3 مؤشرات إلى أن بوتين يستعد للتصعيد ضد أوروبا

أوكرانيا توجهت بطلب عاجل للحصول على صواريخ “باتريوت” أما الرئيس الروسي فعلى قناعة تامة بأن النصر على الأبواب
روبرت فوكس – اندبندنت عربية:
يرى كاتب المقالة أن بوتين يراهن على ضعف الدفاعات الجوية الأوكرانية والانقسامات داخل “الناتو” لتحقيق مكاسب سريعة، لكنه قد يلجأ إلى تصعيد أخطر إذا أخفق. ويحذر من أن تداعيات الحرب باتت تمتد إلى أوروبا، بما يستدعي تعزيز جاهزية الحلف الدفاعية بصورة عاجلة.
نفدت صواريخ “باتريوت” في كييف الإثنين الماضي. وللمرة الثانية خلال ثلاثة أيام، تعرضت العاصمة الأوكرانية لهجوم روسي مكثف بالطائرات المسيّرة والصواريخ، شمل صواريخ “إسكندر” و”كينجال”.
ومع أن الدفاعات الجوية الأوكرانية نجحت في الحد من تأثير هجمات المسيرات، فإن جميع الصواريخ الباليستية تقريباً، والبالغ عددها نحو 60 صاروخاً، اخترقت منظومة الدفاعات الجوية، مما أسفر عن مقتل 21 شخصاً وإحداث أضرار واسعة النطاق في أنحاء العاصمة.
وفي هذا السياق، وفي طريقه إلى قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حقيقة الوضع بصراحة، معلناً أن أوكرانيا باتت على وشك استنفاد مخزونها من صواريخ الدفاع الجوي “باتريوت 108 أم”، وهو السلاح الوحيد القادر على اعتراض صواريخ “إسكندر”.
وقال زيلينسكي، في توصيف مقتضب لكنه بالغ الدلالة: “لقد انتقلت المعركة من أجل أوكرانيا إلى السماء”.
وتحافظ أوكرانيا نسبياً على مواقعها على الجبهات في الحرب البرية، في حين يطلق بوتين تصريحات فيها قدر من المبالغة، تفيد باقتراب سيطرة قواته على كامل مقاطعة دونيتسك وذلك في أعقاب سقوط مدينة كوستيانتينيفكا التي كانت تعتبر حصناً منيعاً، غير أن هذه الرواية تواجه تشكيكاً حاداً من مدونين روس معارضين ينشطون من داخل روسيا نفسها.
أوكرانيا تقلب الموازين
ووفق إفادات من مصادر موثوقة تستند إلى تقييمات ميدانية، كتلك الصادرة عن “معهد دراسة الحرب” Institute for the Study of War، فإن الهجمات البرية الروسية تُنفذ بكلفة بشرية ومادية باهظة. فالمسيرات لا تزال تهيمن على ميادين القتال على طول الجبهة، فيما تشير المعطيات إلى أن روسيا تتكبد خسائر بشرية تفوق نظيرتها الأوكرانية بمعدل ثمانية إلى واحد.
وفي شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) الماضيين، تكبدت روسيا خسائر قياسية، بلغت نحو 75 ألف جندي، في وقت بات فيه عدد الجنود الذين تفقدهم موسكو في المعارك يفوق عدد الذين تستطيع تعويضهم عبر التجنيد والتعبئة.
بات فلاديمير بوتين يرى أن أمامه فرصة سانحة قد تمكّنه من تحقيق إنجاز ما يمكن تسويقه للرأي العام الروسي بحلول نهاية سبتمبر (أيلول). ولا شك أن الارتباك في أوساط دول “الناتو” المنقسمة، والتصريحات المشتتة والمتناقضة الصادرة عن دونالد ترمب، ناهيك عن استمرار الجمود في منطقتي الخليج والشرق الأوسط، والأهم من ذلك تراجع قدرات الدفاع الجوي الأوكراني، كلها عوامل تغذي تفاؤله الاستثنائي بأن النصر أصبح وشيكاً.
وفي اجتماع مصور عقده بوتين حديثاً مع كبار القادة العسكريين، ردد عبارته المعهودة: “نحن نتقدم على جميع الجبهات”، مع أنه كان يؤكد، منذ أيام قليلة فقط، على أن روسيا “تمر بمرحلة عصيبة”.
وفي المقابل، تكثف أوكرانيا بانتظام هجماتها الصاروخية البعيدة المدى داخل الأراضي الروسية. والإثنين الماضي، الذي سجل هجوماً فتاكاً بالصواريخ على كييف، ضربت الصواريخ الأوكرانية ثلاث مصاف نفطية رئيسة في سلوبودكا، وفي مدينة ياروسلافل، ناهيك عن أكبر مصفاة في روسيا بمدينة أومسك، على مسافة 2500 كيلومتر من الحدود الأوكرانية.
وفي سياق موازٍ، عمدت أوكرانيا إلى تطوير قوة هجومية فاعلة تعتمد على الصواريخ والمسيرات، وسط سعيها المستمر إلى إعادة تطوير تقنيات قديمة. وخلافاً للتوقعات، حقق صاروخ “فلامينغو” البعيد المدى، وهو نسخة مطورة عن صاروخ “سكود” العائد إلى الحقبة السوفياتية، نجاحاً ملفتاً. أما روسيا، فلا تمتلك، في المقابل، إلا مخزوناً محدوداً من الصواريخ الباليستية المتطورة، بعدما نجحت أوكرانيا في استهداف مصانعها الأصغر حجماً، التي تقوم بإنتاج المكونات الحيوية ضمن سلسلة توريد هذه الصواريخ.
وروسيا اليوم منهمكة في حملة تشويش وتضليل واسعة في أرجاء المنطقة، فنراها تطلق مزاعم كاذبة ضد دول البلطيق، وتدعي أن هذه الأخيرة تستضيف قواعد للمسيرات الأوكرانية وتساعد على توجيه المسيرات البعيدة المدى إلى عمق الأراضي الروسية. وخلال الأسبوع الماضي، عمد اثنان من أكثر الإعلاميين نفوذاً في كوكبة بوتين، هما ماريا زاخاروفا ونائب رئيس مجلس الأمن نيكولاي باتروشيف، إلى اتهام لاتفيا بالتورط مباشرةً في الحرب إلى جانب أوكرانيا.
وفي عطلة نهاية الأسبوع التي تخللتها الهجمات الصاروخية على أوكرانيا، حلقت طائرة استطلاع بحرية روسية من طراز “بير- أف”Bear-F على ارتفاع منخفض فوق مجموعة مهام تابعة للـ”ناتو”، كانت تقوم بمناورات في بحر النرويج. وقد اقتربت الطائرة إلى حد مثير للقلق من حاملة الطائرات البريطانية “أتش أم أس برينس أوف ويلز” HMS Prince of Wales، قبل أن تلقي نحو 20 عوامة سونار مخصصة لرصد الغواصات، بيد أن مقاتلتين بريطانيتين من طراز “أف-35” طاردتاها وأرغمتاها على مغادرة المنطقة.
وصحيح أن الخطوة بدت فجة، إن لم نقل طفولية، لكنها كانت ذات مغذى. فحتى لو أن تلك العوامات عملت لبضع دقائق فقط، كانت ستتمكن من رصد غواصات “ناتو” المرافقة التي توجد في المنطقة. وتجدر الإشارة إلى أن الأشهر القليلة الماضية شهدت نشاطاً متزايداً للغواصات الروسية، المأهولة منها وغير المأهولة، في بحر الشمال والبحر الإيرلندي والقنال الإنجليزي، حيث تقوم بعمليات الاستطلاع وتتبع خطوط أنابيب الطاقة وكابلات الاتصالات البحرية.
ويتنامى الإحساس بأن تداعيات الحرب لم تعد محصورة داخل أوكرانيا، بل بدأت تمتد تدريجياً إلى محيطها الإقليمي. فقد حذرت لاتفيا أخيراً من احتمال تنفيذ خطة إجلاء لسكان مدينة داوغافبيلس، ثاني أكبر مدن البلاد، ويشكل الناطقون بالروسية جزءاً كبيراً من سكانها، بعيداً من المناطق الحدودية. وكذلك، أصدرت الحكومة كتيباً من 30 صفحة بعنوان “72 ساعة: ماذا تفعل في حال نشوب أزمة؟”، إلى جانب دليل عملي مفصل، يوضح كيفية التصرف في حال التعرض لهجوم بري أو جوي. وفي موازاة ذلك، تعمل 10 دول من أعضاء “الناتو”، هي فنلندا، والسويد، والدنمارك، والنرويج، وألمانيا، وبولندا، وآيسلندا، ولاتفيا، وإستونيا، وليتوانيا، على إعداد خطط واسعة لإجلاء السكان في حال تعرضها لهجوم روسي.
وتبقى أزمة الدفاع الجوي فوق المدن الأوكرانية من أكثر التحديات إلحاحاً وخطورة. مما يجعلها أحد أبرز العوامل التي يعول عليها بوتين في رهانه على تحقيق مكاسب خلال الشهرين المقبلين، وإن لم تكن العامل الوحيد. فدونالد ترمب، بحسب هذا التقدير، لا يزال يمثل ورقة مهمة في معركة التضليل الإعلامي والدبلوماسي لبعض الوقت، غير أن تأثيره مرشح للتراجع مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، كونه سيمسي، من بعدها، رئيساً ضعيف النفوذ، فيصبح بالتالي أكثر تقلباً وأقل موثوقية.
ومع ذلك، فإن رهان بوتين يبقى محفوفاً بالأخطار. فالاقتصاد الروسي يظهر مؤشرات متزايدة على التراجع، وهو ما تعكسه طوابير التزود بالوقود والاضطرابات المتكررة في خدمات الإنترنت والهواتف المحمولة. أما شبه جزيرة القرم فتتحول تدريجياً إلى منطقة تعاني نقصاً متزايداً في الوقود والمياه، وسط ظروف معيشية أكثر صعوبة.
في حال أخفق المسعى إلى تحقيق نصر، فهذا لا يعني أن الحرب انتهت. فروسيا باتت تعمل وفق منطق اقتصاد الحرب، فيما أصبح بوتين قائداً لحرب مفتوحة لا يندرج السلام ضمن حسابات بقائه السياسي. ولو بقيت الحرب مستمرة طوال فصل الشتاء، فسيرى نفسه مرغماً على اعتماد تكتيكات أكثر خطورة، يتمثل أكثرها ترجيحاً بالتعبئة الوطنية الجزئية أو الشاملة، بهدف استدعاء ما لا يقل عن 500 ألف جندي جديد، في إجراء سيقترن حتماً بفرض القانون العرفي الشامل في البلاد.
وهذا يعني أن الحاجة إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي لن تقتصر على كييف وجيرانها في دول البلطيق. بل ستشمل الحلفاء الأوروبيين في “الناتو” جميعهم، بما في ذلك بريطانيا. لذا، سيكون علينا في بريطانيا مراجعة سبل الدفاع البحرية والداخلية. وكبداية، سيتوجب على الحكومة التخلي عن المقترحات الدفاعية المطولة وغير الواضحة، التي انطوت عليها “خطة الاستثمار الدفاعي” الصادرة الشهر الماضي.
فالمطلوب الآن هو التفكير بجدية وعلى وجه السرعة، وبقدر أكبر من الواقعية العملية مما اعتادت عليه دوائر صنع القرار، لتحديد ما تحتاج إليه البلاد فعلياً لضمان أمنها القومي في المرحلة الحالية.




