نصيب اليابان من تداعيات الحرب

كمال جاب الله – بوابة الأهرام:
على مدار جلستين استغرقتا 5 ساعات، كان لافتًا ألا يذكر المشاركون اسم اليابان في ندوة بعنوان “التداعيات الإقليمية والدولية لحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران”، نظمها المجلس المصري للشئون الخارجية يوم الخميس الماضي.
الجلسة الأولى انعقدت برئاسة أستاذ العلوم السياسية القدير، الدكتور علي الدين هلال، وكان عنوانها “النظام الإيراني.. فرص البقاء ومستقبل إيران كقوة إقليمية”، والمتحدثون كل من: رئيس منتدى تحليل السياسات الإيرانية محمد محسن أبو النور، سفير محمد بدر الدين زايد، والكاتب الصحفي حسن أبو طالب.
الجلسة الثانية حملت عنوان “التداعيات الدولية للحرب”، بما فيها الاقتصادية، والمنافسة بين القوى العظمى والتجارة العالمية للطاقة، والمتحدثون هم: وزير البترول الأسبق سامح فهمي، سفير على الحفني، والكاتب الصحفي أحمد قنديل.
في الإجمال، الندوة كانت على درجة كبيرة من الأهمية، وتبارى المشاركون في الحديث عن التداعيات الإقليمية والدولية للحرب العدوانية على إيران، باستثناء التعرض لما شهدته -وتشهده- اليابان من تداعيات، كما نوهت في بداية المقال.
بداية أود الإشارة إلى عدد من المعلومات المهمة، أولها: أن اليابان تعتمد على الوقود الأحفوري لتلبية نحو 80% من احتياجاتها من الطاقة. وتوضح الإحصاءات أن النفط شكل 34.8% من الطاقة الأولية المستهلكة خلال السنة المالية 2024، يليه الفحم بنسبة 24.4%، ثم الغاز الطبيعي المسال وأنواعه بنسبة 20.8%.
منذ التسعينيات سعت اليابان لتقليل اعتمادها على النفط المستورد وخفض انبعاثات الكربون، إلا أن عددًا من العوامل -أبرزها انخفاض استخدام الطاقة النووية عقب حادثة مفاعل فوكوشيما دايتشي عام 2011- أبقت النفط المورد الرئيسي للطاقة.
اليابان هي خامس أكبر مستورد للنفط، وتستورد أكثر من 95% من نفطها من الشرق الأوسط، وتساهم الإمارات والسعودية بنسبة 40% من إجمالي الواردات، ولم تستورد مباشرة من إيران منذ 2019بعد فرض واشنطن عقوبات على طهران.
معظم النفط الخام المصدر إلى اليابان يمر عبر مضيق هرمز قبالة السواحل الإيرانية، وتمتلك اليابان احتياطيات نفطية تكفيها لمدة 254 يوما في القطاعين العام والخاص. ومع ذلك، فإنه حتى مع وجود هذا المخزون من النفط الخام، من المتوقع أن ترتفع تكاليف الكهرباء والوقود في اليابان، حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، كما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي.
الخبير الاقتصادي بمعهد نومورا الياباني للأبحاث، كيؤتشي تاكاهيدي، وضع 3 سيناريوهات حول تداعيات تأثر اليابان بالحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. السيناريو الأكثر تفاؤلا يفترض نزاعًا قصيرًا وتأثيرًا محدودًا على الاقتصاد، كما كان عليه الحال،بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية السابقة في يونيو 2025.
في السيناريو الثاني، يتوقع كيؤتشي نزاعا عسكريا مطولا، مما يؤدي إلى زيادة المخاطر العسكرية في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، يشير الخبير إلى أن الحصار الكامل لمضيق هرمز سيكون له أثر سلبي مماثل على الاقتصاد الإيراني، بحرمانه من عائدات حيوية من صادرات النفط، ويرى أنه من المرجح أن تلتزم طهران بتعطيل شحنات النفط لفترة طويلة، لا بإغلاق الممر المائي بالكامل.
في مثل هذا السيناريو، يتوقع كيؤتشي أن ترتفع أسعار النفط الخام، مما سيؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لليابان بنسبة 18%، وارتفاع أسعار التجزئة بنسبة 31%، وسيؤدي الارتفاع اللاحق في أسعار الوقود والكهرباء إلى زيادة تكاليف التصنيع والشحن، مما يحفز التضخم، ويؤثر سلبًا على معيشة السكان.
السيناريو الثالث والأسوأ هو إغلاق مضيق هرمز بالكامل لمدة عام مثلا، مما يؤدي لارتفاع أسعار النفط إلى نحو 140 دولارا، مسجلة ذروة 2008، ويزيد من خطر الركود التضخمي باليابان. ويؤكد الخبير كيؤتشي أنه في أي سيناريو من الثلاثة، “ستزداد الحاجة في اليابان إلى اتخاذ تدابير مضادة لارتفاع الأسعار”، ويتوقع أن تجري الحكومة مزيدا من النقاش، في ضوء المخاطر الاقتصادية السلبية الكبيرة.
في خطوة استباقية هي الأكبر من نوعها على الإطلاق، بدأت اليابان يوم الخميس الماضي سحب النفط من احتياطاتها الوطنية -بما فيها مخزونات القطاع الخاص- وبما يعادل الاستهلاك لمدة شهر، بهدف الحفاظ على استقرار الإمدادات المحلية.
أيضًا، أعلنت الحكومة اليابانية أنها ستوقف مؤقتا إجراء يهدف إلى الحد من تشغيل محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم، طوال السنة المالية بدءا من أبريل 2026، وتتعارض هذه الخطوة مع سياسة اليابان الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية، لكن الحكومة تعطي الأولوية -فيما يبدو- لضمان استقرار إمدادات الطاقة والأسعار.
في الوقت نفسه، تجري الترتيبات بالتعاون مع القطاع الخاص الياباني لتنويع مصادر الوقود، ليشمل استيراد النفط من كازاخستان وأذربيجان، وسط تحديات تكاليف النقل الباهظة عبر رأس الرجاء الصالح، أما تنويع مصادر منتجات البترول فتشمل الولايات المتحدة والسعودية والإمارات وكندا وسنغافورة وأمريكا اللاتينية.
سياسيا، صرح رئيس مجلس الوزراء الأسبق، كيشيدا فوميو، بأن الدبلوماسية اليابانية تقوم على التحالف مع واشنطن، وأن طوكيو بحاجة إلى التفكير في حماية مصالحها مع الحفاظ على التوازن مع إيران التي ترتبط معها بعلاقات ودية تقليدية. كذلك صرحت رئيسة مجلس الوزراء، تاكايتشي ساناي، بأن طوكيو ستتخذ مستقبلا قرارا بشأن ما إذا كانت سترسل وحدة كاسحة ألغام بحرية إلى مضيق هرمز-وفقا للقانون مع مراقبة الوضع- وتتمتع البحرية اليابانية بقدرة عالية على إزالة الألغام البحرية، وأُرسلت -بالفعل- وحدة منها إلى مياه الخليج العربي في عام 1991.
على صعيد آخر، وفي ظل بيئة أمنية-إقليمية ودولية-تزداد خطورة، ولتعزيز قدرات الردع والتحالف مع واشنطن، جرى تحديث أول مدمرة يابانية (تشوكاي مجهزة بنظام إيجيس)، لإطلاق صواريخ توما هوك، يبلغ مداها 1600 كيلو متر، وأكدت طوكيو أن التقارب بين اليابان وكوريا الجنوبية بات أكثر أهمية من أي وقت مضى.
في غضون ذلك، شهدت طوكيو مظاهرات حاشدة الأسبوع الماضي، جرى تنظيمها أمام البرلمان (الدايت)، وتحت هطول أمطار غزيرة، وندد المتظاهرون بالحرب، واستخدام القوة لتحقيق السلام، وكذلك، التعديلات الدستورية المقترحة في اليابان.
تلك هي بعض التداعيات في اليابان نتيجة للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران.




