هل يكون اليسار الأميركي أملنا الجديد؟

دلال البزري – العربي الجديد:
ترامب يدمّر أميركا. يدمّر الحلم الذي لجأ إليه كلُّ هارب من الفقر والاستبداد. معه، تحوّلت أميركا إلى أرض الخوف واليأس. لم تعد أميركا، على الرغم من إمبرياليتها، ملاذاً ولو في الخيال. ترامب يدمّر أميركا ويضعنا وجهاً لوجه مع “النموذج” الوحيد الذي سيأخذ مكانها، أي نموذج هيمنتها على العالم بعد أن تنتهي فترة احتضارها. وهي فترة تسير بوتيرة العصر، السريعة.
وطبعاً الصين هي “النموذج” الإمبريالي البديل المقبل، وليست روسيا، التي انتهى بها المطاف ضعيفةً، ناكرةً لماضيها الاشتراكي، ورافضة للحرّيات التي ارتسمت في أفقها بعدما انحسر هذا الماضي. الصين تبقى “شيوعيةً”، كما تحبّ أن تقدّم نفسها، شيوعية ليس بالمعنى الذي فهمناه في صبانا وصباها، إنّما بمعنى الحكم الصارم لحزب واحد، يتبنّى شتّى أنواع الاقتصاد الاستغلالي، المرفق بالرقابة الشاملة والدقيقة على الناس. ولم يبقَ من “شيوعيتها” إلّا ما بدأ يخيف جيرانها الأقربين والأبعدين.
لذا، لا أمل للبشرية بعد ترامب في “نموذج” تحلم به إلّا “اليسار الأميركي”، وهي كلمة غريبة وضعيفة على لساننا ولسان أهلها. تُناقض الازدهار والحرّيات. أكبر دولة، يحلم بها البائسون الهاربون إليها من أهوال بلادهم، من الفقر والحروب والتسلّط، اللاجئون إليها. يتناسون، يغفرون لها ذنوبها، ومذابحها في حقّ الهنود، السكّان الأصليين، واستعبادها الأفارقة، وحروبها البلهاء هنا وهناك تثبيتاً لـ”زعامتها” العالمية.
ترامب يدمّر أميركا ويضعنا وجهاً لوجه مع “النموذج” الوحيد الذي سيأخذ مكانها، أي نموذج هيمنتها على العالم بعد أن تنتهي فترة احتضارها
وحاجز آخر بين أميركا واليسار، من صميم تراثها الثقافي، أي المكارثية. تلك الموجة المعادية للشيوعية التي انطلقت في إثر نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة. أعطتها ظروفها كلّها حياةً مديدةً: امتلاك الاتحاد السوفييتي للقنبلة الذرّية، وصعود الزعيم الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ إلى السلطة، والحرب الكورية… فتحوّلت الشيوعية، ومعها الاشتراكية، إلى بُعبع، ولوائح سوداء، تطاول كلّ صنّاع المعاني الفنّية والثقافية. وتكمن قوّة المكارثية في طبيعة أميركا نفسها: صينيون، روس، كوريون، يهربون إليها طلباً لعيش لا يخنقهم ولا يفقرهم. فبقيت الشيوعية، ومعها الاشتراكية، نموذجاً منفّراً، يرفضه الشعب والحكّام.
والآن: يستخدمها ترامب كلّما أراد أن يشتم شخصيةً لا تعجبه، أو مرشَّحاً “خطيراً” لمنصب من المناصب: “إنّه شيوعي” أو “ماركسي” أو “اشتراكي”، أو “مجنون من اليسار المتطرّف”، أو “شيوعي ملحد”، إلخ. بذلك يسجّل ترامب صعود اليسار. ولكن قبل ذلك، لليسار الأميركي تاريخ قديم، عمره من بداية القرن الماضي، والتصنيع الأميركي والهجرة الأوروبية وتقاليدها في النضالات العمّالية. حمل اسم “الحزب الاشتراكي الأميركي”. تطوّر هذا الحزب وتفرّع.
قبيل المكارثية، أُسقط جزء من مبرّرات وجوده ببرنامج “الصفقة الجديدة” (نيو ديل) للرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت. وهذه “الصفقة” خطّة شاملة تقوم على حماية العمل النقابي، والتنظيم الاقتصادي، والبرامج الاجتماعية، ومعاشات التقاعد العامّة، ومشاريع الأشغال. قضت المكارثية على جزء من هذه الخطّة. ومن بقي يسارياً من بعدها دخل بوصفه جناحاً “يسارياً” في الحزب الديمقراطي (الذي يتناوب على السلطة مع الحزب الجمهوري). وأبرز ممثّليه اليوم النائب بيرني ساندرز، وهو أكبرهم سنّاً (85 عاماً).
صعود ترامب إلى السلطة، أو إنّ وجهاً من هذا الصعود هو استباق يسار كانت ملامحه الجنينية قد ظهرت قبل أكثر من عشر سنوات
لن أطيل التاريخ. يبقى أنّ “التنظيم” اليساري الذي نعرفه اليوم يحمل اسم “الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا” (دي أس إيه)، وهو ولد في بداية الثمانينيّات من دمج اللجنة التنظيمية للاشتراكيين الديمقراطيين وحركة أميركا الجديدة. المهمّ الآن: ما الذي جعل حضور هذا اليسار فاعلاً؟ ما الذي أيقظ اليسار الأميركي، الذي لم يعرف حياةً فاعلةً بعد الإنجاز الذي حقّقه بوقف حرب فيتنام، أي بين أواسط الستينيّات وبداية السبعينيّات؟
طبعاً، ترامب نفسه، جامع الفساد الخرافي والاستغلال والعنصرية والتسلّط والفرعنة والاعتباط في شخصه وطبائعه. ليس هذا فقط. أو يمكن القول الآن إنّ صعود ترامب إلى السلطة، أو إنّ وجهاً من هذا الصعود هو استباق يسار كانت ملامحه الجنينية قد ظهرت قبل أكثر من عشر سنوات في العمق الشعبي الأميركي، أوّلها حركة “احتلوا وول ستريت” (2011). وول ستريت هو الشارع النيويوركي الذي فيه كلّ مكاتب المعاملات المصرفية والاستثمارية للرأسمالية الأميركية، المحلّية والعالمية. وشعار الحركة “نحن (نمثّل) الـ99%، وهم (يمثّلون) الـ1%”. يتناول الشعار الأزمة الاقتصادية التي وقعت قبل ذلك بثلاثة أعوام، ويدين الصعود الحادّ والسريع للتفاوت الطبقي بين الأميركيين، وسياسة اقتصادية منحازة إلى الأكثر ثراء.
بعد هذه الحركة، يحوّل النائب بيرني ساندرز هذا الشعار إلى برنامج انتخابي، يتضمّن رفع نسبة الضرائب على الأغنياء، ورفع الحدّ الأدنى للأجور، وجامعة رسمية مجّانية، ومجّانية الرعاية الصحّية، وإدانة السلطة السياسية لأصحاب المليارات. وفي هذا السياق بالذات، تُنتخب ألكساندريا أوكازيو كورتيز، اليسارية التي لها حصّة منتظمة من شتائم ترامب. الحركة الجماهيرية الثانية اسمها “حياة السود مهمّة”، التي وُلِدت بعد عامَين وتحوّلت حركة جماهيرية بعد عام على انطلاقتها. أصلها مقتل مراهق أسود (17 عاماً) على يد شرطي بفلوريدا، ونال الشرطي البراءة بعد محاكمته. فتكون ولادة الهاشتاغ “حياة السود مهمّة”، الذي تطلقه ثلاث فتيات سوداوات. الجريمة نفسها يرتكبها شرطي في حقّ مراهق أسود آخر (18 عاماً)، في ميسوري، فيكتسب الشعار زخماً جماهيرياً يمتدّ في أنحاء أميركا كلّها، ومطالبها تتناول إنهاء العنصرية المؤسّساتية داخل المحاكم والسجون والعمل والسكن والتعليم. وهل من حاجة ساعتها إلى الربط بين مطالب الحركتَين، “احتلوا وول ستريت” و”حياة السود مهمة”؟
تكمن قوّة غزّة في أنّها قرنت بين موضوعات شتّى، كلّها من قاموس اليسار الصاعد، منها: الهيمنة والكولونيالية والعنصرية وحقوق الأقلّيات…
نأتي إلى الحلقة التي تستكمل تصوّر اليسار الأميركي. أقصد غزّة. بماذا تُذكِّر الحركة الجماهيرية الطلابية التي اجتاحت حرم الجامعات الأميركية في ربيع عام 2024، احتجاجاً على المجازر الإسرائيلية ضدّ أهل غزّة؟ أميركيون كثر من الذين كانوا شباباً أيّام حرب فيتنام قارنوا بين هذه الحركة والحركة الطلابية الغاضبة والمناهضة للحرب الأميركية ضدّ الشعب الفيتنامي. وبالضبط كما حصل وقتها: خيام منصوبة في الحرم الجامعي، يحتلّها الطلاب، تتدخّل الشرطة لطردهم منها، ولتوقيفهم. ويضغط الكونغرس على إدارات الجامعات، وتُتَّخذ إجراءات عقابية تجاه بعضها، واحتجاجات تعمّ البلاد على وقع قمع حرّية التعبير.
تكمن قوّة غزّة في أنّها قرنت بين موضوعات شتّى، كلّها من قاموس اليسار الصاعد، منها: الهيمنة والكولونيالية والعنصرية وحقوق الأقلّيات والقدرات العسكرية والتفاوت الطبقي ودور المال في السياسة والقمع البوليسي وحرّية التعبير… أي أنّها ربطت نفسها بإحكام مع الحركتَين الجماهيريتَين سالفتَي الذكر.
عشية 7 أكتوبر (2023)، كانت مؤسّسة غالوب الإحصائية تسجّل للمرّة الأولى تزايداً للمواقف المؤيّدة للفلسطينيين داخل الحزب الديمقراطي، وبلغت في فبراير/ شباط 2023، نحو نصف الديمقراطيين المؤيّدين للفلسطينيين، مقابل 38% للإسرائيليين و60% من الشباب. بعد ذلك، نفهم اتّساع حضور التيّار المعادي لتسليح إسرائيل داخل الحزب الديمقراطي، وصعود نجم بيرني ساندرز، والمنافسة القوّية بين جناحَي الحزب الديمقراطي المؤيّد للفلسطينيين والمؤيّد لإسرائيل. وأبرز وجوه هذا الصراع عمدة نيويورك زهران ممداني، ومرشَّح ميشيغن لمجلس الشيوخ عبد الرحمن السيّد. وهذه حركة جماهيرية في بدايتها. هي الوحيدة المرشَّحة لمقارعة اليمين الأميركي الممثَّل في ترامب، وتراث ترامب بعد رحيله أو غيابه.
يحمل اليسار الأميركي في طيّاته عناصرَ متكاملة، فليس منطقياً مثلاً أن تكون مؤيّداً لإسرائيل، ومتعاطفاً مع حقوق السود
تُبيّن هذه التجربة الأميركية الجديدة أنّ فكر اليسار، على تنوّعه، وعلى توزّعه في التاريخ والجغرافيا، يحمل في طيّاته مكوّناتٍ أو عناصرَ متكاملة. أي أنّه ليس منطقياً مثلاً أن تكون مؤيّداً لإسرائيل، ومتعاطفاً مع حقوق السود. أو صديقاً لأصحاب المليارات، وحاملاً في الآن نفسه لواء الحرّيات.
وعلى المنوال نفسه، السؤال الذي يحضر كلّما يصعد يساري أميركي: هل أنت مع عمليات حركة حماس ضدّ إسرائيل؟ بمعنى آخر: هل تؤيّد العنف لبلوغ الأهداف؟ والإجابة مستعصية، لأنّ ظروف اليسار العربي – الفلسطيني مختلفة، إذ يرى عديدٌ منهم، وهو علماني، عقلاني، يدخل مع “حماس” أو حزب الله أو الحوثيين في تأييد وجودي لا فكاك منه. طبعاً، تستدعي هذه الظاهرة مزيداً من الاستنتاجات. على كلّ حال، ما زلنا في بدايتها، وقد لا تنجح في أول امتحاناتها، على الرغم من أنّها باعثة للأمل.
(ملاحظة أخيرة: لم أدرج الحركة النسوية ضمن الحركات الجماهيرية المناهضة لحكم اليمين الأميركي المتطرّف، على الرغم من ذكورية ترامب الفاحشة، ومن رواج شعبي وقانوني لحركة “مي تو” المناهضة للتحرّش والعنف الجنسي. وقد اشتهر بهما ترامب في علاقته المشبوهة بالبيدوفيلي جيفري إبستين، ومن خلال أقواله وممارساته نفسها. وآخر تجلّياتها الحكم عليه قانونياً بدفع خمسة ملايين دولار للصحافية إي جين كارول تعويضاً في دعوى اغتصاب. يرجع سبب عدم الإدراج إلى أنّ النسوية الأميركية تعبرها تيّارات يسارية وأخرى يمينية، ومن اليمين الوسط).




