أبرزرأي

 هدنة ترامب مع إيران تمثل هزيمة للقوة الأميركية

يرى رئيس المجلس الروسي للشؤون الدولية أنّ تداعيات الصراع تتجاوز حدود “الشرق الأوسط”، لتنعكس على موازين القوى الدولية ومستقبل النظام العالمي، في ظل استمرار التنافس بين القوى الكبرى وتراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها في مناطق النزاع.

ديمتري ترينين – المجلس الروسي للشؤون الدولية:

يا له من فرق يحدثه عام واحد! في حزيران/يونيو الماضي، عقب أول هجوم إسرائيلي أميركي مشترك على إيران، انتشرت نكتة في “الشرق الأوسط”، تصف نادلاً يستقبل أميركياً وإسرائيلياً وإيرانياً في حانته، ويقدم لهم الجعة قائلاً: “تهانينا أيها السادة، لقد فزتم جميعاً”، في حين أنّ الأمر “ليس كذلك هذه المرة”. فلا شكّ أنّ هناك فائزاً واحداً فقط في الحرب الثانية ضد إيران، وهي إيران، فيما الخاسرون متعددون، من بينهم الولايات المتحدة وإسرائيل”.

لا شك في أن الهدنة لا تعني السلام. فالقضايا الرئيسية تُترك لمحادثات مستقبلية، ولا يوجد ما يضمن نجاحها أو صمود أي اتفاقيات بشأنها. ما نواجهه الآن ليس مجرد صراع آخر في “الشرق الأوسط”، بل هو جزء من صراع مستمر تسعى فيه القوى المهيمنة عالمياً إلى تغيير مسار النظام العالمي.

يُعدّ “الشرق الأوسط” مسرحاً لما يُشبه حرباً عالمية، إلى جانب أوروبا الشرقية، حيث يسعى الغرب لهزيمة روسيا، وشرق آسيا، حيث تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها احتواء الصين.

سيستمر هذا الصراع، ولا يزال التوازن الجديد بعيد المنال، والمعارك الجديدة حتمية في المستقبل. مع ذلك، فإنّ عواقب حتى وقف إطلاق نار مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران هائلة وواسعة النطاق.

“إيران تبرز كقوة إقليمية هائلة”
برزت إيران من هذه الحرب كقوة إقليمية هائلة. فاضطرار واشنطن إلى طلب مهلة، لا يؤكد إلا تعزيز مكانة إيران، فيما لم يعد هناك حديث عن تغيير النظام في طهران، أو عن أي قيود على ترسانتها من الصواريخ الباليستية، أو القضاء على برنامجها النووي، ناهيك عن التخلي عن حلفائها الإقليميين. كانت هذه جميعها الأهداف الأصلية للولايات المتحدة و”إسرائيل”، في حين مُني المهاجمون بهزيمة ساحقة على جميع هذه الجبهات..

على المدى القريب، سيساهم إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأميركي عن إيران في تحسين وضع الطاقة في السوق العالمية. إلاّ أنه على المدى البعيد، بعثت قضية هرمز برسالة قوية مفادها أنه في عصر التحولات التي يشهدها النظام العالمي، فإن جميع الممرات البحرية الحيوية معرضة لخطر العمل العدائي.

وقد أدرك القادة الإيرانيون أن قدرتهم على إغلاق المضيق، وعدم رغبة الولايات المتحدة في المخاطرة بخسائر في محاولة إعادة فتحه – نقطة ضعف واشنطن – قد يشكل رادعاً أقوى لطهران من امتلاكها أسلحة نووية. وفي الوقت نفسه، تعتزم طهران تنظيم حركة الملاحة عبر الممر المائي بالتعاون مع سلطنة عمان.

أما فيما يتعلق بالبرنامج النووي، فستواصل طهران برنامجها النووي حتماً بموجب أي اتفاق شامل مستقبلي مع واشنطن، إن تم التوصل إلى اتفاق بالفعل. وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، ستبقى طهران حرة في مواصلة البرنامج كما كانت، لأن الإيرانيين لن يسلموا موادهم النووية لأي جهة.

أما فيما يخص الردع النووي، فإن الدروس المستفادة من الحرب الأخيرة متباينة. فمن جهة، ربما لم تكن الولايات المتحدة و”إسرائيل” لتشنا هجوماً على إيران لو كانت تمتلك أسلحة نووية. انظر إلى كوريا الشمالية. من جهة أخرى، لم تستخدم “إسرائيل”، رغم امتلاكها أسلحة نووية، الأسلحة النووية ضد إيران حتى في ظلّ الهجمات الصاروخية الباليستية الإيرانية. وكذلك لم تفعل الولايات المتحدة. وقد نُوقش هذا الخيار، لكنه رُفض. لذا، قد يكون إغلاق مضيق هرمز أكثر فعالية بالنسبة إلى إيران.

ومن المرجح أن يصبح رفع التجميد عن الأصول الإيرانية المحتجزة لدى الولايات المتحدة ورفع العقوبات المفروضة عليها أدوات تستخدمها الولايات المتحدة للتأثير على سلوك طهران. فبعد خسارة الحرب، لن تترك الولايات المتحدة إيران وشأنها. وقد يكون لديها ما يدعو إلى الأمل في أن تُسهم ظروف السلم تدريجياً في تهدئة المجتمع الإيراني، وكشف الانقسامات الداخلية بين النخب التي أُغلقت مؤقتاً خلال الحرب، وإتاحة المجال أمام الولايات للتأثير.

كما يبدو إنشاء صندوق لتطوير البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية في إيران بمثابة حافز إضافي للإيرانيين للعودة إلى النظام المالي الغربي. بالنسبة إلى إيران، يجب ضمان النصر في الحرب من خلال سياسات داخلية تُعزز استقرار البلاد وتُحسّن أداء الاقتصاد.

إلا أن الوضع في لبنان قد يُشكل عقبة حقيقية أمام أي اتفاق. فقد نجحت طهران في إقناع الرئيس دونالد ترامب بإدراج الجبهة اللبنانية ضمن الاتفاق، لكن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يصرّ على استمرار “إسرائيل” في جهودها للقضاء على حزب الله. ويعكس غضب ترامب الأخير الموجه ضد نتنياهو أمراً أكثر أهمية: فجزء كبير من المجتمع الأميركي والطبقة السياسية يفقد صبره تجاه “إسرائيل” ويتراجع تأييده لها. ويأتي هذا في ظل عزلة “إسرائيل” الدولية المتزايدة.

“إسرائيل الخاسر الأكبر”
في الواقع، “إسرائيل” هي الخاسر الأكبر من الحرب. فاستراتيجيتها الجديدة المتمثلة في القضاء بالقوة على التهديدات على الجبهات السبع، من غزة ولبنان واليمن إلى الضفة الغربية وسوريا والعراق، وقبل كل شيء إيران، تُنذر بـ”حروب لا تنتهي” بدلاً من الاستقرار والأمن.

وقد فشل ردعها النووي غير المعلن في منع إيران من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف إسرائيلية. وفي المستقبل القريب، تواجه “إسرائيل” انتخابات سيتنافس فيها السخط على نتنياهو مع الدعم الواسع لسياساته الراديكالية.

ولم يكن حال دول الخليج العربية أفضل حالاً. فلقد أثبت اعتمادهم على القواعد العسكرية الأميركية كضمانة أمنية أنه صفقة كارثية. فبدلاً من حماية الدول المضيفة، تحولت هذه القواعد إلى مغناطيس يجذب الضربات الإيرانية الانتقامية.

وقد تضررت صورة دول الخليج كأماكن آمنة ومريحة لممارسة الأعمال التجارية بشدة. وإذا أرادت هذه الدول التعافي، فعليها وضع سياسة أمنية أفضل من مجرد التحالف مع حليفها الفاشل.

ومع ذلك، تُعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران حدثاً مفصلياً في تحول موازين القوى العالمية. فقد بذلت القوة المهيمنة عالمياً المتراجعة وحليفتها، القوة العسكرية الأبرز في المنطقة، جهوداً مضنية، لكنها فشلت في تغيير مسار الأحداث. لقد خسروا معركة مهمة، لكن هذه ليست نهاية الأزمة العالمية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى