نهاية الارتخاء الاستراتيجي الأوروبي

عبدالكريم سليمان العرجان – العرب:
التحول في الخطاب الأوروبي بدأ من “الحفاظ على الحلف” إلى “إعادة التوازن”، وهي نقطة فارقة تعكس انتقال القارة من تابع أمني إلى شريك.
يشهد النظام الدولي تحولًا بنيويًا متسارعًا يعيد رسم حدود التحالفات التقليدية ومعادلات الاعتماد الاستراتيجي بين القوى الكبرى. وفي قلب هذا التحول، تبدو أوروبا أمام لحظة تاريخية فارقة؛ إذ بدأت القارة العجوز بالتخلي التدريجي عن نموذج “التبعية الدفاعية” الذي حكم علاقتها بالولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، متجهة ــ على نحو متسارع وإن كان قسريًا ــ نحو بناء مفهوم جديد للسيادة الأمنية والاستقلال الاستراتيجي.
هذا التحول لم يكن نتاج طموح أوروبي مفاجئ لبناء قطب عسكري مستقل، بقدر ما جاء استجابة لسلسلة من الصدمات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية التي أعادت تشكيل الإدراك الأوروبي لطبيعة الشراكة عبر الأطلسي. فخلال سنوات قليلة، انتقلت واشنطن في الوعي الاستراتيجي الأوروبي من موقع “الضامن النهائي للاستقرار” إلى شريك يصعب التنبؤ بسلوكاته، وقوة قادرة على توظيف أدوات الأمن والطاقة والتجارة لفرض أولوياتها على حلفائها.
على امتداد عقود، سمحت المظلة الأميركية لأوروبا بالتركيز على الرفاه الاقتصادي والتكامل السياسي، فيما بقيت ملفات الردع والأمن الصلب مرتبطة بصورة شبه كاملة بحلف شمال الأطلسي والقيادة الأميركية. وقد أنتج ذلك ما يمكن وصفه بـ”الارتخاء الاستراتيجي الأوروبي”، حيث تراجعت القدرات العسكرية الذاتية لصالح الاعتماد المتزايد على الحماية الأطلسية.
غير أن التحولات الأخيرة في السياسة الأميركية ــ من تصاعد النزعات الانعزالية إلى توظيف ملفات التجارة والطاقة والقطب الشمالي ومستقبل الناتو كورقة ضغط ــ دفعت العواصم الأوروبية إلى مراجعة افتراضاتها الأساسية. ولم تعد المخاوف مرتبطة فقط بإمكانية تراجع الالتزام الأميركي تجاه أمن القارة، بل أيضًا باحتمال توظيف واشنطن تفوقها السياسي والعسكري لفرض توازنات لا تنسجم بالضرورة مع المصالح الأوروبية.
وقد شكّلت الحرب الأوكرانية نقطة تحول مركزية في هذا الإدراك؛ إذ اكتشفت أوروبا أن أمن شرق القارة لم يعد ملفًا إقليميًا محدودًا، بل قضية وجودية تمس مستقبل النظام الأوروبي بأكمله.
في المراحل الأولى، حاولت أوروبا احتواء التوتر مع واشنطن عبر المقاربة التقليدية: رفع ميزانيات الدفاع، وتقديم تنازلات اقتصادية، والحفاظ على تماسك الحلف الأطلسي باعتباره الركيزة المركزية للأمن الأوروبي.
أوروبا تدخل مرحلة الفطام الاستراتيجي عن المظلة الأميركية مدفوعة بالحرب الأوكرانية والتحولات الدولية لتبني سيادة أمنية جديدة تعيد رسم علاقتها بالولايات المتحدة
لكن هذه المقاربة أظهرت محدوديتها سريعًا. فبدلًا من تخفيف الضغوط، تعزز داخل أوروبا انطباع متزايد بأن التنازلات المتكررة تُفسَّر أميركيًا بوصفها دليلاً على غياب القدرة الأوروبية على فرض خطوط حمراء مستقلة.
ومن هنا بدأ التحول التدريجي في الخطاب الأوروبي من لغة “الحفاظ على الحلف” إلى لغة “إعادة التوازن داخل الحلف”. وهي نقطة فارقة تعكس انتقال القارة من موقع التابع الأمني إلى شريك يسعى لامتلاك هامش سيادي أوسع في إدارة مصالحه الاستراتيجية.
لم يكن هذا التحول ممكنًا دون تغيرات داخلية عميقة في البنية السياسية الأوروبية. فلطالما شكلت الانقسامات بين دول الاتحاد وصعود الحركات الشعبوية المشككة بالمشروع الأوروبي عائقًا أمام بناء سياسة أمنية موحدة.
لكن مع اتساع فجوة الثقة مع واشنطن، بدأت موازين القوى الداخلية تميل تدريجيًا لصالح التيارات الداعية إلى “السيادة القارية”. وأصبحت فكرة بناء قدرة دفاعية أوروبية مستقلة أقل إثارة للجدل مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.
وتجلى ذلك بوضوح في التحركات الأوروبية الهادفة إلى سد الفراغ الناتج عن التذبذب الأميركي في دعم أوكرانيا، عبر توسيع برامج التسليح، وتعزيز الصناعات الدفاعية، ورفع مستويات التنسيق العسكري والاستخباراتي داخل القارة.
يظلّ المحور الفرنسي–الألماني عنصرًا محوريًا في مسار الانعطافة السيادية الأوروبية، لكنه يعكس في الوقت نفسه رؤيتين مختلفتين لطبيعة “السيادة الأوروبية” وحدودها.
فرنسا، بقيادة إيمانويل ماكرون، تُعدّ أبرز المدافعين عن مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي” الأوروبي. وهي تستند إلى تقليد غالي يرى في أوروبا قوة قادرة على اتخاذ قرارها الأمني بشكل مستقل، مدعومة بقدرات نووية وخبرة تدخل عسكري خارج حدود القارة، إلى جانب الدفع نحو تطوير صناعات دفاعية أوروبية تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، حتى في الملفات الحساسة المرتبطة بالردع الاستراتيجي.
في المقابل، تمثل ألمانيا اتجاهًا أكثر حذرًا، ظل لعقود مرتبطًا بالاعتماد على المظلة الأطلسية. لكن التحول الذي أعقب “نقطة التحول” التي أعلنتها برلين في 2022، وتسارع لاحقًا في السنوات الأخيرة، أعاد تشكيل موقعها داخل المعادلة الأوروبية. فقد اتجهت ألمانيا إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل غير مسبوق، لتتحول تدريجيًا إلى القوة الاقتصادية–العسكرية الأثقل في أوروبا.
ومع ذلك، لا تزال الرؤية الألمانية أقرب إلى مفهوم “المسؤولية” داخل المنظومة الغربية، أي بناء قوة دفاعية أوروبية صلبة ضمن إطار الناتو، مع التركيز على الردع التقليدي والصناعة الدفاعية والقدرات اللوجستية، أكثر من الدفع نحو استقلال استراتيجي كامل خارج البنية الأطلسية.
التباين بين الطموح الفرنسي والنهج الألماني يمنح القارة قاعدة ديناميكية لإعادة بناء قوتها الصلبة وتحويل السيادة الأوروبية من شعار مؤجل إلى ضرورة استراتيجية حتمية
هذا التباين بين “الطموح السيادي الفرنسي” و”النهج المسؤول الألماني” لا يمثل تناقضًا بقدر ما يشكل محركًا ديناميكيًا للسياسة الدفاعية الأوروبية. فالتقاطع بين القوة النووية والتدخلية الفرنسية، والثقل الصناعي والمالي الألماني، يمنح أوروبا قاعدة غير مسبوقة لإعادة بناء قدرتها الاستراتيجية.
واحدة من أبرز نتائج هذا التحول تمثلت في تراجع الاعتماد الحصري على البنية البيروقراطية التقليدية للاتحاد الأوروبي، مقابل صعود “تحالفات الراغبين”، أي الأطر المرنة التي تقودها دول أوروبية مركزية قادرة على التحرك السريع خارج آليات الإجماع المعقدة.
وفي هذا السياق، برز التعاون الفرنسي ــ البريطاني بوصفه نواة صلبة لمبادرات أمنية وعسكرية جديدة لا تقتصر على حماية الحدود الأوروبية، بل تمتد إلى تأمين خطوط الملاحة الدولية وسلاسل الطاقة والانخراط في ترتيبات أمنية عابرة للأقاليم بالتنسيق مع شركاء دوليين وإقليميين.
ولا يعني ذلك أن أوروبا تتجه نحو القطيعة مع الولايات المتحدة أو تفكيك حلف الناتو، بقدر ما يشير إلى محاولة إعادة صياغة العلاقة عبر تقليص فجوة الاعتماد الأحادي وبناء قدرة أوروبية مستقلة تسمح للقارة بالتحرك حتى في حال تغير الأولويات الأميركية.
تكشف التحولات الراهنة أن أوروبا دخلت بالفعل مرحلة “الفطام الاستراتيجي” التدريجي عن المظلة الأميركية، وإن كان هذا المسار لا يزال محاطًا بتحديات اقتصادية وسياسية وعسكرية معقدة.
فالقارة التي وُصفت طويلًا بأنها “عملاق اقتصادي وقزم عسكري” بدأت، تحت ضغط البيئة الدولية المضطربة، في إعادة بناء أدوات القوة الصلبة الخاصة بها، ليس بدافع الطموح الإمبراطوري، بل انطلاقًا من الحاجة إلى حماية مصالحها في نظام دولي يتجه سريعًا نحو التعددية القطبية والتنافس الجيوسياسي الحاد.
وفي عالم كهذا، لم تعد “السيادة الأوروبية” مجرد شعار سياسي أو مشروع مؤجل، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة النظام الدولي الجديد.




