رأي

هل بدأت نهاية “الشرق الأوسط” الأميركي؟

مارك لينش – فورين أفيرز:

قضى الدعم الأميركي للعدوان الإسرائيلي على غزة، لا سيما في عهد بايدن، على أي سلطة معنوية متبقية للولايات المتحدة. كما حطّمت هزيمة ترامب في إيران وهم الهيمنة العسكرية الأميركية المطلقة.

انتهى دور الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط”. فالنظام الإقليمي الذي ساد منذ عام 1991 كان أحد ضحايا الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران. وقد أثبت فشل الولايات المتحدة و”إسرائيل” في إزاحة النظام في طهران إفلاس عقود من العقوبات والعنف.

كما أن عجز الولايات المتحدة عن حماية قوادعها في دول حلفائها الخليجيين من الهجمات الإيرانية أو الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحاً قد قوّض بشكلٍ خطير الاتفاق الأمني الأساسي الذي برر شبكة قواعدها العسكرية في المنطقة. وقد أنهى الموقف الإسرائيلي المتزايد التهديد وتخليها عن أي تظاهر بالرغبة في التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين مهمة واشنطن التي استمرت لعقود في الجمع بين حلفائها العرب و”إسرائيل” في شراكة أمنية دائمة.

كان الهدف الرئيسي للولايات المتحدة على مدى ثلاثة عقود ونصف هو حصر حلفائها المتباينين في نظام قائم على حماية “إسرائيل”، مع احتواء إيران والعراق في البداية، ثم إيران وحلفائها من غير الدول مؤخراً.

وبعيداً عن كونها انحرافاً عن تلك الاستراتيجية، فقد أوصلت حرب الرئيس دونالد ترامب هذه الاستراتيجية إلى نهايتها المنطقية، ساعيةً إلى إزالة التهديد الإيراني بالقوة دفعة واحدة. وكما فعل القادة الأميركيون قبل غزو العراق عام 2003، وكما فعلت “إسرائيل” في حروبها ضد حزب الله وحماس، بالغ مهندسو هذه الحرب بشكل كبير في تقدير ما يمكن أن تحققه القوة العسكرية، وقللوا من شأن قدرة الخصوم على التكيف، وافترضوا أن الحلفاء سيلتزمون بموقفهم، وتجاهلوا بلا مبالاة أرواح الناس العاديين. لم تكن مغامرة واشنطن المتهورة شذوذاً بقدر ما كانت التعبير النهائي عن العيب المتأصل في استراتيجيتها في “الشرق الأوسط”.

للوهلة الأولى، قد لا يبدو أن الحرب قد أثرت بشكل كبير على التحالفات التي تُشكل النظام الأميركي. ففي مواجهة حرب غير حاسمة وإيران مُعززة النفوذ، قد تُكثف دول الخليج مشترياتها من الأسلحة ومطالبها بضمانات أمنية مُجددة، مُوهمةً باستمرارية الوضع القائم. لكن النظام القديم في الواقع يفسح المجال لنظام جديد.

الحرب على إيران غيرت الوقائع

تُذكر أزمة السويس عام 1956 اليوم باعتبارها آخر أنفاس القوة الإمبريالية البريطانية والفرنسية في “الشرق الأوسط”، لكن الوصول إلى تلك النهاية الحتمية استغرق سنوات. ولن تختفي الهيمنة الأميركية فجأة، لكن الشكوك المتراكمة منذ زمن طويل حول القوة الأميركية وغاياتها قد بلغت ذروتها. لقد غيّرت بالفعل وقائع الحرب على إيران والحرب الإسرائيلية على غزة حسابات حلفاء الولايات المتحدة وخصومها. ولن تُصلح جولة أخرى من القتال أو انتخاب رئيس أميركي آخر الشرخ.

لن تختفي الهيمنة الأميركية فجأة، لكن الشكوك المتراكمة منذ زمن طويل حول القوة الأميركية وغاياتها قد بلغت ذروتها

تنذر السنوات المقبلة بمزيد من الخلافات. فلدى “إسرائيل” وإيران مصلحة مشتركة في إبقاء “الشرق الأوسط” في حالة من الفوضى والعنف، ولا تملك الولايات المتحدة سوى القليل من الوسائل لكبح جماح أي منهما. وتأمل “إسرائيل” في توسيع حدودها الفعلية، بما في ذلك ضم أكبر قدر ممكن من فلسطين التاريخية، وفرض سيطرتها بالقوة على مساحات شاسعة من المنطقة.

وبافتراض عدم انهيار النظام الإيراني في أي وقت قريب – وهو أمر يبدو مستبعداً للغاية – فإن طهران، وقد ازدادت جرأة، ستسعى إلى الدفاع عن نفوذها الإقليمي وتوسيعه من خلال جرّ واشنطن إلى صراعات “المنطقة الرمادية” التي لا نهاية لها والتي لا حدود لها، والتي لطالما ازدهرت فيها.

إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة أخيراً للتخلي عن استراتيجيتها الفاشلة، فإن انهيار نظامٍ ما قد يُمثّل فرصةً لبناء نظامٍ جديدٍ أفضل. صحيحٌ أن الظروف ليست مثالية، فمع أن معظم قادة المنطقة وشعوبها يتوقون بشدة إلى فترة راحة من الضربات العسكرية والاضطرابات الاقتصادية، إلا أنهم يستاؤون بشدة من واشنطن لجرّها إياهم إلى هذه الكارثة. 

سنوات من الهيمنة

لعقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية، تبلورت الطموحات الأميركية في “الشرق الأوسط” في ظل تنافسها العالمي مع الاتحاد السوفياتي، ما منح واشنطن اهتماماً بالغاً بالسياسة الإقليمية، ولكنه جعلها في الوقت نفسه حذرة من التدخل العسكري المباشر.

وقد اتسم النظام الحالي في “الشرق الأوسط”، الذي أرسته إدارة جورج بوش الأب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الكويت، بالهيمنة الأميركية. فقد سنحت لواشنطن فرصة تاريخية لتأمين سيطرة مطلقة على منطقة طال أمد الصراع فيها، فجعلت نفسها لا غنى عنها من خلال إنشاء قواعد عسكرية وترتيبات أمنية لاحتواء العراق وإيران. وكان دعمها العسكري والسياسي أساساً لبقاء جميع الأنظمة تقريباً في المنطقة.

وسعياً منها لإضفاء الشرعية على دورها كقوة تتجاوز مجرد الهيمنة العدوانية، أطلقت واشنطن ما يسمى عملية “السلام العربية – الإسرائيلية” على أمل دمج حلفائها العرب و”إسرائيل” في إطار أمني مشترك. وكانت النتيجة منطقة منقسمة بين كتلة تقودها الولايات المتحدة تضم “إسرائيل” وتركيا ومعظم الدول العربية، وكتلة معارضة أقل رسمية تضم إيران وسوريا في ظل حكم الأسد، وجماعات غير حكومية مثل حماس وحزب الله وأنصار الله. وقد ظل هذا الهيكل على حاله تقريباً طوال ثلاثة عقود من التغيرات الجذرية في السياسة العالمية والإقليمية والأميركية.

بحسب الرواية الأميركية، وفّر هذا النظام درجة من الاستقرار مع حماية المصالح الأميركية الجوهرية، كالتجارة النفطية والأمن الإسرائيلي. وفي كثير من النواحي، كان هذا صحيحاً.. وفي معظم الأحيان، تدفق النفط باستمرار وبأسعار معقولة. ولم تتحدَ أي قوة عظمى منافسة الهيمنة الأميركية بشكل جدي، ولا حتى الصين، التي اكتفت بالجلوس والاستفادة من الفرص الاقتصادية التي أتاحها توفير الأمن الأميركي.

ثمن باهظ لسكان المنطقة

بالنسبة إلى واشنطن، بدت المكاسب الاستراتيجية المتحققة من هذا النظام مبررة لتكاليف الحروب اللازمة للحفاظ عليه، لكن الثمن كان باهظاً للغاية بالنسبة إلى سكان المنطقة. فقد شهدت السنوات الخمس والثلاثون الماضية دخول “إسرائيل” في حروب صغيرة عديدة ضد جيرانها الأضعف منها بكثير، وانهيار “عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية تماماً”، وهجوم السابع من أكتوبر، وقيام “إسرائيل” بتدمير غزة.

وفي العراق، فرضت الولايات المتحدة اثنتي عشرة سنة من العقوبات القاسية، والقصف المتقطع، وجهود تغيير النظام و”مكافحة الانتشار النووي” الفاشلة، أعقبها الغزو والاحتلال الكارثي عام 2003، وكل ذلك بتكلفة بشرية باهظة. وتحت القيادة الأميركية، دمرت حروب كارثية لبنان وليبيا والسودان وسوريا واليمن.

استند النظام الإقليمي على ضمانات أمنية أميركية، ليس فقط للدول العربية، بل وللحكام الذين كانوا يتربعون على عرشها. وكان كبح جماح التطلعات الديمقراطية عنصراً حيوياً في هذه الصفقة، تماماً كالحماية من أي هجوم عسكري إيراني.

ولبرهة وجيزة خلال انتفاضات “الربيع العربي” 2010-2011، بدا السعي نحو التغيير لا يُقهر، ولكن بخلاف ذلك، كان النظام ناجحاً. فقد تمسكت جميع الأنظمة تقريباً داخل منظومة التحالف الأميركي بالسلطة، بل وشددت معظمها قبضتها عليها في أعقاب الاحتجاجات. وشجع الدعم الأميركي للإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية تلك الأنظمة على تبني خطط الخصخصة التي فاقمت فساد النخب وأفقرت غالبية السكان.

كما شجعت حملات واشنطن العسكرية حلفاءها على تبني أشكال متطفلة من المراقبة وقمع أي معارضة محتملة باسم الأمن. ورغم ازدهار دول الخليج النفطية الغنية وشرائح صغيرة من النخب العربية في ظل هذا النظام، فإن النظام الأميركي لم يكن يعني لمعظم الناس سوى العنف واليأس والحرمان. وبحسب جميع المؤشرات الاقتصادية والسياسية والتنموية تقريباً، فإن أداء “الشرق الأوسط” تحت الهيمنة الأميركية كان أسوأ بكثير من أي منطقة أخرى.

ومن المفارقات أن الضمانات الأمنية الأميركية شجعت الحلفاء على تجاهل مصالح واشنطن السياسية. شعر معظمهم بالأمان من أي غزو أو هجوم خارجي، ما خلق خطراً أخلاقياً: إذ تمكنوا من متابعة مشاريعهم الأيديولوجية والسياسية من دون خوف من عواقب وخيمة.

انشغال واشنطن بشؤونها الداخلية، وتجاهلها لتفاصيل المنطقة، ومخاوفها المبالغ فيها من النفوذ الصيني والروسي، كل ذلك جعل الولايات المتحدة هدفاً سهلاً للقوى المحلية المتلاعبة. ونتيجة لذلك، فشلت مراراً وتكراراً على مدى عقود في كبح جماح “إسرائيل” بشكل فعّال أو منع الحلفاء العرب من تبني سياسات تقوض أهداف الولايات المتحدة المعلنة. تجاهل هؤلاء الحلفاء الظاهريون الانتقادات الموجهة لتدخلاتهم المدمرة في ليبيا والسودان وسوريا واليمن. عارض جميعهم تقريباً الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، والذي كانت إدارة أوباما تأمل أن يساهم في استقرار المنطقة. وفي عام 2017، أدى الحصار المفروض على قطر بقيادة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية إلى تقويض الجبهة الموحدة ضد إيران التي تطلبتها حملة “الضغط الأقصى” التي شنها ترامب.

انشغال واشنطن بشؤونها الداخلية، وتجاهلها لتفاصيل المنطقة، ومخاوفها المبالغ فيها من النفوذ الصيني والروسي، كل ذلك جعل الولايات المتحدة هدفاً سهلاً للقوى المحلية المتلاعبة

ودفعت انتفاضات 2010-2011 الحكومات العربية إلى تبني أشكال جديدة من التدخل، ويعود ذلك جزئياً إلى فقدانها الثقة في قدرة الولايات المتحدة واستعدادها للاستجابة لما اعتبرته تهديدات ملحة. فقد بات الحلفاء المستبدون، الذين كانوا يخشون الانقلابات والثورات الشعبية، يرونها واقعاً وشيكاً في مواجهة حلفاء إيران، والحركات المسلحة، والناشطين الديمقراطيين الليبراليين الشباب.

 ومع انتشار الاحتجاجات بسرعة البرق، أدركت هذه الأنظمة أن التهديد الداخلي قد يبدأ من أي مكان، حتى خارج حدودها. وعندما شهدت الإطاحة بحسني مبارك في مصر عام 2011، استنتجت أنها لا تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لإنقاذها من التحديات الداخلية. فإذا أرادت ضمان بقائها، فعليها الخروج واحتواء الخطر بنفسها، إلا أن تدخلها المتكرر أسفر عن نتائج كارثية، مساهماً في انقلاب عسكري في مصر وحروب أهلية عديدة.

أما “إسرائيل”، فقد أظهرت تجاوزات متزايدة في استخدامها للقوة في جميع أنحاء المنطقة، وعززت احتلالها العسكري في قطاع غزة والضفة الغربية، وحتى في أجزاء من لبنان وسوريا.

يعود جزء من سبب استمرار النظام الأميركي لفترة طويلة إلى أن الاتفاقات الأمنية التي يقوم عليها لم تُختبر اختباراً حقيقياً. فقد اشتكى قادة المنطقة مراراً وتكراراً من شعورهم بالتخلي عنهم، لكنهم لم يتصرفوا قط كما لو كان التخلي عنهم احتمالاً وارداً. ولسنوات، لم تكن الحرب بين الدول تشكل تهديداً بارزاً. قصفت “إسرائيل” غزة ولبنان بشكل متكرر، لكن لم تكن أي دولة عربية متحالفة مع الولايات المتحدة قلقة بشكل مفرط من هجوم إسرائيلي.

في الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ نظامها في “الشرق الأوسط” من خلال التوسط في تعاون عسكري وسياسي مفتوح بين حلفائها العرب و”إسرائيل”. لم يكن هذا الهدف جديداً، فقد كان تشكيل تحالف مناهض لإيران بقيادة أميركية هدفاً لكل حكومة أميركية منذ عام 1991، إلا أن ترامب اختلف عن أسلافه في المضي قدماً بهذا المسار من دون ربط خطوات التطبيع العربي الإسرائيلي بالتقدم المحرز في القضية الفلسطينية. ففي عام 2020، توسطت إدارته في اتفاقيات أبراهام بين “إسرائيل”، وفي البداية مع البحرين والإمارات.

وانضمت المغرب بعد ذلك بوقت قصير، ووقع السودان اتفاقية مبدئية لم تُفعّل رسمياً. ولكن عندما حاولت إدارة بايدن إقناع السعودية بالتوقيع، أخطأت في تقدير أهمية القضية الفلسطينية لدى الرأي العام السعودي، وفي تقدير التنافس المتزايد بين الرياض وأبو ظبي. كما فشلت في إدراك العداء الشعبي المتنامي للتطبيع، أو في توقع الكارثة الوشيكة في غزة.

اهتزاز النظام الإقليمي للولايات المتحدة

لقد اهتز النظام الإقليمي للولايات المتحدة من قبل، بما في ذلك خلال الغزو الكارثي للعراق عام 2003 والانتفاضات الشعبية عام 2011، ولكنه كان يعيد تشكيل نفسه باستمرار. كان صانعو السياسة الأميركيون محاصرين في هذا الهيكل الذي صمموه، تماماً كما كانت القوى الإقليمية المتجذرة فيه. كل رئيس منذ بيل كلينتون تولى منصبه متعهداً بتقليص التدخل الأميركي في “الشرق الأوسط”، ووجد نفسه منجذباً إلى السياسات والحروب نفسها.

قد تبدو الأزمة المزدوجة المتمثلة في تدمير “إسرائيل” لغزة والحرب الأميركية الإسرائيلية في إيران مجرد حلقة أخرى في هذه الدورة. لكن في الحقيقة، وجّهت هذه الأحداث مجتمعةً ضربة قاضية لـ”الشرق الأوسط” الأميركي. فقد قضى الدعم الأميركي للعدوان الإسرائيلي على غزة، لا سيما في عهد الرئيس جو بايدن، على أي سلطة معنوية متبقية للولايات المتحدة. كما حطّمت هزيمة ترامب في إيران وهم الهيمنة العسكرية الأميركية المطلقة. وقد أظهر كلا الحادثين للدول العربية افتقارها إلى نفوذ حقيقي في النظام الإقليمي، وتضاؤل جدوى الضمانات الأمنية الأميركية.

أخفق المسؤولون الأميركيون في عهد بايدن وترامب في إدراك الآثار المدمرة للحرب الإسرائيلية على غزة . فقد ساد رأي مفاده أن آراء قادة المنطقة هي وحدها المهمة، وأن هؤلاء القادة قد نسوا الفلسطينيين منذ زمن، وأنهم يتوقون إلى علاقات أوثق مع “إسرائيل” القوية وإلى ضمانات أمنية أقوى قدمتها الولايات المتحدة كحوافز.

ولعل خير مثال على قصر النظر هذا هو سعي بايدن العبثي للتوسط في تطبيع العلاقات بين “إسرائيل” والسعودية، حتى بعد أن جعل ارتفاع عدد القتلى في غزة هذا التعاون محفوفًا بالمخاطر السياسية لدى الرأي العام العربي الذي كانت الرياض تطمح إلى قيادته.

قضى الدعم الأميركي للعدوان الإسرائيلي على غزة، لا سيما في عهد بايدن، على أي سلطة معنوية متبقية للولايات المتحدة. كما حطّمت هزيمة ترامب في إيران وهم الهيمنة العسكرية الأميركية المطلقة

أدى سعي واشنطن الحثيث لتعزيز التعاون العربي مع “إسرائيل” إلى تفاقم الانقسامات. وبصفتها إحدى الدولتين الأوليتين الموقعتين على “اتفاقيات أبراهام”، واصلت الإمارات العربية المتحدة العمل مع “إسرائيل” خلال الحملة الإسرائيلية على غزة، وأثناء شنّ “إسرائيل” ضربات عسكرية في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وحتى قطر.

وخلال الحرب على إيران، ووفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال”، نسّقت الإمارات مع “إسرائيل” والولايات المتحدة لشنّ ضربات على أهداف إيرانية. في المقابل، راقبت السعودية التحالف الإماراتي الإسرائيلي بقلق. وكانت الرياض وأبو ظبي على خلافٍ بالفعل بشأن سوريا، حيث دعمت السعودية نظام ما بعد الأسد، بينما شاركت الإمارات “إسرائيل” عداءها له، وكذلك بشأن اليمن، حيث طردت السعودية للتوّ وكلاء الإمارات.

واشتكت السعودية من أن الإمارات تدعم حركات انفصالية تقوّض الاستقرار الإقليمي، ورأت في الشراكة بين “إسرائيل” والإمارات تهديداً لقيادتها الإقليمية. وقد زاد هذا الخلاف من تعقيد أي فرصة كانت لدى واشنطن لحشد القوى الكبرى في المنطقة لدعم حملتها لهزيمة إيران.

إذا كانت الحرب على غزة قد تركت مستقبل القيادة الإقليمية الأميركية موضع شك، فإن الحرب على إيران كانت بمنزلة تأكيد على نهاية هذا النظام. استشاط قادة الخليج غضباً من بدء الولايات المتحدة و”إسرائيل” الحرب من دون استشارتهم، مع علمهما بمعارضتهم لها، وفي خضم مفاوضات مع إيران بوساطة عُمانية. حربٌ لم يكن لهم فيها أي رأي عرّضتهم لرد إيراني مباشر.

ورغم أن أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية حمت الخليج من أسوأ وابل الصواريخ، فإن عدداً كافياً من الضربات الإيرانية تمكن من اختراقها وإلحاق ضرر جسيم بها، وزعزع استقرار النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. استهدفت إيران المصالح والأهداف الأميركية في جميع دول الخليج، بما فيها الدول الصديقة كعُمان وقطر، لكنها ركزت نيرانها على الدول الموقعة على “اتفاقيات أبراهام”: البحرين، والإمارات العربية المتحدة بشكل خاص. في غضون أسابيع قليلة، تمكنت إيران من إلحاق الضرر بأجزاء كبيرة من مجموعة القواعد العسكرية التي دعمت الهيمنة الأميركية في “الشرق الأوسط”، أو تدميرها، أو جعلها غير ذات جدوى.

تمكنت إيران من إلحاق الضرر بأجزاء كبيرة من مجموعة القواعد العسكرية التي دعمت الهيمنة الأميركية في الشرق الأوسط، أو تدميرها، أو جعلها غير ذات جدوى

فشل الولايات المتحدة و”إسرائيل” في إزاحة النظام الإيراني

تآكلت ثقة حلفاء الخليج في واشنطن أكثر عندما فشلت الحملة الأميركية الإسرائيلية في إزاحة النظام الإيراني. لعقود، جادل مؤيدو قصف إيران بأن مثل هذا الهجوم قد يكون فوضوياً، ولكنه سيزيل في نهاية المطاف التهديد الإيراني. ومع ذلك، فشلت الولايات المتحدة و”إسرائيل”، بكل قوتهما العسكرية، فشلاً ذريعاً. علاوة على ذلك، وقفت الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي بينما أغلقت إيران مضيق هرمز، ما عرّض اقتصاد الخليج بأكمله للخطر.

مرة أخرى، صُدم قادة الخليج ليس فقط من تجاهل أميركا لرغباتهم، بل أيضاً من انكشاف عجزها. وتحولت صدمتهم إلى غضب عندما قصفت الولايات المتحدة منشآت تخزين المياه الإيرانية، وقصفت “إسرائيل” مستودعات النفط الإيرانية. كانت واشنطن تُقامر بمستقبل شركائها؛ فلو ردت طهران بضرب منشآت المياه أو مواقع الطاقة النووية في الخليج، لكانت دوامة التصعيد الناتجة قد انتهت بمواجهة دول الخليج كارثة اقتصادية، ودماراً بيئياً هائلاً يجعلها غير صالحة للسكن.

دول الخليج لم تعد تثق بالضمانات الأمنية الأميركية 

ما استنتجته دول الخليج من كل هذا هو أن الضمانات الأمنية الأميركية، التي تُعدّ جوهر الاتفاق الإقليمي، لم تعد موثوقة. فقد أدركت المنطقة بالفعل في عام 2011 أن واشنطن عاجزة عن حمايتها من التهديدات الداخلية. فإذا لم يكن بالإمكان الاعتماد على واشنطن حتى في التشاور مع حلفائها، أو هزيمة خصومها، أو حماية شركائها من تبعات مغامراتها الإقليمية، فما جدوى وعودها إذن؟ لقد انهار الاتفاق الأساسي الذي عرضته الولايات المتحدة، ولن يُعاد بناؤه بسهولة.

أصبح من الشائع تشبيه الحرب على إيران بلحظة السويس بالنسبة إلى واشنطن. ثمة بالفعل أوجه تشابه بين كارثة اليوم والمخطط البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الفاشل للاستيلاء على قناة السويس من مصر عام 1956، والذي حقق نصراً سياسياً باهراً للرئيس المصري جمال عبد الناصر.

أصبحت السويس رمزاً لانهيار الإمبراطوريات الأوروبية والانتقال من عالم متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية ساد خلال الحرب الباردة. لكن أزمة السويس لم تُنهِ الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في “الشرق الأوسط” على الفور. فقد واصلت فرنسا حربها للحفاظ على الجزائر لست سنوات أخرى، وظلت المملكة المتحدة القوة المهيمنة في الخليج لعقد ونصف، حيث حاربت الحركات ضدها في عُمان واليمن الحالي قبل انسحابها النهائي من المنطقة عام 1971. فالأحداث تحتاج إلى وقت لتتضح معالمها بالكامل.

أصبح من الشائع تشبيه الحرب الإيرانية بلحظة السويس بالنسبة إلى واشنطن. ثمة بالفعل أوجه تشابه بين كارثة اليوم والمخطط البريطاني الفرنسي الإسرائيلي الفاشل للاستيلاء على قناة السويس

اتضاح الآثار الكاملة للكارثة الأميركية في إيران سيستغرق وقتاً 

ستستغرق الآثار الكاملة للكارثة الأميركية في إيران وقتاً لتتضح. على المدى القريب، لن يزول النظام الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة. قد تتراجع الولايات المتحدة عن القواعد العسكرية التي دمرتها إيران، لكنها ستظل تؤدي دوراً رئيسياً في الدفاع الإقليمي. من غير المرجح أن تنفصل دول الخليج عن واشنطن فوراً. خوفاً على مستقبلها، ولعدم وجود بدائل واضحة، قد تعزز علاقاتها مع واشنطن، كما حاولت السعودية فعله بإبرام اتفاق نووي طال انتظاره، ليقوم ترامب بتغيير بنوده في اليوم التالي، تاركاً الاتفاق معلقاً.

لن يؤدي الخلاف الأميركي الإسرائيلي، رغم كونه حقيقياً وربما يمتد لأجيال، إلى انهيار هذا التحالف قريباً. ستحافظ الدول العربية أيضاً على علاقات عمل مع “إسرائيل”، وستواصل الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية.

قد لا تبدو التعديلات الطفيفة التي تبدأ الجهات الفاعلة الإقليمية في إجرائها ذات أهمية كبيرة في البداية. لطالما سعت الدول لتحقيق مصالحها الخاصة، حتى في ذروة الهيمنة الأميركية. حتى أكثر حلفاء الولايات المتحدة اعتماداً على الولايات المتحدة أتقنوا فنون المماطلة والتراجع والضغط على واشنطن.

سيستمرون في الانخراط في تنافساتهم المحلية، وإعطاء الأولوية لبقاء أنظمتهم، ومحاولة ضمان أمنهم. أحياناً يعني ذلك التعاون مع واشنطن، وأحياناً أخرى لا.

مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين ما يبدو استمرارية قصيرة الأجل وبين الاستدامة طويلة الأجل. فبحلول أزمة السويس، كان تفكك الإمبراطوريات الأوروبية حتمياً، ليس بسبب فشل سياسي واحد، بل بسبب صعود النزعة القومية ومناهضة الاستعمار، فضلاً عن الاستنزاف الاقتصادي والسياسي للنموذج الإمبراطوري الأوروبي. كما كان نظام الولايات المتحدة في “الشرق الأوسط” يتدهور لسنوات مع تراكم الإخفاقات السياسية، وصولاً إلى فقدان الهدف المشترك والعجز العسكري الذي كشفته الأزمات الأخيرة.

لن تستطيع واشنطن منع التحول الإقليمي

ستُغري واشنطن بالتمسك بالسياسات التي حددت نهجها في “الشرق الأوسط” لعقود، معتمدةً على علاقاتها مع القادة السياسيين في المنطقة. وإذا استمر القادة الأميركيون على هذا النهج، فعليهم توقع النتيجة نفسها: منطقة تعاني من عدم استقرار دائم، وفشل اقتصادي وسياسي، واندلاع متكرر للصراعات العنيفة. قد لا تستدعي هذه الصراعات القوات العسكرية الأميركية إلا في بعض الأحيان، لكن الفوضى ستستحوذ باستمرار على الاهتمام وتستنزف الموارد بلا طائل. وستستمر الحروب الأبدية.

قد تبدو هذه النتيجة مقبولة لصناع السياسة الأميركيين الذين اعتادوا إدارة الصراعات والحفاظ على العلاقات مع جهات فاعلة سيئة، لكن واشنطن لا تستطيع منع التحول إلى نظام إقليمي جديد بمجرد التظاهر بأن شيئًا لم يتغير. فالحلفاء العرب الذين فقدوا ثقتهم بالولايات المتحدة سيمارسون استقلاليتهم بشكل متزايد.

واشنطن لا تستطيع منع التحول إلى نظام إقليمي جديد بمجرد التظاهر بأن شيئًا لم يتغير؛ فالحلفاء العرب الذين فقدوا ثقتهم بالولايات المتحدة سيمارسون استقلاليتهم بشكل متزايد

وقد يعني ذلك أحياناً السعي إلى الدبلوماسية مع إيران وتوسيع العلاقات مع الصين وروسيا رغماً عن إرادة أميركا. وفي أحيان أخرى، قد يعني التدخل في ليبيا والسودان والقرن الأفريقي أو إشعال فتيل الصراع العنيف في العراق ولبنان وسوريا واليمن.

ستُشكّل قوى خارجة عن سيطرة الولايات المتحدة إلى حد كبير هذا النظام الناشئ. فـ”إسرائيل”، على سبيل المثال، عازمة على مواصلة تدخلاتها العسكرية بغض النظر عن توجهات الولايات المتحدة. وقد واصلت حربها مع حزب الله في تحدٍّ لمذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي تم التوصل إليها في يونيو/حزيران، ولم تُبدِ أي استعداد لسحب قواتها من جنوب لبنان.

ويصرّ المسؤولون الإسرائيليون على أن “إٍسرائيل” ستحافظ على وجود عسكري في سوريا أيضاً. ومع غياب أي ضغط داخلي جدي لتبني سياسات أكثر اعتدالاً، لا يوجد ما يعوق “إسرائيل” عن ضم الضفة الغربية وتدمير قطاع غزة تدميراً كاملاً.

ستتباعد التحالفات الإقليمية أكثر فأكثر عن التحالف المناهض لإيران الذي يتصوره المسؤولون الأميركيون. فبدلاً من الاعتماد على الحماية الأميركية، قد تسعى دول خليجية عديدة إلى إبرام اتفاقيات جانبية مع إيران لتجنب استهدافها.

وبدلاً من اتباع نهج واشنطن، من المرجح أن تتمحور السياسة الإقليمية حول منافسة محتدمة على النفوذ بين الإمارات والسعودية. قبل اندلاع الحرب مع إيران في نهاية فبراير، بدأت الرياض في حشد تحالف يضم مصر وباكستان وقطر وتركيا لمواجهة التحالف الإماراتي الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة.

وسيُستأنف هذا التنافس بعد انحسار القتال، ما قد يُزعزع استقرار الدول المنهكة أصلاً، ويمتد عبر المنطقة بأسرها، ويُولد أزمات جديدة لا حصر لها ستُعاني واشنطن المشتتة من صعوبة التعامل معها.

أخيراً، ستواجه معظم الأنظمة ضغوطاً متزايدة من القاعدة الشعبية مع تداعيات الحرب الإيرانية التي تُلقي بظلالها على اقتصادات المنطقة المتعثرة. ولن تقتصر هذه الآثار على الدول التي تضررت بنيتها التحتية من جراء الضربات الإيرانية فحسب، ففي مصر، على سبيل المثال، تُفاقم الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود والغذاء والخسائر الفادحة في عائدات قناة السويس، نتيجةً لتعطيل الحرب لحركة الملاحة العالمية، الأزمات المالية والبطالة القائمة.

وقد تفقد العديد من الدول المتضررة أصلًا من خفض المساعدات الأميركية مصدراً حيوياً آخر للاستثمار الخارجي، في ظل معاناة دول الخليج الغنية من مشكلاتها الاقتصادية. وتُشكل المظالم الداخلية والغضب إزاء غزة مزيجاً خطيراً، وقد تلوح في الأفق موجة احتجاجات مماثلة لانتفاضات ما قبل 15 عامًا.

قد يؤدي الانهيار العنيف للنظام الإقليمي القديم إلى تعطيل أو حتى إحباط أي محاولة لإقامة نظام جديد فعّال، لكن هذه اللحظة قد تُشكّل أيضاً فرصة للولايات المتحدة لإعادة صياغة الاتفاقات الأساسية التي أسفرت عن هذه النتائج المدمرة.

يتطلب وضع سياسة جديدة سليمة تجاه “الشرق الأوسط” إعادة النظر في قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع الحلفاء الخارجين عن القانون باسم البراغماتية. 

يتطلب وضع سياسة جديدة سليمة تجاه “الشرق الأوسط” إعادة النظر في قرار إعطاء الأولوية للعلاقات مع الحلفاء المستبدين الخارجين عن القانون باسم البراغماتية

وبالمثل، افترضت أن مجرد التلفظ بكلمات جوفاء حول دعم “حل الدولتين”، بينما تواصل “إسرائيل” ضمها التدريجي للأراضي الفلسطينية وتتجنب مفاوضات السلام الحقيقية، سيكون كافياً لإبقاء حلفائها العرب في صفها. هذا يعني أن الولايات المتحدة لم تُفكّر قط في تبني سياسات تحظى بموافقة، أو حتى دعم، شعوب المنطقة. ويعني أيضاً أن واشنطن لم تستطع الانخراط بجدية في تعزيز الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان، لأن استراتيجيتها كانت تعتمد على غيابهما.

لن تُغيّر إدارة ترامب، المُستهزئة بالديمقراطية وسيادة القانون في الداخل والخارج، هذا الواقع. من الصعب تخيّل ترامب، الذي يتأرجح بين الاستراتيجيات بشكلٍ مُتطرّف، وهو يُصمّم نظامًا إقليميًا جديدًا من أيّ نوع، لكن سيحظى خليفته بفرصة حقيقية للخروج عن الوضع الراهن وصياغة استراتيجية أكثر تماسكًا وفعالية للشرق الأوسط.

يبدأ ذلك بالتخلي عن استخدام التدخل العسكري كخيارٍ أول، وإنهاء ممارسة الدبلوماسية القائمة على الضربات الجوية. يجب أن تكون أولوية واشنطن هي الدفاع، لا الهجوم. إحدى طرق توضيح هذه النية هي التخلي عن إعادة بناء القواعد العسكرية الأميركية المُتضررة أو المُدمّرة في الخليج، والتركيز بدلًا من ذلك على الاستثمارات في تبادل المعلومات الاستخباراتية، وأنظمة الدفاع الصاروخي لشركاء الخليج، والحفاظ على حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

على الولايات المتحدة السعي لتحقيق الاستقرار في “الشرق الأوسط” عبر الدبلوماسية والدفاع الجماعي، لا عبر الاحتواء العسكري. لقد حان الوقت لواشنطن أن تلتزم بعملية دبلوماسية تُدمج إيران في منظومة الأمن الإقليمي كشريك فاعل. قد تكون دول الخليج منفتحة على هذا النهج رغم غضبها من الهجمات الإيرانية الأخيرة؛ ففي نهاية المطاف، توصلت السعودية وإيران إلى تقارب عام 2023 بعد جولة سابقة من العدوان الإيراني.

حان الوقت لواشنطن أن تلتزم بعملية دبلوماسية تُدمج إيران في منظومة الأمن الإقليمي كشريك فاعل

وقد طرحت إدارة أوباما رؤية مماثلة أثناء مفاوضاتها بشأن الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، بل إن نائب الرئيس جيه دي فانس نفسه تحدث عن استعداده “لإحداث تحول جذري” في علاقة الولايات المتحدة مع إيران في أعقاب اتفاق جديد. الطموح موجود، لكن على الإدارة الجديدة أن تُثبت سريعًا وبحزم عزمها على المضي قدمًا في تحقيقه.

يجب أن يشمل إعادة ضبط السياسة الأميركية أيضاً طريقة تعامل واشنطن مع حلفائها، بما في ذلك “إسرائيل”، فالظروف مواتية لإعادة النظر في العلاقة الأميركية الإسرائيلية: فبحسب استطلاع رأي أجرته جامعة كوينيبياك ونُشر في يونيو/حزيران، يعتقد ما يقارب ثلثي الديمقراطيين وأكثر من نصف المستقلين أن الولايات المتحدة تدعم “إسرائيل” بشكل مفرط.

وفي منتصف يوليو/تموز، صوّت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب لمصلحة مشروع قانون لقطع المساعدات العسكرية الأميركية عن “إسرائيل”.

ينبغي للإدارة القادمة استغلال هذا الزخم لممارسة الضغط على “إسرائيل”، وهو الضغط الذي لطالما تجنّبته الحكومات الأميركية. ليس على واشنطن التخلي عن حليفتها، ولكن عليها أن تطالبها باحترام حقوق الإنسان، ووقف التوسع التدريجي للضفة الغربية، وإنهاء تدخلاتها المزعزعة للاستقرار في لبنان وسوريا.

على نطاق أوسع، يتطلب الاستقرار على المستوى الإقليمي أن تعيد الولايات المتحدة التزامها بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، وأن تعارض الحركات المسلحة في دول مثل سوريا واليمن، وأن تردع التدخلات العسكرية والحروب بالوكالة التي قد تشنها الدول الشريكة في مناطق مثل السودان وليبيا.

يجب أن يشمل إعادة ضبط السياسة الأميركية طريقة تعامل واشنطن مع حلفائها، بما في ذلك “إسرائيل”، فالظروف مواتية لإعادة النظر في العلاقة الأميركية الإسرائيلية

لن تُنشئ السياسات الأميركية الجديدة “شرق أوسط” مستقراً ومسالمًا بين عشية وضحاها. في البداية، لن تحظى هذه السياسات بتأييد شعبي يُذكر من منطقة اعتادت على النفاق الأميركي وانتهاكات الولايات المتحدة.

لاحقاً، من المرجح أن يُسبب صعود حكومات أكثر استجابةً للديمقراطية في المنطقة مشكلات جمة، حيث يتنافس السياسيون الطموحون على إدانة الولايات المتحدة والتنديد بها، لكن على المدى البعيد، من المرجح أن يكون “الشرق الأوسط” الذي تحكمه أنظمة أقل استعداداً لاتباع نهج واشنطن في السياسات غير الشعبية أو قمع المعارضة الشعبية أكثر استقراراً من المنطقة اليوم.

تُكافح واشنطن لتصور “شرق أوسط” لا تُهيمن عليه، ولتخيل بدائل حقيقية للنظام الإقليمي الحالي مهما بلغ فشلها. لكن هذا النظام يتلاشى، وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة لقادة الولايات المتحدة لتغيير المسار. إذا لم يتمكنوا من ذلك، فسوف يشهدون تلاشي “الشرق الأوسط” الأميركي كما تلاشت الإمبراطوريات الأوروبية التي سبقته.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى