رأي

هل تبدأ الصين من مصر إعادة رسم خريطة القوة في الشرق الأوسط؟

شاهر الشاهر – الميادين:

هل أصبحت مصر بالنسبة إلى الصين أكثر من شريك اقتصادي، بحيث يمكن أن تتحول إلى نقطة ارتكاز لإعادة تعريف الحضور الصيني في الشرق الأوسط؟

يعتزم الرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة القاهرة للاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في أول زيارة دولة له لمصر منذ عشر سنوات، وفي لحظة يُعاد فيها رسم خرائط التجارة والطاقة والنفوذ في الشرق الأوسط، بينما تواجه الممرات البحرية من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز تحديات غير مسبوقة، وتتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى على التكنولوجيا والأسواق وسلاسل الإمداد.

أهمية الزيارة لا تكمن فقط في بعدها الاحتفالي أو في الاتفاقيات التي قد تنتج عنها، وإنما في توقيتها السياسي والاقتصادي؛ فالعلاقات المصرية – الصينية تدخل مرحلة جديدة تتقاطع فيها مصالح البلدين مع التحولات الكبرى في النظام الدولي، من المنافسة الأميركية – الصينية إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، ومن أمن الطاقة إلى صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

السؤال الأهم هو: هل أصبحت مصر بالنسبة إلى الصين أكثر من شريك اقتصادي، بحيث يمكن أن تتحول إلى نقطة ارتكاز لإعادة تعريف الحضور الصيني في الشرق الأوسط؟

ولعل ما يمنح العلاقة المصرية – الصينية عمقاً يتجاوز المصالح الاقتصادية هو أن الطرفين ينتميان إلى حضارتين من أقدم الحضارات المستمرة في التاريخ؛ فالصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها دولة عربية وأفريقية ذات موقع استراتيجي فحسب، وإنما باعتبارها إحدى الحضارات التي تركت بصمتها في تشكيل التاريخ الإنساني. 

وفي الوعي الصيني، الذي يمنح التاريخ والحضارة وزناً كبيراً في فهم مكانة الدول، تمثّل مصر شريكاً حضارياً لا يقلّ أهمية عن كونها شريكاً اقتصادياً.

وهنا تلتقي رؤيتان تاريخيتان للعالم؛ حضارة مصر التي جعلت من النيل مركزاً للدولة والاقتصاد والثقافة، والحضارة الصينية التي تشكلت حول الاستمرارية والدولة المركزية والتجارة وشبكات التواصل الممتدة عبر آسيا. 

ربما يفسّر هذا التشابه في العمق الحضاري جانباً من قدرة البلدين على بناء علاقة تقوم على فكرة الاستمرارية، لا على المصالح الآنية وحدها.

من هذه الزاوية، لا تلتقي الصين مع مصر باعتبارهما قوتين اقتصاديتين صاعدتين فقط، وإنما باعتبارهما حضارتين قديمتين تحاولان تحويل رأس المال التاريخي إلى نفوذ في عالم جديد.

مصر في الحسابات الصينية

تستمد مصر أهميتها بالنسبة إلى الصين من موقعها أكثر مما تستمدها من حجم اقتصادها وحده؛ فهي تسيطر على قناة السويس التي تربط البحر الأحمر بالمتوسط، وتقع عند نقطة التقاء آسيا وأفريقيا وأوروبا، كما تمتلك علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا ودول الخليج و”إسرائيل”، ما يجعلها واحدة من أكثر الدول قدرة على التواصل مع مراكز القوة المختلفة.

من هذه الزاوية، لا تنظر بكين إلى مصر كسوق تضم أكثر من مئة مليون نسمة فقط، بل كمنصة يمكن أن تربط الاقتصاد الصيني بثلاث دوائر استراتيجية في وقت واحد: الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا. وهذا البُعد الجغرافي يزداد أهمية مع اضطراب التجارة العالمية وارتفاع مخاطر الممرات البحرية.

وقد ارتقت العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، لتتحول خلال العقد الماضي من تعاون سياسي وتجاري إلى شراكة شملت البنية التحتية والطاقة والنقل والمناطق الصناعية، فيما تبدو المرحلة المقبلة مرشحة للانتقال من بناء المشاريع إلى بناء سلاسل الإنتاج والقيمة.

في الحسابات الجيوسياسية لبجين، لا تُقاس أهمية مصر بما تنتجه فقط، وإنما بما تصل إليه؛ فمصر تمنح الصين شيئاً لا توفره الأسواق التقليدية: موقعاً يمكن من خلاله الجمع بين الممر البحري، والسوق الإقليمية، والقاعدة الصناعية، والامتداد الأفريقي.

من قناة تمرّ فيها البضائع إلى قاعدة للإنتاج

تجسّد المنطقة الاقتصادية الصينية – المصرية في قناة السويس هذا التحول؛ إذ تضم منطقة تيدا نحو 200 شركة، باستثمارات تتجاوز 3.8 مليارات دولار، وتوفر أكثر من عشرة آلاف فرصة عمل، فيما تتواصل خطط التوسع فيها لتصبح منصة تجمع الميناء بالمصنع، والإنتاج بالنقل، والاستثمار بالتصدير.

وهنا يتغير السؤال الصيني من كيف تمرّ بضائعنا عبر قناة السويس؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن أن ننتج في مصر ونستخدم موقعها للوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية؟

هذا التحول ينسجم مع إعادة ترتيب سلاسل الإمداد العالمية، حيث تبحث الشركات الصينية عن مواقع إنتاج جديدة خارج الصين، بينما تبحث مصر عن استثمارات توفر فرص العمل والعملة الصعبة والتكنولوجيا وتزيد قدرتها على التصدير.

حجم التجارة بين البلدين في السنوات الأخيرة تجاوز حاجز 16 مليار دولار، لكن الميزان التجاري يميل بقوة لمصلحة الصين؛ ولذلك فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بزيادة التجارة، بل بقدرة مصر على جذب استثمارات صينية منتجة ترفع الصادرات وتزيد المكوّن المحلي.

الصين تحتاج إلى مصر في عالم مضطرب

أعادت اضطرابات البحر الأحمر التأكيد على القيمة الاستراتيجية لقناة السويس بالنسبة إلى الصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية وعلى واردات الطاقة من الشرق الأوسط؛ فمضيق هرمز يمثل أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، بينما تمثل قناة السويس أحد أهم الممرات التي تربط آسيا بأوروبا، وأي اضطراب في أحدهما ينعكس على النقل والتأمين والطاقة وسلاسل الإمداد.

لهذا فإن استقرار مصر يرتبط بالنسبة إلى بكين بأمن التجارة الصينية وقدرة الشركات الصينية على الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية والعربية، وهو ما يفسّر تداخل البُعد الاقتصادي مع البُعد الجيوسياسي في العلاقة.

الصين لا تدخل الشرق الأوسط بالطريقة الأميركية؛ فبينما بنت واشنطن جزءاً كبيراً من نفوذها على التحالفات العسكرية والقواعد الأمنية وصفقات السلاح، تحاول بجين بناء نفوذ طويل الأجل من خلال التجارة والاستثمار والموانئ والطاقة والتكنولوجيا والتمويل.

وبذلك لا تحتاج الصين إلى استبدال الولايات المتحدة عسكرياً لكي تصبح أكثر تأثيراً، إذ يمكن أن يتحول النفوذ الاقتصادي نفسه إلى مصدر لنفوذ سياسي متزايد كلما أصبحت الشركات الصينية جزءاً من البنية الأساسية لاقتصادات المنطقة.

التكنولوجيا عنوان المرحلة المقبلة

إذا كان العقد الماضي هو عقد البنية التحتية، فإن العقد المقبل يمكن أن يكون عقد التكنولوجيا؛ فالصين أصبحت قوة عالمية في السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والاتصالات والذكاء الاصطناعي، بينما تبحث مصر عن توطين الصناعات الحديثة وزيادة القيمة المضافة في اقتصادها.

تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع التقارير التي تحدثت عن خطط شركة هواوي لتوريد أكثر من ألفي شريحة متقدمة للذكاء الاصطناعي إلى مراكز بيانات حكومية مصرية، في خطوة تكشف أن التعاون بدأ ينتقل من الموانئ والمصانع إلى البنية الرقمية، وأن مصر قد تصبح أيضاً ساحة للمنافسة التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة.

التحدي الحقيقي لمصر ليس الحصول على التكنولوجيا الصينية وإنما “توطينها”؛ فكل مصنع جديد ينبغي أن يخلق مهارات مصرية، وكل مشروع يجب أن يرتبط بالتدريب ونقل المعرفة، وكل استثمار ينبغي أن يساعد في بناء شركات محلية قادرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

مصر بين واشنطن وبكين

تعميق الشراكة مع الصين لا يعني أن مصر تتجه إلى الانضمام إلى المعسكر الصيني، بل إن السياسة المصرية تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا ودول الخليج.

وهذا يمنح القاهرة هامشاً مهماً للمناورة، لكن التوازن سيصبح أكثر صعوبة إذا انتقلت المنافسة الأميركية–الصينية بصورة أكبر إلى الذكاء الاصطناعي والاتصالات ومراكز البيانات والتكنولوجيا المتقدمة، لأن هذه القطاعات أصبحت مرتبطة مباشرة بالأمن القومي.

لذلك فإن السؤال بالنسبة إلى مصر ليس الصين أم أميركا؟ وإنما كيف تستفيد من التنافس بين القوى الكبرى من دون أن تتحول إلى ساحة لهذا التنافس؟

تمثل إفريقيا فرصة أخرى يمكن أن تعيد تعريف العلاقة؛ فالصين توسّع حضورها الاقتصادي في القارة، بينما تمتلك مصر موقعاً يسمح لها بأن تصبح قاعدة للتجارة والاستثمار الصينيين في الأسواق الأفريقية، مستفيدة من عضويتها في الاتحاد الأفريقي وشبكات الموانئ والنقل وموقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

إذا نجحت القاهرة في ربط المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالأسواق الأفريقية، يمكن أن تنتقل العلاقة من نموذج ثنائي إلى نموذج ثلاثي: الصين – مصر – أفريقيا، بما يمنح القاهرة دوراً أكبر كحلقة وصل بين الاقتصاد الصيني والأسواق الأفريقية الصاعدة.

هل تبدأ الصين من مصر إعادة رسم الشرق الأوسط؟

قد يكون من المبالغة القول إن الصين تريد إعادة بناء الشرق الأوسط أو استبدال الولايات المتحدة فيه، فبجين لا تمتلك مشروعاً معلناً لإعادة تشكيل الأنظمة السياسية أو إقامة تحالفات عسكرية مغلقة، كما أن مصالحها الاقتصادية تدفعها إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف.

لكن الأدق أن الصين تسعى إلى إعادة تعريف طبيعة حضورها في الشرق الأوسط، بحيث تتحول من مستورد للطاقة ومصدّر للسلع إلى مستثمر وصانع للتكنولوجيا وشريك في الموانئ والطاقة والصناعة وسلاسل الإمداد، وفي هذا النموذج يمكن أن تكون مصر إحدى أهم نقاط الارتكاز.

بالنسبة إلى القاهرة، فإن التحدي هو تحويل الموقع الجغرافي إلى قوة اقتصادية؛ فوجود قناة السويس لا يكفي لصناعة مركز عالمي، كما أن جذب الشركات الصينية لا يكفي إذا بقيت مصر سوقاً للمنتجات بدلاً من أن تصبح قاعدة لإنتاجها وتصديرها.

لهذا فإن الرهان الحقيقي هو الانتقال من قناة السويس إلى المنطقة الصناعية، ومن المنطقة الصناعية إلى التكنولوجيا، ومن التكنولوجيا إلى التصدير، بحيث تصبح مصر شريكاً في الإنتاج لا مجرد محطة في طريق التجارة الصينية.

إذا تحقق هذا التحول، فقد تكون زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة أكثر من مناسبة للاحتفال بسبعين عاماً من العلاقات؛ فقد تصبح بداية لمرحلة جديدة تتحول فيها مصر إلى إحدى العقد الرئيسية في شبكة الصين الاقتصادية العالمية، وتصبح الشراكة المصرية – الصينية جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط نحو نظام تتنافس فيه قوى متعددة على التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة.

المفارقة الأهم تكمن في أن دولتين تنتميان إلى حضارتين من أقدم الحضارات المستمرة في العالم تلتقيان اليوم، لا للحديث عن الماضي، وإنما عن شكل المستقبل؛ فالصين تمتلك القوة الصناعية والتكنولوجية، ومصر تمتلك الموقع والعمق الحضاري والامتداد العربي والأفريقي، وما بينهما يمكن أن يتشكل نموذج جديد للشراكة بين الحضارة والجغرافيا والقوة الاقتصادية.

عندها لن يكون السؤال بعد الزيارة: ماذا وقّعت الصين مع مصر؟ وإنما: ما الذي ستصبح عليه مصر في النظام الاقتصادي والجيوسياسي الجديد الذي يتشكل حولها؟

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى