هاكابى وسياسة الاستحقاق المقدس!

أسامة سرايا – بوابة الأهرام:
لم تعد العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية تفسر فقط بمنطق المصالح العسكرية أو التحالفات الإستراتيجية، فثمة بعد آخر أكثر حضورًا، يتمثل فى توظيف مفاهيم دينية قديمة داخل عملية صنع القرار السياسى، وهذا لا يعنى أن الدين أصبح بديلا للسياسة، إنما يعنى أن بعض التأويلات الدينية، تحولت إلى إطار يمنح قرارات سياسية شرعية أخلاقية، ويضفى على الصراع بُعدًا يتجاوز حدود الجغرافيا إلى عالم العقائد.
يعد السفير الأمريكى لدى إسرائيل، مايك هاكابى، أحد أبرز ممثلى هذا الاتجاه، فالرجل لم يأت من المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وإنما من خلفية دينية إنجيلية، شكلت رؤيته السياسية قبل أن يدخل عالم الحكم، فقد عمل لسنوات قسا معمدانيا، ثم انتقل إلى العمل العام حاكما لولاية أركنساس ومرشحا للرئاسة، محتفظا بالخطاب نفسه الذى يمزج بين الإيمان والسياسة، لهذا فإن مواقفه تجاه الشرق الأوسط امتداد لقناعة راسخة، بأن النص الدينى يجب أن يكون حاضرا فى تفسير الجغرافيا والسيادة، وهو ما جعل تعيينه سفيرا أمريكيا لدى إسرائيل، يحمل دلالات تتجاوز حدود الاختيار الدبلوماسى المعتاد.
وقد أثارت تصريحات هاكابى التى ألمح فيها إلى ما يعرف بالحدود التوراتية لإسرائيل، التى تمتد فى بعض التفسيرات بين النهرين، موجة واسعة من الانتقادات العربية والدولية، لأنها كشفت أن بعض الأفكار التى كانت تنتمى إلى الخطاب الدينى المغلق، أصبحت تجد طريقها إلى المجال السياسى الرسمى!
حتى مع محاولاته اللاحقة التخفيف من وقع تصريحاته، فإن الجدل لم يكن حول عباراته وحدها، بل حول العقلية التى تقف خلفها، فالرجل لا يمثل حالة فردية أو رأيا شخصيا معزولا، إنما يعكس تيارا متناميا داخل اليمين الأمريكى، يرى أن العلاقة مع إسرائيل ليست مجرد تحالف بين دولتين، بل ارتباط تفرضه عقيدة دينية، وهو ما يفسر اتساع نفوذ هذا الخطاب داخل دوائر صنع القرار الأمريكية.
من هنا لم يعد الحديث يدور فقط حول الردع أو الأمن أو توازن القوى، وإنما حول مفاهيم مثل «الاصطفاء» و«الأرض الموعودة» و «الاستحقاق المقدس». وهى مفاهيم تمنح الصراع طابعا مطلقا، وتجعل الحلول الوسط تبدو وكأنها تنازل عن حق إلهى لا عن موقف سياسى.
لعل أخطر ما فى هذا التحول أنه يعيد تعريف الخصوم، فالفلسطينى لا يقدم باعتباره شعبا يطالب بحقوق وطنية، بل يتحول فى بعض هذه السرديات إلى مشكلة ديمغرافية، والمسلم لا ينظر إليه باعتباره شريكا فى الحضارة الإنسانية، بل باعتباره تهديدا ثقافيا أو حضاريا. أما الاحتلال، فيعاد تقديمه باعتباره استعادة لحق تاريخى، بينما يصور ضم الأراضى باعتباره امتدادا لوعد دينى، لا انتهاكا للقانون الدولى.
لهذا، فإن النقاش الحقيقى لا يتعلق بشخصيات مثل مايك هاكابى وحدها، بل بالاتجاه الفكرى الذى تمثله، وبمدى تأثيره فى رسم السياسة الأمريكية خلال السنوات المقبلة، فكلما اتسعت مساحة «الاستحقاق المقدس» داخل القرار السياسى، أصبح تبرير الحروب أسهل، وتراجعت قدرة الدبلوماسية، لأن الصراع يتحول من خلاف على المصالح والحدود إلى صدام بين يقينيات مطلقة، وعندها، لا يصبح السلام رهنا بإرادة السياسيين وحدهم، بل بقدرتهم على إعادة السياسة إلى مجالها الطبيعي، بعيدا عن ادعاء امتلاك تفويض إلهى يمنح الحرب شرعية، ويحرم السلام من فرصته.




