من الرباط إلى دمشق… ولادة محور عربي جديد للواقعية والتوازن

سعيد التمسماني – العرب:
الرباط ودمشق تفتحان صفحة جديدة في العلاقات العربية قائمة على الواقعية السياسية والتكامل الاقتصادي لتشكيل محور عربي يعيد التوازن إلى المشهد الإقليمي المتحول.
لم تكن الزيارة الأولى لوزير الخارجية السوري إلى الرباط مجرد محطة بروتوكولية عابرة في سجل العلاقات الثنائية، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي عن بداية مرحلة جديدة في إعادة تشكيل التوازنات العربية على أسس أكثر براغماتية وواقعية. فالمغرب، الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ موقعه كفاعل دبلوماسي وازن داخل محيطه الإقليمي والدولي، يواصل اليوم إعادة هندسة علاقاته العربية وفق رؤية تقوم على الاستقرار والانفتاح وبناء الشراكات طويلة المدى.
اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنظيره السوري أسعد حسن الشيباني، حمل رسائل تتجاوز بكثير مضمون البيانات الدبلوماسية التقليدية. فإصرار الرباط ودمشق على إعطاء “زخم جديد” للعلاقات الثنائية يعكس إدراكا متبادلا بأن المنطقة العربية تدخل مرحلة إعادة تموقع إستراتيجي، تتراجع فيها الاصطفافات الجامدة لصالح منطق المصالح والتكامل السياسي والاقتصادي.
المغرب لا يتحرك هنا بمنطق ردّ الفعل أو المجاملة الدبلوماسية، بل من خلال تصور أوسع لدوره داخل الفضاء العربي. فالمملكة باتت تدرك أن استقرار المشرق العربي جزء من معادلة الأمن الإستراتيجي العربي الشامل، وأن إعادة بناء جسور التعاون مع سوريا تمثل مدخلًا لإحياء توازنات إقليمية أكثر عقلانية، بعيدًا عن منطق القطيعة المزمنة التي استنزفت النظام العربي لسنوات طويلة.
المغرب يرسخ موقعه كقوة دبلوماسية تجمع بين الانفتاح والبراغماتية فيما ترى دمشق في هذا الانفتاح فرصة لإعادة التموضع ضمن نظام عربي أكثر عقلانية واستقرارا
وفي المقابل، تبدو دمشق بدورها مدركة أن الانفتاح على المغرب يحمل أبعادًا تتجاوز البعد الثنائي. فالمملكة اليوم ليست مجرد دولة عربية ذات حضور تقليدي، بل قوة دبلوماسية صاعدة تمتلك شبكة علاقات واسعة مع أوروبا وأفريقيا والعالم الأطلسي، كما تحظى بمصداقية متزايدة داخل المؤسسات الدولية والإقليمية. ولذلك فإن تطوير العلاقات مع الرباط يفتح أمام سوريا إمكانات سياسية واقتصادية جديدة في مرحلة إعادة التموضع الإقليمي.
الأهم في هذه الدينامية الجديدة هو أن الطرفين اختارا الانتقال من مرحلة النوايا السياسية إلى منطق البناء المؤسساتي العملي، عبر مراجعة الأطر القانونية والمؤسساتية المؤطرة للعلاقات الثنائية. وهذه الخطوة تعكس توجهًا نحو تأسيس شراكة أكثر استدامة وفعالية، قائمة على آليات حديثة قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة.
كما أن الحديث عن توسيع التعاون ليشمل المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والإنسانية يكشف أن الرباط ودمشق تسعيان إلى بناء علاقة متعددة الأبعاد، لا تقتصر على التنسيق الدبلوماسي، بل تمتد إلى خلق فضاء تعاون شامل يعيد إحياء الروابط التاريخية بين الشعبين.
في العمق، تعكس هذه الزيارة حقيقة أوسع: المغرب أصبح اليوم فاعلًا مركزيًا في إعادة تشكيل جزء من التوازن العربي الجديد. فالدبلوماسية المغربية لم تعد تكتفي بإدارة العلاقات الثنائية بمنطقها التقليدي، بل باتت تتحرك وفق رؤية إستراتيجية تجعل من المملكة منصة للحوار وإعادة بناء الثقة ونسج التحالفات المرنة داخل عالم عربي يعيش تحولات عميقة.
إنها عودة دمشق إلى الرباط، لكنها أيضًا لحظة تؤكد أن المغرب يواصل بثبات توسيع مجاله الدبلوماسي، وترسيخ صورته كقوة عربية قادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والرؤية الإستراتيجية بعيدة المدى.




