هل حان الوقت لتتخلى دول الخليج عن واشنطن كضامن أمني؟

بالنسبة إلى صناع السياسة الأميركيين، ستحتاج العلاقة الأميركية مع دول الخليج إلى إعادة تقييم بعد الحرب، وليس فقط من منظور شروط السلام التي سيتم توقيعها.
في دافوس في يناير/كانون الثاني، فاجأ رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الحضور بدعوته الصريحة للدول المتوسطة إلى التكاتف ومقاومة ضغوط القوى العظمى.
كان تلميحه إلى ضرورة مقاومة هذه الدول للصين والولايات المتحدة معًا صادمًا بعض الشيء في خطاب سياسي، ولكنه مع ذلك عكس إجماعًا متزايدًا على أن أهمية الدول المتوسطة ستزداد، مع اتجاه العالم نحو التعددية القطبية، ولا سيما إذا استطاعت التحرر من هيمنة القوى العظمى.
مع ذلك، بالنسبة إلى بعض أبرز الدول المتوسطة، كشفت الحرب على إيران عن حدود قدرتها على التأثير في الشؤون العالمية، والصعوبات التي تواجهها في مواجهة قوة عظمى متشددة.
منذ فبراير/شباط، اضطرت دول الخليج، التي تُعد من أغنى الدول المتوسطة وأكثرها نفوذًا في العالم، إلى مواجهة حقيقة أن كل ما تملكه من أموال ونفوذ دبلوماسي وعلاقات سياسية لم يكن كافيًا لحمايتها من الفوضى التي أحدثتها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
على مدى العقد الماضي، سعت دول الخليج إلى أن تصبح قوى متوسطة ذات استقلالية متزايدة، تمتلك نفوذاً في التجارة والاستثمار العالميين، مع بقائها في الوقت نفسه جزءاً لا يتجزأ من النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة، وهذا يُشكّل معضلة حقيقية: فنموذجها الاقتصادي يعتمد على الاستقرار، بينما يعتمد نموذجها الأمني على قوة عظمى تميل بشكل متزايد إلى التصعيد.
اضطرت دول الخليج إلى مواجهة حقيقة أن كل ما تملكه من أموال ونفوذ دبلوماسي وعلاقات سياسية لم يكن كافيًا لحمايتها من الفوضى
في الأشهر والسنوات القادمة، ستواجه هذه الدول خيارات صعبة. هل تستطيع منع عودة الصراع؟ إلى أي مدى يمكنها التحوّط ضد الولايات المتحدة كفاعل غير متوقع، أو ضد التهديد الجديد المتمثل في الصدمات المتكررة لتدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز؟ أم أنها ستضطر ببساطة إلى قبول أن اقتصاداتها ومجتمعاتها ستظل رهينة لأهواء حلفائها من القوى العظمى؟
سعت دول الخليج، على مدى عقد من الزمان على الأقل، إلى تحديث صورتها العالمية واقتصاداتها. أرادت هذه الدول التخلص من ذكريات “الربيع العربي”، حين كانت تُصوَّر في كثير من الأحيان كجهات مُزعزعة للاستقرار، وتقديم نفسها بدلاً من ذلك كدولة منفتحة على الأعمال، بل وأرادت، أكثر من ذلك، تجاوز الصورة النمطية القديمة للخليج كملاذ متخلف لأنظمة ملكية نفطية ريعية.
ولعلّ الإمارات العربية المتحدة كانت الأكثر نجاحاً، إذ أعادت ابتكار نفسها على مدى العقود القليلة الماضية لتصبح مركزاً للعبور ومركزاً مالياً عالمياً، لكنّ الأبرز بلا شك هي المملكة العربية السعودية، التي سعى ولي عهدها الشاب الطموح إلى الجمع بين الإصلاح الاقتصادي والتغييرات الاجتماعية الشاملة التي أحدثت تحولاً جذرياً في نسيج المجتمع السعودي. وكما هو الحال مع العديد من الدول الغنية بالنفط التي تسعى إلى الإصلاح، فقد حقق نجاحاً أكبر بكثير في الجانب الاجتماعي منه في الجانب الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، شهدت تدفقات الطاقة العالمية تحولاً كبيراً: إذ تتجه تدفقات النفط والغاز من الخليج بشكل متزايد ليس إلى الغرب، بل إلى آسيا. رداً على ذلك، انخرطت دول الخليج في عملية توازن دقيقة مألوفة لكل من درس فترات التنافس بين القوى العظمى في الماضي؛ إذ تسعى إلى تحقيق توازن بين الولايات المتحدة، المزود الأمني الرئيسي للمنطقة منذ زمن طويل، والصين، التي باتت شريكها الاقتصادي الأهم.
وقد عززت الأهمية المتزايدة لدول الخليج كمراكز مالية ومحاور استثمارية، إلى جانب أدوارها المتنامية في الوساطة الدولية، من أهميتها على الساحة العالمية.
قبل ستة أشهر، باختصار، كان مستقبل دول الخليج كقوى متوسطة رئيسية في النظام الدولي الناشئ يبدو واعداً. أما الآن، في أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فقد بات هذا المستقبل أقل أماناً بكثير.
في أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بات مستقبل دول الخليج أقل أماناً بكثير
ويمكن ملاحظة آثار الحرب في ثلاثة جوانب: المادية والاقتصادية والسمعة. ومن المفارقات أن الأضرار المادية كانت على الأرجح الأقل حدة. فقد تعرضت جميع الدول لبعض الأضرار المادية، لكنها لم تشهد دماراً واسع النطاق، وإن كانت الأضرار متفاوتة. كان أبرز الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية بلا شك هو الهجوم الإيراني على رأس لفان، منشأة معالجة وتصدير الغاز الرئيسية في قطر، والتي فقدت نحو 15% من طاقتها الإنتاجية، ولن تُصلح بالكامل قبل ثلاث إلى خمس سنوات.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد تكبدت جميع الدول المصدرة الرئيسية للطاقة في المنطقة خسائر في الإيرادات، واضطرت إلى إيقاف الإنتاج، ما أدى فعلياً إلى توقف تدفق النفط والغاز المخصص للتصدير. وتفاقمت خسائر عائدات الطاقة بسبب إغلاق العديد من مراكز النقل في المنطقة. على سبيل المثال، أُلغيت أكثر من 6000 رحلة جوية عبر “الشرق الأوسط” في الأيام الأولى للحرب، وتشير التوقعات إلى أن الدول المشاركة خسرت ما يصل إلى 30 مليار دولار من عائدات السياحة.
خلّفت الحرب تكاليف اقتصادية كلية باهظة في جميع أنحاء المنطقة. ففي أبريل/نيسان، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي في المنطقة بأكملها، بما في ذلك انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 8.6% في قطر. وتشير إحدى التقديرات إلى أن إصلاح منشآت الطاقة في الخليج سيكلّف نحو 60 مليار دولار. وتسعى الدول بشكل متزايد إلى إيجاد سبل لحماية اقتصاداتها من إغلاق المضيق في المستقبل، سواء من خلال بناء خطوط أنابيب بديلة مكلفة أو الاستثمار في مرافق موانئ جديدة.
قد تكون بعض هذه التكاليف مؤقتة. على سبيل المثال، انتعشت أعداد الرحلات الجوية بالفعل، وعاد العديد من المغتربين إلى وظائفهم في دبي وغيرها من الأماكن بعد إجلائهم في المراحل الأولى من الحرب، ولكن من السابق لأوانه معرفة التكاليف التي ستلحق بسمعة المنطقة جراء هذا الصراع. فإذا لم تتمكن دول الخليج من إظهار صورة الاستقرار وتوفير بيئة آمنة للعمال والمستثمرين الدوليين، فقد يتعرض نموذجها الاقتصادي للخطر.
إذا لم تتمكن دول الخليج من إظهار صورة الاستقرار وتوفير بيئة آمنة للعمال والمستثمرين الدوليين، فقد يتعرض نموذجها الاقتصادي للخطر
وبالتالي، ترتبط هذه المخاطر الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا بالأمن الإقليمي. لطالما تمحورت استراتيجية دول إقليمية كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية حول تعزيز العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، بالتزامن مع بناء علاقات اقتصادية متينة مع بكين.
وفي واشنطن، رأى بعض صناع القرار في إدارة بايدن أن هذا مبررٌ وجيهٌ لتقديم ضمانات أمنية ملموسة لدول الخليج في إطار التنافس مع الصين. وقد اعتمد نهج الرئيس دونالد ترامب تجاه المنطقة بشكل كبير على “اتفاقيات أبراهام”، التي تُعدّ إنجازاً بارزاً في السياسة الخارجية لإدارة ترامب الأولى، والتي سعت إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، وعزل إيران، ومواجهة النفوذ الصيني من خلال تعزيز العلاقات بين “إسرائيل” ودول الخليج.
ومع ذلك، فقد أظهرت الحرب مع إيران بشكل أساسي كيف يمكن أن تُصبح الضمانات الأمنية الأميركية مُعقّدة لهذه الدول. فقد تعرّضت جميع دول مجلس التعاون الخليجي – بما فيها تلك التي سعت إلى منع الصراع عبر الوساطة – للهجوم.
وتكبّدت قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة أضرارًا في بنيتها التحتية المدنية، وليس فقط استهداف القواعد الأمريكية على أراضيها. كما أظهرت الحرب أنه على الرغم من “اتفاقيات أبراهام” وسنوات من الاحتجاجات التي تُخالف ذلك، فإن واشنطن تُولي اهتمامًا واضحًا لبعض الحلفاء الإقليميين أكثر من غيرهم. فخلال الصراع، خصّص الجيش الأميركي عددًا أكبر بكثير من موارده لحماية “إسرائيل” مقارنةً بحماية دول الخليج.
كل هذا يضع دول الخليج في موقف شبه مستحيل. فإذا كانت الضمانات الأمنية من واشنطن تنطوي على مخاطر تُضاهي فوائدها، فلماذا السعي إليها؟ ومع ذلك، فإن التخلي عن الولايات المتحدة كشريك أمني يُثير مشكلات لا تقلّ أهمية. ومن غير المرجّح أن يتقبّل البيت الأبيض الحالي، على وجه الخصوص، فقدان بعض حقوقه في استخدام القواعد العسكرية الإقليمية.
في غضون ذلك، قد تظل الصين شريكًا اقتصاديًا لا غنى عنه، لكنها لم تُبدِ أي رغبة في تولي دور أميركا الأمني في المنطقة. ربما كشفت الحرب الإيرانية عن أوجه القصور في النموذج الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكن لا يوجد بديل واضح مطروح.
يشير هذا إلى حاجة أكبر لدول الخليج للاعتماد على مواردها الذاتية، سواء عبر التسوية أو المواجهة. في الواقع، يبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي تسير في اتجاهات مختلفة. تستكشف السعودية وقطر فكرة اتفاق إقليمي مع إيران، وهو حلٌّ قد يُخفف من احتمالية تجدد الحرب، حتى وإن كان له تبعات جيوسياسية. تُعمّق السعودية علاقاتها القائمة مع تركيا وباكستان، مُتجهةً نحو دول إقليمية متوسطة الحجم تفتقر إليها القوى العظمى.
ربما كشفت الحرب الإيرانية عن أوجه القصور في النموذج الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة، لكن لا يوجد بديل واضح مطروح
في المقابل، تُقرب الإمارات العربية المتحدة من “إسرائيل”، مُراهنةً على إمكانية الخروج من هذا المأزق بالقوة. من المرجح أن تُخصص جميعها المزيد من الأموال للإنفاق الدفاعي من مجموعة أكثر تنوعًا من الشركاء في السنوات القادمة.
بالنسبة إلى صناع السياسة الأميركيين، ستحتاج العلاقة الأميركية مع دول الخليج إلى إعادة تقييم بعد الحرب، وليس فقط من منظور شروط السلام التي سيتم توقيعها في نهاية المطاف. من غير المرجح أن تُطالب دول الخليج واشنطن بسحب قواتها، ولكن من غير المرجح أيضًا أن تدفع تكاليف إعادة بناء القواعد الأميركية أو التنازلات المقدمة لطهران.ج
ومع الأزمة المالية الناجمة عن الحرب، من المرجح أن نشهد انخفاضًا في استثمارات دول الخليج في طفرة الذكاء الاصطناعي الأميركية، وتراجعًا ملحوظًا في التمويل غير المشروط لمشاريع البيت الأبيض المفضلة. ومن المتوقع أن تكتشف إدارة ترامب قريبًا أن قادة الخليج لا يرغبون في أن يكونوا مصدرًا للتمويل لإصلاح أضرار لم يتسببوا بها.
والنتيجة المرجحة ليست قطيعة جذرية مع واشنطن، بل سلسلة من التعديلات التدريجية الهادئة. ستشتري دول الخليج تقنيات جديدة وأنظمة أسلحة موجودة لحماية سكانها وبنيتها التحتية، وستحاول تعديل سياسات الرئيس، والسعي لإيجاد حل إقليمي عملي يمنع اندلاع المزيد من أعمال العنف.
في الوقت نفسه، من المرجح أن يتراجع نفوذ واشنطن تدريجيًا؛ وقد يكون ذلك في مصلحة كلا الطرفين.
: المصدر: Responsable statecraft




