هل تجد أوروبا ملاذها في البحار؟

كتبت يسرا عادل, في الخليج:
لم يأت مصطلح «الأسطول الشبح» من عالم الروايات البحرية، بل خرج هذه المرة من صلب نشرات الأخبار الأوروبية، حيث تتكرر التقارير الاستخباراتية والاقتصادية عن مئات الناقلات التي تتحرك في البحار كأجسام قانونية ضبابية: مرئية على شاشات الرادار، غامضة في سجلات الملكية، وعصية على الإدراج ضمن تعريف تقليدي للدولة أو للشركة. الحديث هنا لا يدور عن قطع عسكرية، بل عن شبكة نقل نفطي وتجاري تشكلت تدريجياً منذ اندلاع النزاع الأوكراني – الروسي.
هذه السفن ليست مختبئة بالمعنى الحرفي، بل تعمل في العلن، تجوب المتوسط والبحر الأسود وممرات آسيا، لكنها تفعل ذلك بهويات متبدلة، وأعلام تسجيل متعددة، وملكية موزعة على شركات وسيطة عابرة للحدود. تقديرات غربية تشير إلى أن عدد الناقلات المرتبطة بهذه الشبكة بلغ عدة مئات، مع اعتماد واسع على سفن قديمة أُعيد تشغيلها خارج منظومات التأمين الغربية. وفي كثير من الحالات، يتم نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، في عملية قانونية شكلاً، لكنها مصممة لتضليل المنشأ الفعلي للنفط. هكذا نشأ واقع بحري مواز لا يخالف القواعد صراحة، لكنه يفرغها من مضمونها.
هنا، توجه بروكسل أصابع الاتهام إلى موسكو، وتلوّح لندن بإمكانية احتجاز ناقلات مرتبطة بالأسطول، بينما احتجزت باريس بالفعل في 22 يناير/ كانون الثاني ناقلة النفط «غرينش» قبالة سواحل إسبانيا. قبل أن يبلغ الرئيس ماكرون، نظيره الأوكراني بضرورة الإفراج عنها بموجب القانون الفرنسي.
الإشكالية التي تواجهها العواصم الأوروبية ليست تقنية فحسب، بل قانونية أيضاً. فالقانون الدولي يشترط لإثبات الانتهاك وجود صلة مباشرة بجهة خاضعة للعقوبات، بينما بُني هذا الأسطول تحديداً على تفكيك تلك الصلة: ملكيات متغيرة، شركات واجهة، وسلاسل تمويل يصعب ربطها بمركز سياسي واحد. لذلك، فإن معركة أوروبا مع «الأسطول الشبح» تبدو أحياناً كمن يحاول الإمساك بالضباب لا بالسفن.
من هذه النقطة التقنية يبدأ البعد السياسي الأعمق. فالتشدد الأوروبي تجاه هذه الظاهرة لا يمكن قراءته فقط كإجراء رقابي، بل كجزء من محاولة أوسع لاستعادة زمام المبادرة بعد سنوات أرهقت فيها الحرب الاقتصاد الأوروبي، ورفعت كلفة الطاقة. إن التركيز على الممرات البحرية اليوم يشبه نقل المعركة من البر المستنزف إلى البحر المفتوح، محاولة لإيجاد مساحة ضغط جديدة بعدما فقدت الأدوات السابقة فعاليتها الكاملة.
غير أن هذا التحرك الأوروبي لا يجري في فراغ استراتيجي، بل تحت مظلة علاقة معقدة مع الولايات المتحدة، «الحليف» الذي لا يزال يملك مفاتيح النظام المالي العالمي، لكنه يفضل إدارة الصراع من مسافة محسوبة. واشنطن تدعم تشديد الرقابة والعقوبات، وتشجع بروكسل على ملاحقة الشبكات الملتفّة على القيود، لكنها في الوقت ذاته تنقل عبء المواجهة الاقتصادية إلى الضفة الأوروبية. والنتيجة معادلة دقيقة: ضغط سياسي مشترك على موسكو، تقابله كلفة اقتصادية تتحملها أوروبا بدرجة أكبر، بينما تستفيد الولايات المتحدة من إعادة توجيه أسواق الطاقة وتعزيز صادراتها.
لكن المفارقة أن هذه السياسات قد لا تُنتج النتيجة المرجوة. فالتجربة التاريخية مع موسكو تشير إلى قدرة عالية على التكيف مع القيود وتحويلها إلى مسارات بديلة. الاقتصاد الروسي، الذي وُصف مراراً بأنه سيتداعى سريعاً، أعاد توجيه صادراته، ووسع شبكات نقل جديدة، واعتبر العقوبات حالة دائمة يجب إدارتها لا أزمة طارئة يجب إنهاؤها. والسياسة الروسية تقوم على فلسفة استراتيجية قوامها الصبر، والمراوغة، وتفكيك أدوات الضغط تدريجياً.
هنا تبرز المعضلة الأوروبية: كلما زاد التركيز على هذه الظاهرة بوصفها نقطة ضعف روسية، ازدادت موسكو استثماراً فيها باعتبارها نموذجاً قابلاً للتوسع. الضغط يولد التفافاً، والالتفاف يولد شبكات جديدة، في حلقة يصعب كسرها بأدوات قانونية فقط. وهكذا قد تجد أوروبا نفسها، وهي تسعى إلى تقليص النفوذ الروسي، تسهم من حيث لا تريد في ترسيخ نظام تجاري مواز يتجاوز قواعدها، ويرى بعض المراقبون أنها سياسة تعويض عن هشاشة جيوسياسية أكثر منها استعراض قوة.
المشهد في مجمله لا يشبه مواجهة بحرية بقدر ما يشبه مباراة شطرنج طويلة على رقعة الاقتصاد العالمي: أوروبا تحاول تحريك قطعها لإثبات قدرتها على الردع، الولايات المتحدة تراقب وتدير الإيقاع من الخلف، وروسيا تراهن على الزمن كحليف استراتيجي لا يخون. وفي هذا التوازن الهش، يصبح البحر مسرحاً رمزياً لصراع أوسع حول من يملك حق صياغة قواعد التجارة والضغط في القرن الحادي والعشرين.
قد لا يكون «الأسطول الشبح» سوى عرض لمرض أعمق في النظام الدولي، مرض يتمثل في تآكل القدرة على فرض القواعد من مركز واحد، وصعود عالم تتعايش فيه الأنظمة الرسمية مع شبكات موازية لا تعترف بالحدود نفسها. وبينما تواصل أوروبا ملاحقة السفن المجهولة، قد تجد أن التحدي الحقيقي ليس في البحر، بل في إعادة تعريف موقعها داخل نظام عالمي يتغير أسرع مما تستطيع لوائحه أن تلاحقه.




