رأي

هل من تباين بين أهداف أميركا وأهداف إسرائيل في الحرب؟

إسرائيل ترغب في تغيير بُنية النظام لكي يتخلَّى بالكامل عن سياسة صناعة الأذرُع، كما أنها ترغب بإحداث انقسامات داخلية قد تؤدي الى تفتيت “الأمبراطورية” المترامية، من خلال إنشاء كيانات مستقلة…

د.ناصر زيدان – النهار:

تُبيِّن مجريات الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وايران من جهة ثانية وجود تبابن بين رؤى شركاء الفريق الأول، رغم التنسيق الميداني الكبير بينهما على مستوى إدارة العمليات العسكرية التي تستهدف المنشآت الاستراتيجية الإيرانية، ولا سيما منها التي تتعلَّق بإنتاج التخصيب النووي وبصناعة الصواريخ الباليستية. والاختلاف في الأهداف كان سبباً رئيسياً للانقسام الحاصل في الرأي العام الأميركي، بحيث يتزايد عدد الذين يعتبرون أن الأسباب الرئيسية للحرب على ايران تقف خلفها حماية مصالح إسرائيل، أكثر مما هي خدمة للمصالح الأميركية.

لواشنطن أهداف لا يمكن إغفالها، وهي تحديداً: تعطيل “خطة الحزام والطريق الصينية التي أُطلقت عام 2013، وتغيير سلوك النظام القائم في طهران، إذا لم يكُن بالإمكان تغييره، للشروع في تعاون مستقبلي في مجال الاستثمار في النفط والغاز وإعادة بناء مرافق القطاع العام المختلفة والمتهالكة، والتنقيب عن المعادن الخفيفة الثمينة التي تحتاجها الصناعات الكهربائية والتكنولوجية الحساسة. كما أنها تريد ضمان عدم انحياز طهران بالكامل إلى جانب الدول الكبرى المناهضة للولايات المتحدة الأميركية في المستقبل. ولا شك في أن إدارة الرئيس دونالد ترامب ترغب في تسديد فاتورةٍ ذات أبعادٍ عقائدية لحكومة نتنياهو الإسرائيلية من خلال هذه الحرب، وقادة تل أبيب يعتبرون أن إيران القوية تشكل خطراً وجودياً على إسرائيل. ومن الواضح أن واشنطن لا تريد تقسيم إيران إلى دويلات، وغير متحمسةٍ لتغييرٍ جذري للنظام، ويكفيها أن يتولَّى القيادة أشخاص يتعاونون معها.

قاذفة القنابل B-1 Lancer التابعة للقوات الجوية الأميركية في قاعدة جنوب غربي إنكلترا في 7 مارس 2026.  (أ ف ب)

بالمقابل، فإن إسرائيل ترغب في تغيير بُنية النظام لكي يتخلَّى بالكامل عن سياسة صناعة الأذرُع، كما أنها ترغب بإحداث انقسامات داخلية قد تؤدي الى تفتيت “الأمبراطورية” المترامية، من خلال إنشاء كيانات مستقلة للأكراد في الغرب وللبلوش في الشرق وللعرب في الجنوب، وبالتالي تمنع الانفلاش الاستراتيجي الإيراني الذي يعتبر منافساً للطموحات الإسرائيلية بالهيمنة على المنطقة بكاملها. ولا شك في أن هدف إسرائيل أيضاً إنهاء البرنامج النووي الإيراني بالكامل، وتعطيل الطموحات الإيرانية ببناء منظومةٍ صاروخيةٍ باليستيةٍ متطورة، كذلك وقف إنتاج الطائرات المُسيَّرة الانقضاضية البعيدة المدى.

وهذه الأهداف يبدو أنها مُستجدة بعد الحروب التي حصلت في غزة وفي لبنان وفي سوريا العام الماضي، وما أعقبها من تغييرات هائلة على خارطة توزُّع القوى في المنطقة العربية، بحيث أن ما كان مُفيداً لإسرائيل من الفوضى التي سببتها السياسة الانفلاشية الإيرانية في الماضي، لم يعُد في صالحها اليوم، ويبدو أن تل أبيب انتقلت من خطة تشتيت الخصم، إلى خطة الهيمنة الشاملة.

لكن الاستناد إلى رؤية وجود خلافٍ جذريٍ بين طموحات كل من واشنطن وتل أبيب في الحرب، فرضية غير مؤكدة. والقواسم المشتركة بين أهداف كل منهما موجودة بقوة، خصوصاً في البعد العقائدي حيث عدد كبير من نُخب الإدارة الأميركية يشاطرون القيادات الإسرائيلية في التفسير الصهيوني لـ”العهد القديم” ويسلّمون بكون ما تفعله إسرائيل في سعيها الى الهيمنة على المنطقة حقاً تاريخياً. وقد أكدت تصريحات السفير الأميركي في تل أبيب مايك هاكابي الأخيرة هذا الافتراض. وزيادة منسوب تأثير إسرائيل في الإقليم قد يخدم المصالح الأميركية في المستقبل، لأنه سيكون على حساب النفوذ الأوروبي والتركي.

المشكلة الفعلية التي ستواجه الشريكين حكماً في المستقبل، هي أنه إذا ما قررت روسيا أو الصين – أو الإثنتان معاً – الخروج من مربّع الحياد والعودة إلى إدراج لعبة تحقيق التوازن لفرض تعدديةٍ قطبيةٍ بقوة الحضور، فعندها ستكون نتائج الحرب على إيران مختلفةً، وطهران التي تكبدت خسائر بشريةً وماديةً هائلة، لن تتورَّع في الدخول بأي أحلافٍ مناهضةٍ للتوجه الأميركي والإسرائيلي، وطهران “غير المهزومة” قوة جيوسياسية وطاقوية وعقائدية لا يمكن الاستخفاف بمقدراتها.

من المؤكد وجود تباين بين حليفي الحرب على إيران، لكن الخلاف يبقى تحت السيطرة التي تفرضها المصالح المشتركة، كما تفرضها – وعلى درجة أقل – عقيدة بعض النافذين المبنية على معلومات تاريخية غير مؤكدة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى