أبرزرأي

واشنطن فشلت في الحسم السريع مع إيران

حسين زلغوط – خاص “رأي سياسي”:

لم تكن الحرب الأميركية على إيران قراراً مفاجئاً بقدر ما كانت نتيجة مسار متدرّج من التوترات المتراكمة، التي تفاعلت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية لتدفع واشنطن نحو خيار عسكري بدا، في نظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أقل كلفةً من التراجع. فالحرب لم تبدأ بضربة واحدة، بل بسلسلة من الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تقاطعت عند نقطة الانفجار.

في الأساس، شكّل فشل المسار الدبلوماسي أحد أبرز العوامل التي دفعت الولايات المتحدة إلى المواجهة. المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني وصلت إلى طريق مسدود، مع تمسك طهران بمواقفها المتعلقة بالتخصيب والصواريخ ورفضها تقديم تنازلات جوهرية، مقابل إصرار واشنطن على شروط أكثر تشدداً. وهذا الانسداد لم يترك مجالاً واسعاً للمناورة، بل خلق بيئة تصعيدية اعتُبرت فيها القوة العسكرية وسيلةً لفرض معادلة جديدة، بعدما سقطت رهانات الاحتواء التدريجي.

إلى جانب ذلك، لعبت الحسابات الإقليمية دوراً حاسماً، فالتنسيق الأميركي مع إسرائيل، التي كانت ترى في القدرات الإيرانية تهديداً وجودياً، ساهم في تسريع الانتقال من سياسة الردع إلى الضربات المباشرة، كما أن تزايد الاحتكاك في ساحات متعددة، من الخليج إلى شرق المتوسط، جعل المواجهة تبدو وكأنها مسألة وقت لا أكثر، في ظل تصاعد الاشتباك غير المباشر بين الطرفين.

لكن العامل الأكثر حساسية تمثّل في مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، فتعطّل الملاحة وتهديد صادرات النفط وضع الاقتصاد العالمي على حافة اضطراب واسع، ما دفع الإدارة الأميركية إلى اعتبار السيطرة على هذا الممر هدفاً استراتيجياً لا يحتمل التأجيل. ومع ارتفاع منسوب القلق في الأسواق، تحوّل البعد الاقتصادي إلى عنصر ضاغط يوازي في أهميته الاعتبارات العسكرية، ما سرّع اتخاذ قرار المواجهة.

وبالرغم من ذلك، فإنه على مستوى الداخل الأميركي لم يكن القرار سهلاً، فالرأي العام الأميركي أظهر تردداً واضحاً إزاء الانخراط في حرب جديدة، وسط مخاوف من تكرار تجارب مكلفة في المنطقة. ومع ذلك، وجدت الإدارة نفسها أمام معادلة دقيقة: التراجع قد يُفسَّر ضعفاً ويؤثر على صورة الردع، فيما التصعيد يحمل مخاطر مفتوحة. وبين هذين الخيارين، جرى ترجيح كفة المواجهة على أساس أن الحسم السريع قد يحقق مكاسب سياسية ويعيد تثبيت الهيبة الأميركية.

غير أن ما دفع واشنطن فعلياً إلى الحرب لم يكن فقط تلاقي هذه العوامل، بل أيضاً الوقوع في ما يمكن وصفه بـ”فخ التصعيد”. فمع كل خطوة عسكرية، كانت الخيارات تضيق، والتراجع يصبح أكثر كلفةً سياسياً من الاستمرار. نشر القوات، تنفيذ ضربات محدودة، ثم توسيع نطاق العمليات، كلها مراحل دفعت باتجاه الانخراط الكامل في الحرب. هذا المسار التراكمي جعل من الصعب كبح الاندفاعة، خصوصاً مع استمرار إيران في الرد ورفع كلفة المواجهة.

وفي المقابل، لم تكن الحسابات الأميركية خالية من التحديات. فإيران ليست خصماً تقليدياً، بل تمتلك أدوات نفوذ إقليمية وقدرةً على خوض حرب طويلة النفس، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة على احتمالات استنزاف متبادل. هذا الواقع يطرح تساؤلات جدّية حول مدى قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها بسرعة، أو حتى احتواء تداعيات الحرب ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.

تبدو الحرب الأميركية على إيران نتاج تداخل معقّد بين فشل الدبلوماسية، وضغط الحلفاء، واعتبارات الطاقة، وحسابات الهيبة الدولية، لكنها في الوقت نفسه تكشف مفارقة واضحة: فالقوة التي اندفعت لفرض الاستقرار، تجد نفسها في مواجهة حرب مفتوحة على احتمالات يصعب ضبطها، حيث لا انتصار سريعاً ولا انسحاباً بلا ثمن، بل مسار طويل من الكلفة والتداعيات.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى