رأي

هل تستعيد القاهرة دورها كـ”صانع سلام” في المنطقة؟

محمد الصالحين الهوني – العرب:

القاهرة تدرك أن أي تصعيد جديد سيضعها أمام تحديات مباشرة سواء في أمن الطاقة أو في استقرار قناة السويس ما يجعل التهدئة ضرورة أمن قومي لا مجرد تضامن دبلوماسي.

في أجواء إقليمية مشحونة بالتوترات، جاءت الجولة الخليجية السريعة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لتعيد طرح سؤال قديم – جديد: هل تستطيع القاهرة استعادة موقعها كقوة عربية جامعة، قادرة على الموازنة بين التضامن مع الحلفاء الخليجيين والوساطة مع إيران؟

منذ اندلاع الحرب الأخيرة بين أميركا وإيران، وما رافقها من هجمات على منشآت مدنية وطاقية في دول الخليج، خاصة الإمارات، بدا أن المنطقة تتجه نحو مواجهة مفتوحة.

زيارة السيسي إلى أبوظبي ومسقط حملت رسائل تتجاوز التضامن الثنائي، لتضع مصر في قلب معادلة التهدئة الإقليمية. فالموقف المصري جمع بين إدانة الاعتداءات الإيرانية بوصفها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وبين الدعوة إلى الحوار والدبلوماسية كمدخل وحيد لتسوية الأزمة. هذا التوازن ليس مجرد خطاب، بل محاولة لإعادة تثبيت موقع القاهرة كوسيط عربي في لحظة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

الموقف المصري بدا مزدوجًا بوعي: رفض الاعتداءات الإيرانية على الإمارات، وفي الوقت نفسه التأكيد أن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذه الصيغة تعكس إدراك القاهرة أن التضامن مع الخليج لا يتناقض مع السعي إلى وساطة عربية أوسع، بل يكمله. فمصر تدرك أن أي تصعيد جديد سيضعها أمام تحديات مباشرة، سواء في أمن الطاقة أو في استقرار قناة السويس، ما يجعل التهدئة ضرورة أمن قومي لا مجرد تضامن دبلوماسي.

اختيار السيسي زيارة أبوظبي أولًا ثم مسقط لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية متكاملة. الإمارات هي الطرف الخليجي الأكثر تعرضًا للهجمات الإيرانية، بينما سلطنة عمان تمثل القناة الأكثر خبرة في إدارة الوساطات مع طهران. الجمع بين العاصمتين يعكس إدراك القاهرة لأهمية تنسيق موقف عربي متوازن: تضامن مع المتضرر المباشر، واستثمار في خبرة الوسيط التقليدي. بهذا المعنى، تحاول مصر أن تقدم نفسها كقوة عربية قادرة على بناء جسر بين المواقف المتباينة داخل الخليج نفسه.

التحدي الحقيقي يكمن في ما إذا كانت القاهرة قادرة على تحويل هذا التحرك إلى وساطة عربية أوسع، أم أن تعقيدات الملف النووي الإيراني ستبقي دورها محدودا في إدارة التوتر

أي انفجار جديد في الخليج ستكون له تداعيات مباشرة على مصر: ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب حركة التجارة العالمية، تهديد قناة السويس، وانعكاسات على الاستثمارات الخليجية والسياحة وتحويلات العاملين المصريين. لذلك تنظر القاهرة إلى خفض التوتر باعتباره ضرورة أمن قومي. فالمسألة لا تتعلق فقط بالتضامن مع الإمارات أو السعودية، بل بمصالح مصر الإستراتيجية التي تجعل استقرار الخليج شرطًا لاستقرارها الداخلي.

منذ سنوات، بدا أن القاهرة فقدت بعضًا من وزنها التقليدي في إدارة الملفات الإقليمية، لصالح عواصم أخرى أكثر انخراطًا في أزمات المنطقة. لكن التحرك الأخير يعكس محاولة لإعادة تثبيت موقعها كقوة عربية جامعة. فمصر تحتفظ بعلاقات متوازنة نسبيًا مع مختلف القوى، بما في ذلك إيران، ما يمنحها مرونة إضافية في إدارة التوازنات. التحدي الحقيقي يكمن في ما إذا كانت القاهرة قادرة على تحويل هذا التحرك إلى وساطة عربية أوسع، أم أن تعقيدات الملف النووي الإيراني ستبقي دورها محدودًا في إدارة التوتر.

التحرك المصري لا يمكن فصله عن السياق الدولي. فبينما تتحدث تقارير أميركية وإسرائيلية عن اقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم مؤقتة بين واشنطن وطهران، لا تزال الملفات الجوهرية العالقة – البرنامج النووي ومستقبل تخصيب اليورانيوم – تعطل الوصول إلى اتفاق شامل. في هذا السياق، تحاول القاهرة أن تقدم نفسها كطرف عربي قادر على دعم المسار التفاوضي، دون أن يُفهم ذلك كتراجع عن رفض السياسات الإيرانية. إنها صيغة دقيقة: دعم الحوار، لكن من موقع التضامن مع الخليج.

ما يميز التحرك المصري أنه لا يقتصر على إدانة الهجمات أو الدعوة إلى التهدئة، بل يسعى إلى صياغة مقاربة جديدة تقوم على الفصل بين الخلافات السياسية والأمن الاقتصادي لدول المنطقة. فالقاهرة تدرك أن استمرار التوتر سيبقي الخليج رهينة احتمالات الانفجار العسكري، بينما التفاهمات الجزئية قد تمنح المسار التفاوضي فرصة للنجاح. بهذا المعنى، تحاول مصر أن تقدم نفسها كقوة عقلانية في مشهد إقليمي تغلب عليه الانفعالات والتصعيد.

من منظور داخلي، يدرك السيسي أن أي انفجار جديد في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على مصر: من أسعار الطاقة إلى حركة التجارة عبر قناة السويس، ومن الاستثمارات الخليجية إلى السياحة وتحويلات العاملين. لذلك فإن خفض التوتر ليس مجرد سياسة خارجية، بل جزء من حماية الأمن القومي المصري.

هذا الإدراك يفسر لماذا تبدو القاهرة حريصة على لعب دور الوسيط، حتى لو كان ذلك محفوفًا بالتعقيدات. في ظل مشهد إقليمي معقد، تتحرك مصر بين التضامن والوساطة، محاولةً إعادة تعريف دورها العربي في الخليج. نجاح هذا الدور يتوقف على قدرتها على الموازنة بين رفض السياسات الإيرانية والدفع نحو مسار تفاوضي يضمن استقرار المنطقة.

فالقاهرة تدرك أن أمن الخليج ليس قضية بعيدة، بل جزء من أمنها القومي المباشر، وأن أي انفجار جديد ستكون له تداعيات اقتصادية وسياسية لا تحتملها. لذلك تبدو مصر اليوم أمام فرصة لإعادة تثبيت موقعها كوسيط عربي، شرط أن تُترجم هذه التحركات إلى رؤية إستراتيجية طويلة المدى، تتجاوز اللحظة الراهنة إلى بناء صيغة عربية أكثر تماسكًا في مواجهة التحديات الإقليمية.

في النهاية، ما تحاول مصر فعله هو إعادة تركيب فسيفساء عربية مهشمة. هي تحاول أن تجمع بين الحاجة إلى التصدي للنفوذ الإيراني، الذي تعتبره تهديداً وجودياً، والحاجة الملحة إلى عدم الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا التوازن دقيق للغاية، وأي خطأ في الحسابات قد يقلب الطاولة على الجميع.

لكن إذا نجحت القاهرة في تحويل هذه الجولة الخليجية السريعة إلى إطار دائم للتشاور العربي، وإذا استطاعت بالفعل أن تلعب دور الجسر بين عواصم الخليج وبين طهران عبر بوابة مسقط، فهذا يعني أن “صانع السلام” القديم في المنطقة لا يزال يحتفظ ببعض أوراقه الرابحة. وإذا فشلت، فسيبقى دورها مجرد “دبلوماسية زيارات خاطفة”، تذبل قبل أن تلمس أرض الواقع المحترق.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى