة وأدخلت دولها في موجات من الفشل والحروب الأهلية، لذا فإن تجارب تغيير الأنظمة ليست ملهمة للإيرانيين للتخلص من النظام بالكيفية ذاتها.

رابعاً: من جهة أخرى فإن إسرائيل تستهدف جنوب لبنان حالياً بسلسلة من الغارات، لذا ربما كان عامل إخماد التوتر العسكري مع إيران الآن لحين إنهاء إسرائيل مهمتها في جنوب لبنان بدلاً من تأجيج التصعيد العسكري في الجبهة الإيرانية واللبنانية في آن واحد.

خامساً: تعي إيران أن الخيار العسكري لدى ترمب لا يزال على الطاولة، ويمكن استحضاره أي وقت، لذا منذ حرب الـ 12 يوماً عملت إيران على تعزيز منظومة دفاعاتها الجوية عبر الصين، وعملت على تسليح الميليشيات في المنطقة لا سيما الحوثي.

سادساً: ربما الدرس المستفاد لإيران منذ حربها مع إسرائيل أنها كانت هدفاً ليناً حينما تخلت عن تفعيل مبدأ وحدة الساحات، حيث تخلت عن “حماس” و”حزب الله”، لذا في حال أي مواجهة مقبلة مع إسرائيل ستعمل إيران على تفجير بؤر مواجهة مع إسرائيل في أكثر من جبهة، ولن تشهد إسرائيل مواجهات ثنائية بل ساحات عدة ستشتعل.

سابعاً: ربما تعمل إيران على تغيير عقيدتها النووية سراً في المستقبل، حيث تحولها لقوة نووية قد يكون رادعاً أمام أي تهديدات أميركية وإسرائيلية.

ثامناً: لدى النظام الإيراني قاعدة شعبية تصل لنحو 13 مليون مواطن هم من صوتوا خلال الانتخابات الرئاسية الماضية للمرشح المتشدد سعيد جليلي، ترتبط تلك القاعدة التصويتية بالتوجهات الأيديولوجية للنظام وتدافع عنه.

تاسعاً: ربما يحمل مستقبل خلافة المرشد تطورات غير متوقعة، لكن المؤكد أن خامنئي سيعمل على تحديد المرشد الجديد في حياته وفي حال توفى فجأة سيحرص الحرس الثوري على التدخل في عملية الاختيار، وإذا تم التوافق داخل النظام ولم يكن هناك عامل خارجي، فثمة عوامل يمثل التفاعل فيما بينها البيئة المحددة لملامح سيناريو اختيار المرشد القادم.

من تلك العوامل دور الحرس الثوري وشبكة مصالحه الاقتصادية، وتوازن القوى بين الفصائل السياسية، أما العامل الثالث فهو شبكة مصالح خامنئي، فمنذ توليه السلطة عام 1989 عمل على بناء شبكة من العلاقات والمصالح نتجت عن بناء نظام أمني واستخباراتي وفوق اقتصادي متشابك.

حافظ خامنئي على سلطته ونفوذه من خلال شبكة تتجاوز المؤسسات المنتخبة التي تشكل مصطلح الدولة العميقة والتي ستعمل على أن يأتي من يلتزم الحفاظ على مصالحها. هذه الشبكة تمثل مكتب المرشد الذي به آلاف الموظفين من خلفيات دينية وعسكرية واستخباراتية، ورموز التيار المتشدد في المؤسسات الدينية التي بالطبع قوات الحرس الثوري التي ستعمل على وجود مرشد يحفظ تلك الامتيازات السياسية والاقتصادية.

تلك الشبكة دائماً ما تقوض نجاح أي فرص للاستفادة من إبرام الاتفاق النووي مع الغرب والرفع الجزئي للعقوبات عن إيران، وهي كلها عوامل أدت إلى تدهور الأحوال المعيشية والوضع الاقتصادي، واليوم يعد المتشددون إضافة إلى الحرس الثوري شبكة المصالح الأساسية المرتبطة بخامنئي التي ستحول دون وصول شخص غير مرغوب فيه.

ربما تعمل واشنطن والغرب على التدخل في عملية الانتقال السياسي بعد خامنئي عبر التواصل مع الحرس الثوري أو دعم الإصلاحيين أو القوات المسلحة، لكن في كل لأحوال يعد سيناريو خلافة خامنئي مطروحاً الآن بقوة لدى النظام الإيراني ولدى الغرب.

عاشراً: إخماد الاحتجاجات لا يعني عدم تكرارها مستقبلاً ما لم يستغل النظام الإيراني الظروف الراهنة وإحداث تقييم للسياسات الاقتصادية والاجتماعية يعمل على تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، ومن ثم فإن عوامل إضعاف النظام ستكون من داخله.

حادي عشر: على إيران الاستثمار في العلاقات الإيجابية مع دول الجوار الإقليمي، بما يخرجها من عزلتها الإقليمية، ويوفر لها دعماً دبلوماسياً في مواجهة التهديدات الأميركية، حيث كان التواصل الخارجي لإيران مع دول الخليج أحد عوامل التواصل مع ترمب لعدم توجيه ضربة عسكرية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى