مغادرة آخر المقاتلين تركيا: أزمة «الكردستاني» تنتقل إلى العراق؟

رسل الأمين – الأخبار:
يضع انسحاب «حزب العمال الكردستاني» من تركيا وتمركز مقاتليه في كردستان العراق، بغداد وأربيل أمام تحدّيات أمنية وسياسية، وسط مخاوف من انتقال الصراع إلى الأراضي العراقية، واستمرار أنقرة في توظيفه لتبرير وجودها العسكري في الشمال.
جاء إعلان «حزب العمال الكردستاني»، قبل أيام، سحب آخر قواته المقاتلة من الأراضي التركية، والتمركز الكامل في كردستان العراق، ليضع بغداد وأربيل أمام تحدٍّ أمني وسياسي إضافي، ولا سيما مع وجود مخاوف من سعي أنقرة لتصدير الأزمة التاريخية المرتبطة بوجود الحزب. وبحسب وسائل إعلام مُقرّبة من «الكردستاني»، فإن قرار الانسحاب يستهدف سحب الذرائع من حكومة «العدالة والتنمية» لتأجيل التزاماتها السياسية والقانونية، ولا سيما بعد إقرار البرلمان التركي، في آب الماضي، مشاريع قوانين تتّصل بإعادة دمج المقاتلين، علماً أن هذا المسار بدأ بمبادرة تركية عام 2024، وتخلّله إعلان الحزب حلّ نفسه، ومن ثمّ تسليمه السلاح في أيار 2025.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشأن السياسي، علي الحبيب، في حديث إلى «الأخبار»، أن «إعلان حزب العمال سحب جميع مقاتليه في هذا التوقيت، يمكن قراءته بوصفه خطوة لنقل الكرة إلى الملعب التركي». ويبيّن الحبيب أن «الحزب يسعى، بعد دعوة مؤسّسه عبد الله أوجلان إلى التخلّي عن السلاح، إلى إظهار أن العقبة لم تعُد تتمثّل في وجود مقاتليه داخل تركيا، بل في مدى استعداد أنقرة لتقديم ضمانات قانونية وسياسية واضحة». لكنه ينبّه إلى أن «انتقال المقاتلين إلى كردستان ينقل جزءاً أساسياً من الملف إلى العلاقة المُعقّدة بين بغداد وأربيل، ما يفرض وضع ترتيبات حازمة لتحديد أماكن الانتشار، وضمان عدم تحوّل هذا الوجود إلى عامل لتأجيج الصراعات».
غير أن القراءة العراقية للحدث لا تقف عند حدود «اختبار النوايا» بين تركيا والحزب؛ إذ يحذّر السياسي الكردي، هيمن محمد، من أن «إعلان إنهاء الصراع داخل الأراضي التركية، لا يعني بالضرورة نزع السلاح فعلياً، بل قد يقود إلى نقل الأزمة إلى إقليم كردستان ومناطق عراقية أخرى»، ولا سيما إذا كان انسحاب المقاتلين من الأراضي التركية، سيؤدي إلى إعادة تمركزهم داخل العراق، بدلاً من إنهاء وجودهم المُسلّح. ويعتبر محمد أن «تركيا قد تحقّق مكاسب أمنية من ذلك، لكن تداعيات الصراع ستنتقل إلى العراق»، داعياً إلى موقف عراقي واضح «يحمي السيادة الوطنية، ويمنع استخدام أراضي البلاد كامتداد للصراعات الإقليمية».
من جهتهم، ينبّه سياسيون إلى وجود تقاطعات استخباراتية دولية في ملفّ «الكردستاني»، محذّرين من أن التعاملات المُفترضة لبعض أجنحته مع جهات أجنبية، كـ«الموساد» الإسرائيلي، والتي تستهدف جمع معلومات أو تنفيذ أنشطة تمسّ بالاستقرار، قد تحوّل شمال العراق إلى ساحة مفتوحة للاختراقات الأمنية والتجسّس، وهو ما يعطي تركيا مسوّغات دائمة لشنّ ضربات صاروخية وعمليات عسكرية متكرّرة. كما يعتقد هؤلاء أن «السلام التركي» لن يعود بالضرورة بالنفع على العراق ما لم تُقابله رؤية أمنية وسياسية موحّدة بين بغداد وأربيل، تُرغِم أنقرة على سحب كامل قواتها وتفكيك قواعدها في الشمال.
القراءة العراقية للحدث لا تقف عند حدود «اختبار النوايا» بين تركيا والحزب
وفي مقابل تلك التحذيرات، يتبنّى بعض المراقبين رؤية أكثر تفاؤلاً، عادّين «انسحاب حزب العمال بداية لإنهاء صراع طويل امتدّ لعقود، وخصوصاً بعد إعلان أوجلان الانتقال إلى العمل السياسي وانتفاء الحاجة إلى السلاح»، وفق ما يذهب إليه مثلاً الخبير الاستراتيجي، نبيل العزاوي. ويرى العزاوي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «هذه الانسحابات ستؤسّس لمرحلة جديدة؛ إذ إن تركيا كانت تتحجّج دائماً بوجود الكردستاني لتبرير بقاء معسكراتها. إلّا أنه بإلقاء السلاح، ستتشكّل خرائط سياسية جديدة، وستُستثمر علاقات اقتصادية وأمنية بين بغداد وأنقرة». كما يؤكد أن «الحكومة الاتحادية برئاسة علي الزيدي عازمة على إنهاء هذا الإشكال، وبناء علاقات معافاة مع الجانب التركي لا تسمح بوجود قواعد أجنبية على الأراضي العراقية».
وبصورة أعمّ، يدعو السياسي الكردي، دلشير آڤيستا، إلى وضع ملفّ الانسحاب في سياقه التاريخي والسياسي الشامل، وعدم اختزاله في البعد الأمني المُجرّد. ويعتقد أن «انسحاب المقاتلين إلى العراق لا يعني بالضرورة نقل الأزمة، إذا ما اقترن بحلّ ديمقراطي جذري للقضية الكردية في الدول الأربع، يضمن الحقوق السياسية والثقافية للمُكوِّن الكردي ويحترم سيادة الدول». ويذكّر آڤيستا بالسياق التاريخي الذي شهد دخول الحزب إلى مناطق من مثل سنجار عام 2014 لمواجهة تنظيم «داعش» وإنقاذ المُكوِّن الأيزيدي، مبيّناً أن «استحضار هذه الوقائع لا يعني إعفاء أيّ طرف من مسؤولياته القانونية، أو منحه حقاً دائماً في البقاء المُسلّح، بل يستوجب فهم الظروف الانتقالية». ويرى أن «نجاح هذه الخطوة يعتمد على ثلاثة مسارات تتوزّع بين بغداد وأربيل، هي: فتح حوار سياسي شامل، وإدارة العلاقات الدبلوماسية مع أنقرة بناءً على احترام السيادة الوطنية، وتعزيز دولة المواطنة بما يتيح تجريد السلاح من أيّ مُسوّغات وجودية».




