نتنياهو وأيزنكوت: ماذا يتغيّر فلسطينياً؟

هاني المصري – العربي الجديد:
لم تُحسم نتائج الانتخابات الإسرائيلية لمصلحة أحد المعسكرين بصورة حاسمة، فنتنياهو لا يستطيع تشكيل حكومة، إذ حصل معسكره على 53 مقعداً فقط، أي أقل بـ15 مقعداً مما كانت تستند إليه الحكومة الحالية. غير أنه يحتفظ بأغلبية لدى الأحزاب الصهيونية ما لم ينتقل حزب يهدوت هتوراه إلى معسكر آخر. وحصل معسكر أيزنكوت على 48 مقعداً، وبالتالي غير قادر على تشكيل حكومة، لكنه قادر على تشكيلها إذا انضمّت إليه القائمة الموحّدة أو وافق “يهدوت هتوراه” على المشاركة فيها، أو إذا حصل على شبكة أمان من الموحّدة والقائمة المشتركة. ويحتاج هذا القرار التاريخي حنكة سياسية وشجاعة تتجاوزان الابتزاز الذي يتعرّض له من نتنياهو والليكود وغيرهم ممن ينزعون الشرعية عن القوائم العربية، ما يدل على عمق العنصرية في دولة الاحتلال. وهو مفترق طرقٍ يتحدّد بعده مصير أيزنكوت: إما أن يصبح رئيس حكومة ويُسقط نتنياهو ويسير خطوة في الاتجاه الصحيح بعيداً عن حكومة نتنياهو، وربما عن العنصرية المستمدّة من تعريف إسرائيل وحقيقتها دولةً يهودية، وهو تعريفٌ يتناقض مع الديمقراطية، أو أن يذهب ويخسر في الانتخابات المقبلة، أو أن يتخذ القرار التاريخي الذي سبق أن اتخذه اسحق رابين ويرسّخ مكانته زعيماً كبيراً في تاريخ إسرائيل.
السيناريوهات المحتملة: تشكيل حكومة وحدة؛ الذهاب إلى انتخابات مبكرة تكون فيها حكومة نتنياهو انتقالية؛ تشكيل حكومة أقلية مدعومة من القوائم العربية؛ تشكيل حكومة برئاسة نتنياهو إذا نجح في استقطاب ثمانية أعضاء أو أكثر من أحزاب المعارضة، أو في ضم حزب منها إلى معسكره.
… لا خلاف جوهرياً حاسماً بين حكومة برئاسة نتنياهو وأخرى برئاسة أيزنكوت في مسألة حل القضية الفلسطينية، فكلتاهما ترفضان إقامة دولة فلسطينية ويلتزمان بأهداف المشروع الصهيوني الاستعماري العنصري، لكن هناك تباينات في الأولويات وكيفية تحقيقها. وهناك خلافات مهمة حول هوية الدولة وعلاقة الدين بها، ومستوى “الديمقراطية اليهودية”، وتجنيد “الحريديم” (المتدينين). وهناك خلافات أقل أهمية حول الموقف من السلطة الفلسطينية، والمشروع الاستيطاني، وخطة ترامب في غزّة، والحرب على إيران، وتطبيع العلاقات مع العرب، والقرصنة على أموال المقاصة الفلسطينية وتشغيل العمّال في إسرائيل.
الحكومة التي تشكلها المعارضة بدعم عربي لن تطرح في برنامجها الضم والتهجير، بل ستعود خطوة أو أكثر إلى الوراء إلى ما كانت عليه الحكومات السابقة
فحكومة برئاسة أيزنكوت ومدعومة من العرب ستكون، بالضرورة، أقل تشدّداً من الحكومة الحالية حتى تبقى. وستدعم بقاء السلطة الفلسطينية التي جرى تقويضها، بحيث باتت على حافة الانهيار، ويمكن أن تُفرج عن أموالها أو جزء منها وستسمح بعمل عمّال فلسطينيين في إسرائيل، وتمنح السلطة حكماً ذاتياً في المناطق المصنّفة “أ” و”ب”، وربما جزء من المناطق المصنفة “ج”، وتخطّط، في المقابل، لضم كل أو معظم المناطق المصنفة “ج” التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية. فهي، أو أطراف منها ومن بينها أيزنكوت، تؤمن بالفصل بين “السكّان” وإسرائيل، كي لا تضطرّ إلى ضمهم ومنحهم الجنسية، أو فرض نظام فصل عنصري مكتمل الأركان، وكي لا تواجه خطر زوال الطابع اليهودي لإسرائيل.
وستواصل هذه الحكومة المشروع الاستيطاني، لكنها لن توافق على تطرّف المستوطنين المبالغ به، سواء بإقامة بؤر استيطانية في مختلف المناطق من دون حصرها في المنطقة “ج”، أو بالهجمات اليومية البربرية التي تسيء إلى صورة إسرائيل، وتستدعي فرض عقوباتٍ عليها. أي أنها ستسعى إلى إعادة القناع الذي كانت الحكومات السابقة تحاول أن تغطي به طبيعتها الفاشية والعنصرية والعدوانية والتوسّعية، تلك الطبيعة التي بلغت حدّ شن حرب الإبادة والتهجير والضم، والدعوة إلى إقامة “إسرائيل الكبرى” وتغيير الشرق الأوسط. فالحكومة التي تشكلها المعارضة بدعم عربي لن تطرح في برنامجها الضم والتهجير، بل ستعود خطوة أو أكثر إلى الوراء إلى ما كانت عليه الحكومات السابقة، وستُبدي مرونة أكبر من الحكومة الحالية في التعامل مع خطة ترامب بشأن قطاع غزة، دون تساهل مع عودة السلطة الفلسطينية إليه، إذ تبقى الأولوية للقضاء على حماس وخلق سلطة “متجدّدة” أي خاضعة للشروط الإسرائيلية. لكنها ستمارس سياسة إدارة الصراع أو تقليصه بدلاً من حسمه، وستستبدل الإبادة بالفصل العنصري، وستسعى إلى استكمال خلق الحقائق على الأرض التي تجعل الضم والتهجير وإقامة “إسرائيل الكبرى”، وتغيير الشرق الأوسط تحصيل حاصل، أي نتيجة مستهدفة وليست أولوية راهنة.
إسقاط حكومة نتنياهو يمثل هزيمة للاتجاه الأكثر تطرّفاً في إسرائيل، لكنها هزيمة غير كاملة
وبالنسبة لإيران وحلفائها، بمن فيهم حركة حماس، فستتبنّى سياسة متشدّدة وتحارب إلى جانب الإدارة الأميركية إذا حاربت، لكنها لا تضع إسقاط النظام في طهران في المقدمة، بل إسقاط البرنامج النووي. وستعطي أهمية لإقامة نظام أمني إقليمي بمشاركة دول المنطقة في مواجهة إيران، وستكون أكثر انفتاحاً على التطبيع مع الدول العربية، باعتباره مقدّمة لتحقيق بقية الأهداف. في المقابل، تعطي حكومة نتنياهو الأولوية للمبادرة بالحرب والضربات الوقائية والاستباقية، واحتلال أراضٍ وإقامة مناطق أمنية، وفرض السيطرة الإسرائيلية بالقوة، بحيث يصبح التطبيع في نظرها تحصيل حاصل.
ويمكن للمواطنين العرب الفلسطينيين أن يؤدّوا دوراً مؤثراً من خلال أن تمثيلهم القوي يوفر الأغلبية اللازمة لتمرير قوانين لتغيير رئيس الكنيست ورئيس لجنة التنظيم، وتشكيل لجنة تحقيق في إخفاق “7 أكتوبر” (2023)، وتعديل القوانين التي مست باستقلال القضاء وغيرها. كما يمكنهم تحقيق إنجازاتٍ في الميزانيات المخصّصة للبلدات العربية، والبنية التحتية والتعليم والصحة والإسكان، ومنع هدم القرى والمنازل، ومكافحة الجريمة والعنف، وتخفيف القيود على التخطيط والبناء والتوسع العمراني. وفي ذلك كله زيادة لتأثير الأحزاب العربية في القرارات البرلمانية، وإمكانية لتخفيف حدة المواجهة السياسية.
والخلاصة هنا أن إسقاط حكومة نتنياهو يمثل هزيمة للاتجاه الأكثر تطرّفاً في إسرائيل، لكنها هزيمة غير كاملة. وقد يشكل تغييراً مهماً في السياسة الداخلية الإسرائيلية، لكنه لا يعني تغييراً في المشروع السياسي الاستعماري العنصري الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية. فلا يجوز تجاهل أن حوالي 90 من أعضاء الكنيست الجدد (120) ينتمون إلى اليمين أو اليمين المتطرّف، ما يعني أن اختراقاً سياسياً لن يكون مسموحاً به.
قد تزداد الاحتمالات في ظل حكومة يترأسها أيزنكوت، تعتمد على مشاركة حزب عربي وعلى شبكة أمان من القائمة المشتركة، وفي حال توفرت مبادرة أميركية للتوصل إلى حل يقوم على بقايا “أوسلو” وخريطة ترامب وصفقته زائداً أو ناقصاً، وهذا حل تصفوي، ولكنه ليس الأسوأ، كونه يتضمن دولة فلسطينية بلا مقومات الدول، ولا تقوم على الأراضي المحتلة عام 1967، ولن تشمل القدس أو أجزاء واسعة منها ولا حل قضية اللاجئين، على أمل أن تساعد على تطبيع سعودي ومن ثم عربي وإسلامي، وعلى تشكيل نظام أمني إقليمي جديد.
الرهان على الانتخابات الإسرائيلية تارة، وعلى الانتخابات الأميركية تارة أخرى، وعلى متغيرات عربية وإقليمية ودولية تارة ثالثة، يعكس المأزق الفلسطيني العميق
لكن هذا السيناريو، على احتماله، لن يكون سهلاً، فسيعارضه أغلبية الفلسطينيين، والمعارضة الإسرائيلية، المتقاطعة مع بعض أحزاب حكومة أيزنكوت، ستقف له بالمرصاد، كونه يمثل تنازلاً عن البرنامج الأقصى الذي يطرحونه. كما أن المبادرة حتى تتم تحتاج إلى نصر أميركي إسرائيلي في الحرب ضد إيران، وهذا ليس مضموناً، تجدّدت الحرب، كما يوحي قرع طبولها بقوة هذه الأيام، أو جرى التوصل إلى اتفاق ينهيها، وهي في الغالب ستنتهي من دون نصر حاسم، أي من دون غالب ومغلوب، وهذا نوع من النصر لإيران. وسيلقي بظلاله على النظام الأمني الإقليمي الجديد الذي سيتشكل بعد أن تسكت المدافع، بل على النظام العالمي الجديد الذي يتشكّل أيضاً، والذي من المحسوم أنه لن يكون أحادي القطبية، بل متعدّد الأقطاب، ما سيعيد رسم خريطة التوازنات والقوى والدول في المنطقة والعالم كله.
من الطبيعي أن يهتم الفلسطينيون بالانتخابات الإسرائيلية، لأن نتائجها تؤثر في مختلف المجالات المتصلة بحياتهم وحاضرهم ومستقبلهم. لكن التعامل معها كأنها المرجعية، أو الاعتقاد بأن أحد المعسكرَين سيقدّم الحل المطلوب فلسطينياً، وهمٌ خالص وحالة مرضية بحاجة إلى علاج سريع، فالتنافس يجري، داخل المشروع الصهيوني، بين يمين ويمين أكثر تطرفاً.
والرهان على الانتخابات الإسرائيلية تارة، وعلى الانتخابات الأميركية تارة أخرى، وعلى متغيرات عربية وإقليمية ودولية تارة ثالثة، يعكس المأزق الفلسطيني العميق، ويولّد شعوراً بالعجز واليأس وانعدام الأمل في التغيير اعتماداً على الدور الفلسطيني. وهذا يؤكد حاجة الفلسطينيين إلى تغيير بنيوي وفكري وسياسي وقيادي ومؤسّسي، وكلما جاء أسرع كان أفضل، لأن الوقت من دم، والتاريخ لا يرحم.




