ها قد اكتشف بيرنهام أن المقالب غير مضحكة أبدا

بعد وقوع رئيس الوزراء ضحية مقلب دفعه إلى تبادل رسائل مع شخص أوهمه بأنه من كبار مساعدي ترمب ليس هناك أي داع للقلق ما لم يسرب لاحقاً محتوى تلك الرسائل
شون أوغرايدي – اندبندت عربية:
بعد تعرض رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام لمقلب دفعه إلى تبادل رسائل مع منتحل صفة مسؤولة بارزة في البيت الأبيض، يستعرض شون أوغرايدي تاريخ المقالب السياسية، محذراً من تداعياتها المحتملة، ومؤكداً أن معظمها لا يخدم المصلحة العامة بقدر ما يهدف إلى الإحراج والإثارة.
كما هو الحال بالنسبة إلى ضحايا الجرائم الأكثر خطورة، كثيراً ما أجد نفسي متعاطفاً مع الشخصيات العامة التي تقع ضحية المقالب الهاتفية، وينطبق ذلك أيضاً على قضية الرسائل النصية التي تبادلها آندي بيرنهام مع شخص انتحل صفة رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز.
ما زلنا نجهل تفاصيل الموضوع، فنحن لا نعرف حتى الآن هوية الشخص الذي يقف وراء هذه الخدعة، لكن الأحداث السابقة تشير إلى احتمال وجود تداعيات.
تخيل لو تفوه رئيس الوزراء البريطاني بكلام غير لائق أمام “وايلز”، على سبيل المزاح… فلو جعل ترمب يظهر بمظهر الأحمق، قد يؤدي ذلك إلى إفشال أية فرصة لإنشاء علاقة تعاون جديدة بين البيت الأبيض و”داونينغ ستريت”.
إن احتمال وقوع تداعيات كارثية ليس أمراً يستهان به، فقد يعمد الرئيس الأميركي إلى رفع الرسوم الجمركية على بريطانيا والقضاء على الوظائف، أو وقف التعاون العسكري في نوبة غضب.
لكن تخيل أيضاً لو تبين أن بيرنهام كتب كلاماً متملقاً بصورة صريحة عن رب عمل وايلز؟ لن يستعيد الرجل أبداً صدارته في سباق الشعبية السياسية.
ليست هذه المرة الأولى التي يتسبب فيها مقلب على أرفع المستويات في تداعيات سياسية، أحد الأمثلة الشهيرة على ذلك وقع عام 1995، عندما نجح مقدم برنامج إذاعي في خداع الملكة إليزابيث عندما اتصل بها هاتفياً، وانتحل شخصية رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان.
وبعد تبادل المجاملات والتحدث عن شعوره بالتوتر، طلب كريتيان المزيف من جلالتها التدخل في مسألة حساسة للغاية تتعلق باستقلال كيبيك عن كندا، وقال لها “لو تكرمت جلالتك بالتدخل في هذا الموضوع بصورة علنية، فنحن نعتقد أن كلمتك قد تعيد لمواطني كيبيك شعور الافتخار بانتمائهم إلى دولة موحدة…”.
ولأن الملكة كانت متفهمة كعادتها، وتود، بصفتها ملكة كندا، أن تتصرف بناء على نصيحة رئيس وزرائها – مع إدراكها في الوقت نفسه ما يفرضه الدستور عليها من حياد سياسي – أجابت بحذر قائلة إنها “ربما تكون قادرة على فعل شيء من أجلكم”، ودعته إلى إرسال نص مكتوب لتدرسه. وبالطبع، لم يتطور الأمر أبداً إلى أبعد من ذلك، وظلت الملكة، حتى وهي تتعرض للخداع والتلاعب، ملتزمة بالقواعد بصورة تثير الإعجاب، لكن الأمور كان بإمكانها أن تكون أسوأ بكثير.
لم يكن رئيس وزراء كندا الحقيقي ليضع الملكة في مثل هذا الموقف الحرج أبداً، (ربما يفعل ذلك شخص مثل بوريس جونسون، ولكن لحسن الحظ شكل الرجل حالة فريدة من نوعها في عهد إليزابيث الثانية). ومع ذلك، شعرتُ آنذاك كما أشعر الآن، من دون أي استعلاء، بأن محاولة إحراج أعلى مسؤول في الدولة أمر خاطئ تماماً.
أما المزحة المناسبة فكانت تلك المرة التي أطلق فيها جون كولشو المبدع مسيرته المهنية في البث الإذاعي المباشر عندما تمكن من الاتصال بتوني بلير من خلال تقليده [رئيس حزب المحافظين] ويليام هيغ، وهو تقليد يبدو أقرب إلى هيغ من هيغ نفسه. كان بلير سعيداً بالتحدث في أمور غير مهمة، ثم عرض زعيم المعارضة عليه أن يعيره شريط الفيديو الذي صورته المغنية “شير” لتمارين اللياقة البدنية.
لم تنكشف خدعة كولشو إلا عندما خاطب بلير بـ”توني”، لأن هيغ، بصفته رجلاً على الطراز القديم، لم يكن يناديه بغير “رئيس الوزراء”. ولما لاحظ بلير الخطأ، قال “هذا تقليد جيد جداً…”، وهكذا انكشفت الخدعة. لم يكن في الأمر أي سوء نية، بل مجرد دعابة بسيطة وغير مؤذية.
المشكلة في مقالب انتحال الشخصيات هي أنها غالباً غير مضحكة، يجب أن يكون للسخرية هدف – لا أن تكون مجرد انتقام بلا معنى. وقد تؤدي إلى عواقب مأسوية، كما حدث عام 2012، عندما اتصل مذيعان في إذاعة أسترالية بمستشفى تتلقى فيه دوقة كامبريدج العلاج وتظاهرا بأنهما الملكة، وقام موظف المقسم بتحويل المكالمة. أدى الغضب الذي تلا الحادثة وتداعياتها الإعلامية في النهاية إلى انتحار جاسينثا سالدانا المأسوي، وهي الممرضة التي كانت تحاول ببساطة أداء واجبها من خلال مناقشة حالة مريضتها.
لا تأتي هذه المقالب بأيةة فائدة تذكر، ولم يكن لها يوماً أي مبرر يتعلق بالمصلحة العامة. وعلى حد علمي، بدلاً من الكشف عن النفاق أو المؤامرة أو الرياء أو الخيانة، فإنها في الغالب تظهر الناس بالصورة التي نأمل أن نراهم عليها، أي وهم يؤدون عملهم فحسب.
ما لم أكن مخطئاً تماماً، لا بد أن بيرنهام ظهر على طبيعته، كالمعتاد، وهو يتحدث مع أقوى امرأة في العالم. لا داعي للقلق إلا إذا قرر أحد الكوميديين الذين أتقنوا بالفعل تقليد “آندي” – سواء كان مات فورد، أم راسل كين، أم جيف نوركوت – أن يجرب حظه في الاتصال بالبيت الأبيض.




