مُحلّقات “كواد كوبتر” الإسرائيلية تتحوّل إلى أداة للقتل اليومي في غزة

لا يوجد مكان، سواء على اليابسة أو في المياه، بمنأى عن متناول هذه مُحلّقات “كواد كوبتر” الإسرائيلية، الأمر الذي يزيد من إحكام الحصار يوماً بعد يوم.
لاحظ صادق عبد الحفيظ، البالغ من العمر 26 عاماً، هدوءاً غير اعتياديّ حوله بينما كان يقف في حي الشجاعية بقطاع غزة بالقرب من المقبرة المطلة على شارع صلاح الدين. وكانت مُحلّقة من نوع “كواد كوبتر” (بحجم بلاطة أرضية تقريباً) قد أطلقت قبل دقائق فقط وابلاً من الرصاص، وما زالت تحوم فوق مئذنة جامع ابن مروان المتاخم للمقبرة.
التفت صادق ليرى صديقه مصطفى مشتهى مستنداً إلى شجرة؛ فظن في البداية أنه يشعر بالتعب من المشي أو أنه يحتمي بالمكان بدافع الخوف، قبل أن يدرك أن صديقه قد أصيب بطلق ناريّ.
توجّه صادق ومصطفى إلى المقبرة في 10 حزيران/ يونيو 2025، برفقة أفراد من عائلة مصطفى وأصدقائهم لدفن شقيقتيه اللتين قُتلتا في غارة إسرائيلية قبل أيام. إلا أنه فور وصولهم إلى المقبرة، فوجئوا بمحلّقة “كواد كوبتر” إسرائيلية تحوم فوق رؤوسهم. ولم يخطر ببالهم قط أنها ستطلق عليهم النار. وفي حديثه إلى موقع “تروث آوت” (Truthout)، قال صادق عبد الحفيظ: “كنا نقوم بمراسم الدفن فحسب، وكان الأمر واضحاً للعيان”. وأضاف أنه بعدما وضعوا الشقيقتين في قبر واحد بسبب ضيق المساحة، بدأت المُحلّقة من نوع “كواد كوبتر” بإطلاق النار عليهم بشكل عشوائي: “دفناهما بسرعة وعلى عجل، ومن دون أي ترتيبات”.
اقترح صادق الخروج من المقبرة فرادى، إذ لم تترك الشواهد والقبور سوى ممر ضيق بالكاد يتسع لمرور شخص واحد. وقال: “كان مصطفى يسير خلفي على بعد 5 خطوات؛ وكنت أسمع وقع أقدامه إلى أن اختفى الصوت فجأة”. ثم سمعه يقول: “أشعر بطعنة حادة في ظهري”. وعلى الفور، حمل صادق مصطفى بمساعدة شقيقه وعمه نحو المخرج بينما واصلت المُحلّقة إطلاق النار. وعندما نزع صادق قميص مصطفى، وجد أثر رصاصة في ظهره.
وتصادف مرور مركبة تابعة لوزارة الصحة الفلسطينية بجوارهم؛ كانت المركبة تقل موظفين لكنها كانت تفتقر إلى مستلزمات الإسعافات الأولية. وضعوا مصطفى داخلها، ووضع صادق يده على عنقه للتحقق مما إذا كان يتنفس. وقال لي صادق: “شعرتُ بأنه فارق الحياة ونحن في السيارة”. وعند وصولهم إلى المستشفى الأهلي العربي، نُقل مصطفى إلى خيمة الطوارئ التي كانت تكتظ بأكثر من 100 جريح. وحاول الطبيب تقديم الإسعافات الأولية له، لكن من دون جدوى؛ إذ كان مصطفى قد فارق الحياة بالفعل.
تُعد الطائرة المسيّرة الصغيرة التي أودت بحياة مصطفى جزءاً من استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى نقل ساحة الحرب إلى صميم الحياة اليومية وتفاصيلها الحميمة.
آلة قتل يصفها المسؤولون الإسرائيليون بأنها “تشبه ألعاب الفيديو”
تُعد محلّقات “كواد كوبتر” طائرات مسيّرة تكتيكية صغيرة متعددة المراوح. ووفقاً للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، تستخدم “إسرائيل” طرازين من هذه الطائرات المسلحة: طراز “ماتريس 600” (Matrice 600) -الذي صُمم في الأصل للاستخدام المدني قبل تحويله إلى أداة للمراقبة وتنفيذ ضربات قاتلة، وطراز “لانيوس” (Lanius)، وهي طائرة مسيّرة عسكرية صُممت خصيصاً لهذا الغرض وتعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما أفاد موقع “زيتيو” (Zeteo) بأن “إسرائيل” تُعدّ أول قوة عسكرية في العالم تستخدم طائرة “كواد كوبتر” مسلحة في عمليات قتالية فعلية.
وعلى الرغم من أن مصطلح “كواد كوبتر” بات متجذراً في الحياة اليومية لسكان غزة، ومقترناً بأصوات إطلاق نار مفاجئ يخترق الأزقة والنوافذ، إلا أن استخدام “إسرائيل” لهذه المحلّقات المسلحة بدأ قبل 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
فقد تعرَّف الفلسطينيون في غزة على هذه التقنية لأول مرة خلال مسيرات العودة الكبرى عام 2018، عندما استخدمت القوات الإسرائيلية، بما في ذلك جنود الاحتياط الذين تم استدعاؤهم بصفتهم مشغلي طائرات مسيّرة، طراز “دي جي آي ماتريس 600” (DJI Matrice 600) لإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين العزّل، ما تسبب في وقوع إصابات بالغة.
وبحلول عام 2019، جرى تعديل بعض طرازات “كواد كوبتر” لتُستخدم في عمليات الاغتيال الموجهة، كما حدث في اغتيال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي بهاء أبو العطا. وبعد 3 سنوات، وتحديداً في تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، كشفت شركة “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems) العسكرية الإسرائيلية عن طائرة “لانيوس” (Lanius)، وهي طائرة مسيّرة بحجم كف اليد صُممت للملاحة الذاتية وتوجيه الضربات في المساحات الضيقة والمغلقة.
ومع بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أعقاب هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تحوّل استخدام هذا النوع من المحلّقات من النطاق المحدود والموجّه إلى الانتشار واسع النطاق في جميع أنحاء القطاع. وقد تكثف استخدامها لأغراض متعددة؛ شملت المراقبة، وإصدار أوامر الإخلاء والتهجير، والتسبب بحدوث إصابات، والقتل. وأفادت التقارير بأن هذه الطائرات المسيّرة اعتمدت تكتيك ترويع المدنيين عبر بث تسجيلات صوتية لصرخات أطفال يبكون، ونساء يستغثن، ونباح كلاب، لاستدراجهم إلى الأماكن المفتوحة قبل إطلاق النار عليهم. وفي هذا السياق، أكد مسؤولون أمنيون إسرائيليون، في حديث لـ”القناة 14″، استخدام ما أسموه “جيلاً جديداً من الأسلحة الفتاكة”، مشيرين إلى أن الطائرات من نوع “كواد كوبتر” “لا تتردد، ولا تتوقف، وتكاد تكون منعدمة الأخطاء”، مشبهين تشغيلها بـ”مشاهدة ألعاب الفيديو”.
محلّقات “كواد كوبتر” تستهدف الأطفال
لقد دفع الأطفال ثمناً باهظاً مع تزايد انتشار المُحلّقات الإسرائيلية من نوع “كواد كوبتر”. ففي 12 آب/ أغسطس 2026، وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، أسفر هجوم شنته مُحلّقة من هذا النوع في خان يونس إلى إصابة أب بجروح، وإصابة ابنه (13 عاماً) بجروح خطيرة، وذلك أثناء عودتهما سيراً على الأقدام إلى المنزل بعد شراء الفلافل. ووصف الأب الانفجار الذي أدى إلى تناثر الجميع بالقرب منه، ليجد ابنه ملقى على الأرض ينزف جراء إصابته بشظايا في الرأس والقدم.
وقبل ذلك بشهر، وتحديداً في 3 تموز/ يوليو 2026، ألقت مُحلّقة من نوع “كواد كوبتر” قنبلة على طفلين من عائلة “طوطح” بينما كانا يملآن أوعية المياه خلف المسجد العمري، شرقي مدينة غزة؛ ما أسفر عن مقتل أحدهما وإصابة الآخر.
ويتكرر هذا النموذج في أقسام المستشفيات في مختلف أنحاء قطاع غزة؛ إذ وثّق تقرير صادر عن مشروع “تكاليف الحرب” (Costs of War) بجامعة براون 18 حالة خلال شهر واحد فقط، من آب/ أغسطس إلى أيلول/ سبتمبر 2024، لأطفال أُدخلوا المستشفى جراء إصابتهم برصاص منفرد من عيار صغير في الرأس أو العنق أو الصدر أو البطن. وأفادت عائلات 90% من هذه الحالات بأن الأطفال تعرّضوا لإطلاق نار مباشر من مُحلّقات من نوع “كواد كوبتر”.
وفي بعض الأحيان، تأتي الأدلة من الجناة أنفسهم؛ ففي أيار/ مايو 2026، نشر جندي إسرائيلي من لواء “كفير” مقطع فيديو عبر حسابه الشخصي على “إنستغرام” يظهر مُحلّقة من نوع “كواد كوبتر” وهي تطلق النار على طفلين فلسطينيين حافيي القدمين في غزة. وظهر الطفلان وهما ينجوان من ضربة أولية، إلا أن الفيديو لم يكشف عن مصيرهما النهائي. وفي وقت لاحق، كشفت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أن لواء “كفير” قتل شقيقين يبلغان من العمر 9 و10 أعوام في ضربة بطائرة مسيّرة أثناء جمعهما الحطب، على مسافة تزيد عن 300 متر من أي وجود للجنود.
فرض الحصار
واليوم، تُستخدم هذه الطائرات المسيّرة كأداة رئيسة لفرض ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو حدّ كان قد وُضع في الأصل باستخدام كتل صفراء لتحديد المناطق المتوقع انسحاب القوات الإسرائيلية منها بموجب شروط وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول/ أكتوبر 2025. إلا أنه بدلاً من أن ينحسر هذا الخط، توسّع نطاقه.
ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” (OCHA)، فرض “الخط الأصفر” في البداية قيوداً على وصول الفلسطينيين إلى نحو 53% من مساحة قطاع غزة عقب اتفاق وقف إطلاق النار المذكور. ولاحقاً، استحدثت “إسرائيل” “خطاً برتقالياً” إضافياً، ما أدى إلى توسيع نطاق القيود الصارمة لتشمل 64.9% من مساحة القطاع بحلول حزيران/ يونيو 2026، الأمر الذي أدى إلى تكدّس أكثر من مليوني نسمة في مساحة آخذة في التقلص. وتتولى المُحلّقات من نوع “كواد كوبتر” مهمة فرض هذه الحدود الخفيّة، بحيث تحوم فوق أي شخص يقترب منها وتمنع النازحين من العودة إلى ديارهم.
ولم يُبدِ المسؤولون الإسرائيليون أي مؤشر على أن هذا الوضع سيتغير؛ ففي 9 آب/ أغسطس 2026، رفض نتنياهو خطة النقاط الـ15 الصادرة عن “مجلس السلام”، معلناً أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب حتى يتم تجريد حركة حماس من سلاحها. وفي ظل غياب آلية لإخطار السكان عند تقدم خطوط المواجهة، يستيقظ عدد كبير من الفلسطينيين ليجدوا أن مناطقهم قد أصبحت تحت مرمى النيران بين ليلة وضحاها.
ولا تقتصر هذه التهديدات على اليابسة فحسب؛ ففي 14 آب/ أغسطس 2026، أطلقت الزوارق الحربية الإسرائيلية ومُحلّقات من نوع “كواد كوبتر” النار على قارب صيد غرب مدينة غزة، ما أسفر عن إصابة 3 صيادين. ولا يوجد مكان، سواء على اليابسة أو في المياه، بمنأى عن متناول هذه المُحلّقات؛ الأمر الذي يزيد من إحكام الحصار يوماً بعد يوم.
إسكات الشهود
لقد بات الصحافيون الذين يحاولون توثيق عمليات القتل هذه أهدافاً بحد ذاتهم. وتروي إيمان العجلة، وهي صحافية تبلغ من العمر 24 عاماً وتقيم في غزة، ونجت من هجمات متعددة شنتها طائرات مسيّرة- لموقع “تروث آوت” (Truthout) كيف تُوجَّه هذه الأسلحة مباشرة ضد العاملين في مجال الإعلام الميداني.
ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وبعد رفضها النزوح جنوباً وبقائها في مدينة غزة، توجهت إيمان برفقة 6 من زملائها الصحافيين إلى مجمع الشفاء الطبي لتوثيق غارة إسرائيلية. وفور وصولهم، أطلقت مُحلّقة من نوع “كواد كوبتر” النار مباشرةً باتجاه المجموعة؛ وقالت مستذكرةً تلك اللحظات: “لقد أطلقوا النار علينا لمنعنا من توثيق الحقيقة”.
وبعد مرور أشهر، وتحديداً في مطلع تموز/ يوليو 2026، واجهت إيمان الطائرات المسيّرة مجدداً أثناء تغطيتها لتقدم “الخط الأصفر” في شرق حي الشجاعية برفقة مصورين صحافيين اثنين.
وقالت إيمان لموقع “تروث آوت” (Truthout): “فررنا من المنطقة على الفور ورأينا نيران الأسلحة تصيب الخيام، ما أدى إلى إصابة العشرات ممن كانوا بداخلها. لقد كان مشهداً مروعاً، وزاد من فظاعته أنه وقع خلال فترة وقف إطلاق نار معلن. وفي وقت لاحق، عاينا وصول مصابين بجروح خطيرة إلى المستشفى جراء عملية إطلاق النار تلك”.
في الختام، تمثل تجربة إيمان جزءاً يسيراً من حصيلة أوسع بكثير؛ إذ تواصل أعداد الشهداء في غزة ارتفاعها على الرغم من وقف إطلاق النار المُعلن، لتتجاوز اليوم 73 ألف شهيد؛ أي ما يعادل نحو 3.4% من سكان القطاع البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة قبل الحرب، وهو رقم لا يشمل أكثر من 174 ألف جريح. لقد شكّلت المُحلّقات من نوع “كواد كوبتر” أداة محورية في هذه الحملة المتواصلة بلا هوادة؛ فهي لا تتردد في تنفيذ مهامها، ويصعب الإفلات منها.
المصدر: موقع “Truthout” الأميركي




