رأي

نزيف نفطي… وتجميد مشاريع: الحرب تضرب عصب الاقتصاد السعودي

سناء أحمد إبراهيم – الأخبار:

تُظهر تداعيات الحرب على إيران هشاشة النموذج الاقتصادي السعودي المعتمد على النفط، مع تزايد الضغوط الناجمة عن اضطراب مسارات التصدير. يأتي ذلك فيما تدفع الأزمة الرياض إلى إعادة ترتيب أولوياتها، بين احتواء العجز المالي، وإعادة النظر في مشاريع «رؤية 2030».

مثّلت أزمة إغلاق مضيق هرمز، خلال الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصادات النفطية على التعامل مع صدمات جيوسياسية تضرب شريان الطاقة العالمي. ورغم محاولة السعودية احتواء تداعيات هذه الأزمة، عبر البحث عن بدائل لوجستية من ميناء «رأس تنورة» في الخليج (كان يعالج زهاء 90% من الصادرات قبيل الحرب)، أخذت الضغوط المالية على المملكة بالظهور تباعاً، بدءاً من اضطرارها إلى خفض أسعار البيع الرسمي للخام السعودي، مروراً بتنامي الاعتماد على الاقتراض في ظلّ عجز الموازنة، وصولاً إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق على المشاريع العملاقة التي تشكل العمود الفقري لـ«رؤية 2030».
ومع بدء حصار حركة «أنصار الله» اليمنية لخطوط الإمداد السعودية في البحر الأحمر، الأحد الماضي، تفاقمت الضغوط على المملكة، جارّةً عليها مزيداً من التبعات الاقتصادية. إذ أدّى الحصار اليمني إلى إرباك استراتيجيتها الرسمية التي اعتمدت على الهروب من «مضيق هرمز» إلى خط «شرق – غرب» البري، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية نحو 7 ملايين برميل يومياً من الخام، وتُنقل عبره تلك الكميات من المنطقة الشرقية السعودية إلى «ميناء ينبع» على ساحل البحر الأحمر، لتُبحر من هناك جنوباً، ثمّ تَعبر مضيق باب المندب.

وخلال ساعات من بدء الحصار، عطّلت قوات صنعاء عملية نقل تلك الشحنات، الأمر الذي دفع الرياض إلى خيار الاعتماد على مسار آخر، تُنقل عبره الشحنات من «ينبع» إلى ميناء «العين السخنة» المصري على البحر الأحمر، ثمّ تَعبر خط أنابيب «سوميد» إلى ميناء «سيدي كرير» على البحر المتوسط، قبل أن تواصل رحلتها عبر البحر المتوسط ومضيق جبل طارق، ثمّ حول رأس الرجاء الصالح، وصولاً إلى الأسواق الآسيوية. وإذ يعدّ هذا المسار البحري أطول من الطريق المعتاد عبر «باب المندب»، فقد اضطرّ اعتمادُه شركةَ «أرامكو» إلى البحث عن آلية تسعير ​جديدة لشحن النفط الخام، وذلك في ضوء ارتفاع تكاليف الشحن -الناجم عن إعادة توجيه مسارات التصدير-. ووفقاً لوكالة «رويترز»، فإن عملية التحويل هذه قد تكبّد المشترين الآسيويين نحو 10 ملايين دولار إضافية للشحنة الواحدة، أو ما يعادل نحو 5 دولارات للبرميل. وتضاف هذه التكاليف إلى ما كشفته «رويترز» سابقاً، من أن توسعة خط «شرق – غرب»، بما يشمل إضافة مليونَي برميل يومياً إلى طاقته الاستيعابية، «ستستغرق سنوات وتكلّف مليارات الدولارات وتستلزم آلية تسعير جديدة للخام السعودي».
توازياً، سجل إنتاج «أرامكو» -التي توصف بـ«عملاق النفط»-، في بداية تموز الجاري، أدنى مستوياته منذ عام 2003، توازياً مع تراجع الصادرات النفطية بنحو مليونَي برميل يومياً مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، فيما هبطت واردات الصين من النفط السعودي إلى أدنى مستوى في 12 عاماً. وأمام هذا التراجع في الحصة السوقية، وتخوّف الرياض من خسائر إضافية إضافية لمصلحة منتجين آخرين، اضطرّت المملكة، وفقاً لدراسة منشورة حديثاً، إلى التخلّي عن استراتيجية «الدفاع عن الأسعار» والانتقال إلى «الدفاع عن الحصة السوقية»، وذلك عبر خفض سعر البيع الرسمي للخام العربي الخفيف بـ11 دولاراً للبرميل لشحنات آب (وهو أدنى مستوى منذ حزيران 2020).
وإذ يأتي اعتماد هذه الاستراتيجية بعد سنوات من التخفيضات الطوعية الكبيرة ضمن إطار «أوبك+»، فهو يُعزى إلى توصّل «الحكومة السعودية إلى استنتاج مفاده أن الاحتفاظ بأسعار مرتفعة نسبياً لم يعُد ممكناً إذا كان ذلك يؤدي إلى فقدان حصص سوقية لمصلحة المنتجين الأميركيين والبرازيليين وغيرهم».

يُسجَّل تراجع عن الطموحات الاستثمارية العريضة لـ«رؤية 2030»

وعليه، فإن السعودية تميل حالياً إلى «قبول أسعار أقلّ نسبياً مقابل الحفاظ على موقعها بوصفها المنتج المرجّح في السوق العالمية»، وهو ما قد يسهم في استعادة جزء من طاقتها الإنتاجية. وبالفعل، تشير بيانات «أوبك» إلى ارتفاع الإنتاج السعودي خلال العام الجاري، بالتزامن مع تنفيذ «أوبك+» زيادات شهرية متتالية في الحصص الإنتاجية، يُفترض أن تتّجه إلى تعليقها اعتباراً من تشرين الأول المقبل. وفي وقت لا تزال فيه المالية العامة السعودية تعتمد بصورة رئيسة على عائدات النفط – رغم الجهود المتواصلة لتنويع الاقتصاد -، أوصت بعثة «صندوق النقد الدولي»، في ختام زيارة لها بين 28 نيسان و13 أيار الماضيين إلى الرياض، بـ«إجراء خفض محدود في العجز الأولي غير النفطي خلال عام 2026، مع إعطاء الأولوية لإعادة ترتيب الإنفاق الحكومي لاستيعاب أي استجابة مالية لتداعيات النزاع». كما رأت البعثة أنه «إذا تبيّن أن الصدمة ستكون أطول أمداً»، فإن المملكة «تمتلك حيزاً مالياً يسمح بتبني سياسة مالية أكثر توسعاً لحماية الاقتصاد، شرط أن يكون أي دعم يُقدَّم للشركات والأسر المتضررة مؤقتاً وموجهاً وشفافاً».

وفي السياق نفسه، قدّمت مؤسسة «Capital Economics» أكثر التقديرات تشاؤماً بشأن مستقبل المالية السعودية؛ إذ توقعت أن يرتفع الدين العام إلى نحو 60% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030. ويقارب هذا المستوى ضعف التقديرات الحكومية، إذ تتوقع وزارة المالية أن يبلغ الدين العام نحو 33% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2028، مقارنة بنحو 32% حالياً، مشيرةً إلى أن الاقتراض يستهدف تمويل الاستثمارات المرتبطة ببرامج التحول الاقتصادي، وليس تغطية عجز تشغيلي في الموازنة.
وفي سياق التحدّيات الاقتصادية التي تواجهها المملكة أيضاً، يُسجَّل تراجع عن الطموحات الاستثمارية العريضة لـ«رؤية 2030»؛ إذ يبدو أن ثمّة توجهاً لإلغاء أو تجميد مشاريع كبرى، من مثل «جزيرة سندالة» -التي تندرج ضمن مشروع «نيوم»-، وذلك في ضوء التكاليف الباهظة ومحدودية الموارد. وأزيل اسم الجزيرة من موقعها، فيما توقّع نشطاء أن تلحق بها مشاريع أخرى، نظراً إلى أن «المنطقة مواردها محدودة وغير صالحة للاستثمار والعيش». وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن السفير الأميركي السابق في الرياض، مايكل راتني، قوله إن الحرب «أفسدت» الاستثمارات المليارية التي ضخّتها المملكة قبل اندلاعها، لتبقى الحكومة عاجزة عن «استدراك الأزمة لتعويض خسائرها الكبيرة». وفي الوقت نفسه، أفادت وكالة «بلومبيرغ» بتخارج نحو 50 شركة من السوق المالية السعودية من جراء الخسائر المالية، في الأسبوع الأول من تموز، فيما بيّنت منصة «دراويز» المعارضة، أن مسار هذا التخارج يكبّد نحو 65 شركة خسائر مالية ضخمة، دفعتها نحو ترك السوق.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى