شؤون دولية

هل يمتلك الشرع وصفة المعجزة الاقتصادية السورية؟

رفع التصنيفات والعقوبات يفتح أبواب الثقة الدولية لكنه لا يصنع نهضة تلقائية؛ النجاح يتوقف على قدرة دمشق على تحويل الفرصة إلى إصلاحات مؤسسية.

رفع اسم دولة من قوائم العقوبات أو من التصنيفات السياسية الأميركية لا يغير حياة المواطنين بين ليلة وضحاها، لكنه يغيّر الطريقة التي ينظر بها العالم إلى تلك الدولة. ومن هذه الزاوية، لا يمكن قراءة التحول الأخير في العلاقة بين واشنطن ودمشق باعتباره مجرد تعديل قانوني أو دبلوماسي، بل باعتباره بداية اختبار تاريخي لقدرة سوريا على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الدولة.

بعد أكثر من عقد من العزلة والعقوبات والانهيار الاقتصادي، تجد سوريا نفسها أمام فرصة لم تكن متاحة منذ سنوات طويلة. وإذا اكتملت الإجراءات الأميركية الخاصة بإنهاء تصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب، فإن ذلك لن يكون نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها استعادة الثقة الدولية. فالأسواق العالمية، والمصارف، وشركات التأمين، وصناديق الاستثمار، لا تتحرك فقط وفق المؤشرات الاقتصادية، بل أيضاً وفق الإشارات السياسية والقانونية التي تحدد مستوى المخاطر.

لكن التاريخ يعلمنا أن الفرص لا تتحول تلقائياً إلى إنجازات. فكم من دولة خرجت من العزلة لتعود إليها سريعاً، وكم من بلد تلقى مساعدات ضخمة من دون أن ينجح في بناء اقتصاد منتج. لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما ستفعله الولايات المتحدة أو أوروبا، بل بما ستفعله دمشق بهذه الفرصة.

منذ توليه قيادة المرحلة الانتقالية، حاول الرئيس أحمد الشرع تقديم رؤية مختلفة عن الاقتصاد السوري. ففي خطاباته وتصريحات فريقه الاقتصادي، لم يعد الحديث يقتصر على إعادة الإعمار، بل أصبح يدور حول إعادة بناء الدولة الاقتصادية نفسها. والفرق بين المفهومين جوهري. فإعادة الإعمار تعني إصلاح ما دمرته الحرب، أما إعادة بناء الاقتصاد فتعني إنشاء نموذج جديد قادر على خلق الثروة وجذب الاستثمار وتحقيق النمو.

المغتربون السوريون ورأس المال المحلي يمثلون ركيزة أولى للاستثمار شرط أن تضمن الدولة بيئة قانونية مستقرة قادرة على حماية العقود وتحفيز التنمية

هذا التحول في الخطاب يعكس إدراكاً بأن سوريا لا تستطيع الاعتماد إلى الأبد على المساعدات الخارجية أو المنح الدولية. فالمساعدات قد تمنع الانهيار، لكنها لا تصنع نهضة اقتصادية. أما التنمية المستدامة فتحتاج إلى قطاع خاص نشط، واستثمارات طويلة الأجل، ومؤسسات عامة قادرة على إدارة الاقتصاد بكفاءة وشفافية.

وتشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن إعادة إعمار سوريا قد تتطلب مئات المليارات من الدولارات، وهي أرقام تجعل من المستحيل تقريباً الاعتماد على التمويل الحكومي وحده. ولهذا يصبح جذب الاستثمارات الخاصة، العربية والدولية، شرطاً أساسياً لأي مشروع اقتصادي جاد. غير أن المستثمر لا يقرأ البيانات السياسية فقط، بل يقرأ أيضاً جودة المؤسسات، واستقلال القضاء، ووضوح التشريعات، وسهولة تحويل الأموال، واستقرار سعر الصرف، وقدرة الدولة على حماية العقود.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب الاقتصادي الجديد هو استحضار تجارب مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية، بوصفها نماذج لدول انتقلت من الفقر والاضطراب إلى الاقتصادات المتقدمة. لكن هذه المقارنة ينبغي أن تُقرأ بحذر. فنجاح تلك الدول لم يكن نتيجة تدفق الأموال وحده، بل ثمرة إصلاحات مؤسسية عميقة، واستثمار كثيف في التعليم، وسياسات صناعية واضحة، وإدارة عامة تتسم بالكفاءة والانضباط.

وربما تبدو تجربتا فيتنام ورواندا أكثر قرباً إلى الحالة السورية. فقد خرج البلدان من حروب مدمرة وانقسامات عميقة، لكنهما نجحا، بدرجات مختلفة، في تحويل الاستقرار السياسي إلى بوابة للنمو الاقتصادي عبر الانفتاح على الاستثمار، وتحديث الإدارة، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والقطاع الخاص. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم: ليس مجرد إعادة بناء الجسور والطرق والمصانع، بل إعادة بناء العلاقة بين الدولة والاقتصاد.

فالمعجزات الاقتصادية لا تبدأ عندما تتدفق الأموال، وإنما عندما تقتنع الأسواق بأن الدولة دخلت فعلاً مرحلة جديدة، وأن قواعد اللعبة لم تعد رهينة الأزمات أو القرارات الاستثنائية. وهذا تحديداً هو الاختبار الذي ينتظر دمشق في السنوات المقبلة.

إذا كانت إعادة بناء الثقة هي الشرط الأول لأي نهضة اقتصادية، فإن السؤال التالي يتعلق بمصدر رأس المال الذي سيقود هذه النهضة. فمن غير الواقعي الاعتقاد بأن الحكومات أو المؤسسات الدولية وحدها قادرة على تمويل إعادة إعمار بلد خرج من حرب امتدت سنوات طويلة. التجارب الحديثة تشير إلى أن التحولات الاقتصادية الكبرى تبدأ عندما يقتنع المستثمر بأن المخاطرة أصبحت محسوبة، وأن الدولة انتقلت من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية.

في الحالة السورية، قد لا يكون المستثمر الأجنبي هو أول من يطرق الباب، بل السوريون أنفسهم. فخلال سنوات الحرب، تشكلت جاليات سورية واسعة في دول الخليج وأوروبا وأميركا الشمالية، ونجح آلاف رجال الأعمال والمهنيين في تأسيس شركات واستثمارات وخبرات تراكمت خارج البلاد. هذه الكتلة البشرية والاقتصادية تمثل اليوم أحد أهم الأصول التي تمتلكها سوريا، ليس فقط بسبب رؤوس الأموال التي يمكن أن تعود، بل بسبب المعرفة الإدارية والتقنية والعلاقات التجارية التي اكتسبتها في الأسواق العالمية.

وليس هذا استثناءً في التاريخ الاقتصادي. فقد لعبت الجاليات دوراً محورياً في صعود اقتصادات مثل الصين والهند وأيرلندا، حيث كانت استثمارات المغتربين أول الجسور التي أعادت الثقة بالاقتصاد المحلي، قبل أن تتبعها الشركات العالمية. وغالباً ما يكون المستثمر الذي تربطه بالبلد علاقة ثقافية أو عائلية أكثر استعداداً لتحمل المخاطر في المراحل الأولى من الانتقال، شرط أن يشعر بأن البيئة القانونية أصبحت أكثر استقراراً، وأن حقوقه ستكون مصانة.

التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية قد لا يكون في جمع الأموال، بل في بناء الثقة. فالمستثمر الدولي يستطيع التعامل مع دولة خرجت من حرب، لكنه يتردد كثيراً في التعامل مع دولة لا تزال قواعدها الاقتصادية والقانونية غير مستقرة

لكن عودة رأس المال السوري لن تكون مسألة عاطفية أو وطنية فحسب. فالاستثمار في النهاية قرار اقتصادي تحكمه حسابات الربح والمخاطرة. ولذلك فإن الرسالة التي تحتاج دمشق إلى توجيهها لا ينبغي أن تقتصر على الدعوة إلى العودة، بل يجب أن تُترجم إلى إصلاحات ملموسة: قوانين استثمار حديثة، ونظام ضريبي واضح، وإجراءات إدارية سريعة، وقضاء مستقل قادر على الفصل في النزاعات التجارية بعيداً عن التعقيدات البيروقراطية.

ولا يقل الموقع الجغرافي لسوريا أهمية عن رأس المال. فعلى امتداد التاريخ، لم تكن البلاد مجرد سوق داخلية، بل عقدة تربط بين الخليج وتركيا والعراق والأردن وشرق المتوسط. هذا الموقع، الذي تحول خلال سنوات الحرب إلى عبء بسبب انقطاع طرق التجارة وتراجع حركة النقل، يمكن أن يستعيد قيمته إذا عاد الاستقرار السياسي والأمني. فالعالم يشهد اليوم سباقاً على إنشاء ممرات تجارية جديدة تربط آسيا بأوروبا، وعلى تطوير شبكات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، وسوريا تقع في قلب هذه الخرائط.

إن تحول سوريا إلى مركز لوجستي إقليمي ليس فكرة رومانسية، بل احتمال اقتصادي واقعي إذا توافرت الشروط المناسبة. فإعادة تشغيل الموانئ، وربط السكك الحديدية، وتأهيل الطرق الدولية، وتطوير المناطق الصناعية، يمكن أن يمنح الاقتصاد السوري مصادر دخل تتجاوز النموذج التقليدي القائم على الزراعة أو التجارة المحلية. فالدول التي تستفيد من موقعها الجغرافي لا تعتمد فقط على ما تنتجه، بل أيضاً على ما يمر عبرها من تجارة وخدمات واستثمارات.

ويتزامن ذلك مع تحولات عميقة تشهدها اقتصادات الخليج. فالمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، وغيرها من الدول، لم تعد تنظر إلى الاستثمار الخارجي بوصفه أداة مالية فقط، بل بوصفه جزءاً من استراتيجية لبناء شبكات اقتصادية إقليمية أكثر ترابطاً. وإذا نجحت سوريا في استعادة الاستقرار، فقد تجد نفسها جزءاً من هذه الرؤية الجديدة، سواء عبر مشاريع البنية التحتية، أو الطاقة، أو المناطق الصناعية، أو سلاسل الإمداد الإقليمية.

غير أن الانضمام إلى هذا الاقتصاد الإقليمي الجديد لن يتحقق تلقائياً. فالدول لا تستثمر في الجغرافيا وحدها، بل في جودة المؤسسات التي تدير تلك الجغرافيا. وهنا تظهر الحقيقة التي تؤكدها معظم تجارب التنمية الحديثة: الإصلاح المؤسسي يسبق إعادة الإعمار، ولا يأتي بعدها.

لقد أنفقت دول عديدة مليارات الدولارات على إعادة بناء الطرق والمباني بعد الحروب، لكنها عادت إلى الأزمات لأن مؤسساتها بقيت ضعيفة. وفي المقابل، نجحت دول أخرى في تحقيق قفزات اقتصادية لأنها بدأت بإصلاح الإدارة العامة، وتحديث النظام المصرفي، ورقمنة الخدمات الحكومية، ومحاربة الفساد، وتعزيز استقلال القضاء. فالاستثمار يبحث أولاً عن بيئة يمكن التنبؤ بها، قبل أن يبحث عن الحوافز المالية.

ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية قد لا يكون في جمع الأموال، بل في بناء الثقة. فالمستثمر الدولي يستطيع التعامل مع دولة خرجت من حرب، لكنه يتردد كثيراً في التعامل مع دولة لا تزال قواعدها الاقتصادية والقانونية غير مستقرة. وكلما ارتفع مستوى الشفافية، وانخفضت كلفة الإجراءات، وتعززت سيادة القانون، تقلصت علاوة المخاطرة، وأصبح رأس المال أكثر استعداداً للدخول.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى