هل اجتماع عراقجي – ويتكوف تفاهمات حول النووي أم صفقة مربحة؟

كتبت هدى رؤوف في صحيفة إندبندنت عربية.
هل تتفاءل إيران بحضور غاريد كوشنر اجتماع عُمان؟ وما سبب اختيار طهران سلطنة عُمان مكاناً للاجتماع مع واشنطن بدلاً من إسطنبول؟ ولماذا أرادت اجتماعاً ثنائياً مع الممثل الأميركي من دون حضور أطراف إقليمية؟ وهل عقد الاجتماع يعني نجاح الدبلوماسية؟ وهل يتضمن بدء المحادثات استسلاماً إيرانياً أم مناورة إيرانية أميركية؟ وهل وصول وفود تركية وسعودية لمسقط تعني قرب التوصل لاتفاق بشأن اتحاد إقليمي نووي؟
كان من المقرر عقد الاجتماع في إسطنبول بحضور أطراف إقليمية، لكن إيران غيرت رأيها وطالبت بالاجتماع في عُمان ومحادثات ثنائية مع واشنطن من دون حضور أطراف إقليمية، فاختيار عُمان يعكس ثقة طهران بها وأنها طرف محايد، ومن قبل جرت فيها المحادثات السرية قبيل اتفاق عام 2015 مع إدارة باراك أوباما، وصولاً إلى الاتفاق المعلن من دون تدخلات إقليمية تفسده.
أما عن سبب طلب طهران اقتصار المحادثات على الحضور الأميركي فقط فالإجابة تتعلق بإدراك صناع القرار الإيرانيين أن طهران تعتبر نفسها قوة إقليمية لديها مساحات تأثير ونفوذ، يمكن وصفها وفقاً لأدبيات العلوم السياسية بمشروع الهيمنة الإقليمية، وكانت تقدم نفسها للقوى العالمية منذ عام 2003، باعتبارها حارس بوابة الإقليم ومفتاح الحل والعقد في كثير من الملفات السورية والعراقية واللبنانية، كما تعتبر أن العلاقة بينها وبين واشنطن مباشِرة في الملفات الإقليمية، لكن علاقتها بدول المنطقة مجرد متغيّر في دالة العلاقات الإيرانية – الأميركية، ولذا فطهران تعتبر أن أي ملفات إقليمية لا بد من أن تتفاوض معها واشنطن حولها، ومن ثم فالطبيعي أن تعتبر إيران أن القضايا الثنائية بينها وبين واشنطن، مثل الملف النووي وإدارة العداء بينهما ومنظومة الصواريخ الباليستية، يجب أن تجرى داخل إطار العلاقة الثنائية، على رغم أن إيران تدرك حقيقة أن العلاقات الجيدة مع الأطراف الإقليمية العربية والخليجية بخاصة، هي من أخرجت إيران من عزلتها الإقليمية وأعلت الخيار الدبلوماسي لدى واشنطن للتعامل معها، باعتبار أن أية ضربات ضد إيران ستعمل على إحداث توترات إقليمية لا تصب في مصلحة المنطقة.
إن أهم قواعد التفاوض هو طلب أقصى الممكن ومنح أدنى الممكن، وقد صرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب شروط الولايات المتحدة للتفاوض مع إيران وهي سحب كامل لليورانيوم المخصب، وفرض قيود على مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى، وتغيير سياستها في دعم القوى الوكيلة في المنطقة، وحظر تخصيبها لليورانيوم بصورة مستقلة، وفي المقابل طلب الإيرانيون أن تقتصر المحادثات على النووي فقط، مما يعنى استبعاد المطالب الأخرى، وكذلك سيطلب الإيرانيون رفع العقوبات وضمانات عدم مهاجمة إسرائيل، فهل يقبل الإيرانيون في المقابل تجميد برنامج الصواريخ مدة عام وعدم مهاجمة إسرائيل؟ وهذا أمر مشكوك فيه لأن إيران تعي ما يمثله تهديد الصواريخ الباليستية لأمن إسرائيل، ومن ثم فهي أهم قدراتها غير التقليدية للردع العسكري وحمايتها وزعزعة أمن إسرائيل.
ربما تعمل طهران على التدرج في المفاوضات بشأن الملف النووي ليتم على مراحل، حيث يناقش في البداية مسألة التخصيب الصفري ثم مسألة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، والذي طلب ترمب من إيران تسليمه، فربما تطرح طهران عدة سيناريوهات بشأنه منها نقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة إلى طرف ثالث موثوق به، أو خفض تركيز اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة و20 المئة إلى مستويات لا تُعتبر مُهددة، قبل نقله إلى اتحاد إقليمي أو دولي، وهى إجراءات تهدف إيران منها، على رغم رفضها في السابق، من تجنب الخيار العسكري، ويعد حضور وفود تركية وسعودية مؤشراً لإمكانية انضمام إيران لاتحاد إقليمي لتخصيب اليورانيوم.
من المهم إدراك أن اجتماع عُمان ليس بدء مفاوضات وإنما محادثات لوضع إطار للتفاهم أو ما يمكن تسميته محاولة إدارة الصراع وأخطار التصعيد العسكري والعداء بين الطرفين، من خلال الاتفاق على قضايا محددة في الملف النووي، وإذا جرى الاتفاق على بدء المفاوضات، والتي سيعتبرها الإيرانيون الجولة السادسة من محادثات العام الماضي، فإن ذلك لا يعنى إمكان التوصل إلى اتفاق، ومن اللافت طلب غاريد كوشنر حضور هذه الجولة من المحادثات، فهو من جهة يبحث عن صفقات مربحة، ومن جهة يمكن أن يوفر ضمانة للإيرانيين بخصوص إسرائيل، ومجرد حضوره يوحى بأن الإيرانيين والأميركيين ربما اتفقوا في شأن أمر واحد خلال هذه المرحلة، وهو إدارة الصراع والعداء بينهما موقتاً خلال إدارة ترمب، فإيران تعي أن لدى ترمب ثلاثة أعوام ولذا فهي تريد المناورة في المفاوضات ومناقشة القضايا بصورة تدرجية، وإن كانت حاسمة في شأن عدم التفاوض حول الصواريخ الباليستية والوكلاء الإقليميين إلا في إطار التنسيق وفق مصالحها، لكن وجود كوشنر يعنى أنه ربما تكون هناك صفقة تحقق للطرفين المكاسب، أقله خلال ولاية ترمب، ولذا تماطل إيران حتى انتهاء ولاية ترمب لكنها لا تمانع عقد صفقة مع ترمب الذي تعتبره غير مؤدلج وليس لديه التزام أيديولوجي تجاه إسرائيل عكس جو بايدن، ومن ثم يمكن لها من خلال إبرام صفقة مربحة لترمب وكوشنر أن تعبر تلك المرحلة الحرجة من التهديد الخارجي.
وفي حال فشلت المحادثات فسيكون مكسب الطرفين تحاشي الضربة العسكرية الوشيكة التي جرى تأجيلها لا إلغاؤها، وهنا ستكون إيران قد تمكنت من شراء الوقت لتعزيز دفاعتها الجوية وقدراتها العسكرية براً وبحراً، بما يمكنها من نقل الصراع إلى المنطقة عبر بؤر صراع مشتعلة ضد الأهداف الأميركية والإسرائيلية، بل والتأثير في سوق الطاقة العالمي عبر توتير أمن وسلامة الملاحة والنقل البحري، أما من جانب واشنطن فستستغل تلك المحادثات من أجل تعزيز وجودها العسكري الدفاعي والهجومي في المنطقة، حتى تكون مستعدة لمباغتة إيران بضربة عسكرية محدودة تستهدف أهم مفاصل النظام القيادية أو العسكرية، أو تكون مستعدة حال قامت إسرائيل بتوجيه ضربة لإيران، وهو أمر غير مستبعد في القريب العاجل.
إن أي صراع مقبل تجاه إيران سيجعلها تعمل على رفع كلفة أية ضربة عسكرية ضدها، ولن تتحرك بحسابات دقيقة في ما يخص الخسائر البشرية والمادية، كما حرصت خلال المواجهات السابقة مع إسرائيل، فلم يعد أمامها هدف أكبر من استعادة الردع والتخلص من شبح الحرب المهددة لها كل حين، والتي تعرف أنها تستهدف إضعاف النظام مع تحريض الاحتجاجات مرة أخرى بما يهدد بإسقاط النظام نهائيا، ولذا فهي فهذه المرحلة من المواجهة تعد مرحلة استعادة الردع حتى تستمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفي حال فشل المسار الدبلوماسي فإن إيران عازمة على تحويل أي هجوم أميركي عليها إلى حرب لانهائية واستنزاف عسكري للوجود الأميركي في المنطقة، مع إطالة أمد الحرب غير التقليدية والتي ستؤثر في صنع القرار الأميركي والرأي العام الداخلي، وفي حال تمكن الإيرانيون وواشنطن من التوصل إلى اتفاق حول التخصيب النووي ومخزون اليورانيوم عال التخصيب، سواء بنقله لدولة ثالثة أو نقل نصفه لمكان آخر وتخفيف نسبة التخصيب المحلي، أو في حال جرى التوصل إلى اتفاق غير مرضٍ لإسرائيل، فسيظل التهديد الإسرائيلي حاضراً لتخريب الاتفاق ومحاولة جر واشنطن لضربة عسكرية، أو ربما تعود حرب الظل بين الطرفين بأوجهها المتعددة سيبرانياً وبحرياً، وعمليات التخريب داخل إيران.
ربما على طهران أن تعي أن دول المنطقة وبعد الوساطات الإقليمية من تسع دول، تطالب الولايات المتحدة بعدم إلغاء الاجتماع مع الإيرانيين في عُمان وتجنب توجيه ضربة عسكرية لها، ومع استمرار الأحداث منذ حرب الـ 12 يوماً، فقد أصبح لدى دول المنطقة مصلحة إستراتيجية مباشرة في احتواء الأزمة وخفض التوترات ومنع انتشار الصراع أو أية تداعيات إقليمية تطاول أمن ومصالح دول المنطقة، وإجمالاً فمن المهم إدراك أن جولات التصعيد والتوتر الأخيرة ليست نتاج حرب الـ 12 يوماً، بل هي نتاج تداعيات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والتي عملت إسرائيل على توظيفها من أجل رسم شرق أوسط جديد تعمل على تغيير موازين القوى فيه لمصلحتها، أهم ملامحه إضعاف وليس القضاء على الوكلاء والجماعات المسلحة في المنطقة، والتي تعتبر ركيزة أساساً في إستراتيجية إيران الإقليمية وعقيدتها الدفاعية والهجومية، ومن ثم فإن إيران تعتبر أن التصعيد العسكري ضدها ليس بسبب مشروعها النووي وإنما بسبب مشروع إسرائيلي يصعد في مقابل إضعاف المشروع الإيراني، أي أنه صراع مشاريع إقليمية، وطهران تستعد لكلا السيناريوين الدبلوماسي والعسكري بالقدر نفسه.




