افتتاحية اليوم: الأنظار تتجه الى “السلطنة”

تتجه الأنظار مجدداً إلى سلطنة عُمان بعد قرار نقل مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة من تركيا إلى مسقط، في خطوة تتجاوز البعد الجغرافي لتلامس جوهر الصراع المفتوح بين البلدين. فاختيار عُمان، بما تمثله من تاريخ طويل في الدبلوماسية الهادئة والوساطة الصامتة، يعكس إدراكاً متبادلاً بأن لحظة التوتر الراهنة لم تعد تحتمل مزيداً من المغامرة، وأن كلفة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تكون باهظة على الجميع.
في الظاهر، بدا نقل المفاوضات مجرد تفصيل إجرائي، لكن في العمق حمل دلالات سياسية ثقيلة. فتركيا، بما تمثله من موقع إقليمي نشط وارتباطات متعددة، لم تعد تشكل البيئة الأكثر ملاءمة لحوار حساس يتطلب أقصى درجات السرية والمرونة. في المقابل، توفّر مسقط مناخاً مختلفاً، يقوم على الثقة المتراكمة لدى الطرفين، والقدرة على إدارة الحوار بعيداً عن الضغوط الإعلامية والاستقطابات الحادة.
عُمان ليست ساحة طارئة في هذا النوع من الملفات، فهي لطالما شكّلت قناة خلفية بين طهران وواشنطن في مراحل انسداد سياسي سابقة، ونجحت في لعب دور “الوسيط غير المستفز”، القادر على نقل الرسائل وتدوير الزوايا من دون ادعاء بطولة سياسية أو تسجيل نقاط علنية. هذا الدور تحديداً هو ما تحتاجه المرحلة الحالية، حيث يقف الطرفان على حافة تصعيد لا يرغبان به، لكنهما لم يجدا بعد مخرجاً آمناً للتراجع.
المفارقة أن التوجه إلى مسقط يأتي في ذروة تصعيد سياسي وأمني، تتداخل فيه الملفات النووية والعسكرية والإقليمية. فالولايات المتحدة ترفع منسوب الضغط بهدف تعديل السلوك الإيراني، فيما ترى طهران أن هذا الضغط بلغ حدود الخنق، وأن الرد بات ضرورة لفرض معادلة توازن جديدة. بين هذين المنطقين، تبرز الدبلوماسية كخيار اضطراري أكثر منها ترفاً سياسياً.
لكن السؤال المركزي هنا: هل تحمل هذه الجولة التي كادت ان تلغى قبل الربع الأخير من موعد انطلاقها مؤشرات فعلية على تبريد الصدام، أم أنها مجرد محاولة لشراء الوقت؟ الواقع أن المفاوضات في مسقط لا يُنتظر منها اختراق كبير أو اتفاق شامل في المدى القريب. لكنها قد تشكل مساحة لإدارة الأزمة بدل تفجيرها، ووضع قواعد اشتباك سياسية وأمنية تمنع سوء التقدير والانزلاق غير المقصود نحو مواجهة مفتوحة.
من جهة إيران، فإن القبول بالحوار في عُمان يعكس رغبة في إبقاء الباب موارباً، من دون تقديم تنازلات علنية يمكن أن تُفسَّر داخلياً كضعف أو رضوخ. أما الولايات المتحدة، فتسعى إلى اختبار نيات طهران، وإرسال رسالة مزدوجة مفادها أن العصا ما زالت مرفوعة، لكن باب التسوية لم يُغلق نهائيا.
اما على المستوى الإقليمي تتابع العواصم المعنية هذا المسار بقلق وحذر، فنجاح المفاوضات، ولو جزئياً، قد ينعكس تهدئة على أكثر من ساحة ملتهبة، فيما فشلها قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، يكون فيها الشرق الأوسط مرة أخرى ساحة تصفية حسابات كبرى.
من هنا لا يمكن المبالغة في التفاؤل، ولا التقليل من أهمية الخطوة، فمجرد انتقال الحوار إلى عُمان يعني أن الطرفين وصلا إلى قناعة مشتركة بأن المواجهة الشاملة ليست خياراً مفضلاً في هذه اللحظة. وبين التهديد والتفاوض، اختارت واشنطن وطهران اختبار المسار العُماني، علّه يشكّل جسراً هشّاً فوق بحر من التوتر، أو على الأقل صمام أمان يمنع الانفجار الكبير.




