رأي

معركة الرسوم الجمركية

د. عاطف عبدالله – بوابة الأهرام:
شكّل قرار المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء جزء كبير من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، نقطة تحول في مسار السياسة التجارية الأمريكية؛ إذ رأت المحكمة أن استناد ترامب إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977 لتبرير فرض رسوم جمركية واسعة النطاق على الواردات الأمريكية من الحلفاء والخصوم على حد سواء، لا ينسجم مع حدود التفويض الدستوري الممنوح للسلطة التنفيذية.

هذا التطور لا يقتصر على الجانب القانوني، بل يحمل أبعادًا إستراتيجية تتصل بإعادة تعريف نطاق استخدام الأدوات التجارية في السياسة الخارجية. فالحكم يعزز مبدأ الفصل بين السلطات، ويؤكد أن القرارات الاقتصادية ذات التأثير الدولي تخضع لمعايير رقابية دقيقة، بما يحد من توسيع تفسير مفهوم “الطوارئ” لأغراض تجارية.

الاستجابة التنفيذية وإعادة تموضع الأدوات
جاء رد ترامب على قرار المحكمة سريعًا عبر إعلان فرض رسوم جديدة بنسبة 10% على الواردات، ثم عاد ورفعها إلى 15% وفق الأطر القانونية البديلة، إلى جانب إطلاق تحقيقات قد تمهد لإجراءات إضافية. هذه الخطوات تعكس انتقالًا من استخدام أدوات استثنائية إلى توظيف مسارات قانونية تقليدية، وإن كانت أكثر تعقيدًا من حيث الإجراءات والمدة الزمنية.

إستراتيجيًا، يمكن قراءة هذه التحركات باعتبارها محاولة للحفاظ على عنصر الضغط في المفاوضات التجارية، لكن ضمن قيود مؤسسية أوضح. فالرسوم لم تعد أداة فورية مطلقة، في يد ترامب، بل أصبحت مشروطة بإجراءات تحقق وتبرير قانوني أكثر صرامة.

الكلفة الاقتصادية ومعادلة العائد
الرسوم التي شملها الإلغاء تراوحت بين 10% و34%، وحققت إيرادات للحكومة الفيدرالية تقدر بنحو 170 مليار دولار. غير أن هذا العائد المالي يقابله جدل قانوني واقتصادي واسع، خاصة مع مطالبة أكثر من ربع مليون شركة باسترداد ما يقارب 134 مليار دولار من الرسوم التي قد تُصنف باعتبارها جُمعت دون أساس قانوني كافٍ.

هنا تتضح معادلة أكثر تعقيدًا، فالرسوم ليست مجرد أداة ضغط خارجي، بل عنصر مؤثر في هيكل التكلفة داخل الاقتصاد الأمريكي، بما يشمل أسعار السلع وسلاسل الإمداد وتنافسية الشركات، وتأثير ذلك على المستهلكين. وبالتالي فإن أي تغيير في شرعية هذه الرسوم ينعكس مباشرة على حسابات الموازنة والقطاع الخاص.

النفوذ التفاوضي بين الردع والقيود
كان الاعتماد على قانون الطوارئ الاقتصادية يمنح ترامب قدرة على فرض رسوم “في أي وقت ولأي سبب” تقريبًا، وهو ما وفر عنصر ردع تفاوضي سريع. إلا أن الحكم القضائي حدّ من هذا الهامش، ما يعني أن استخدام الرسوم كأداة ضغط سيصبح أكثر خضوعًا للزمن والإجراءات.

مع ذلك، لا يعني القرار فقدان النفوذ بالكامل، إذ لا تزال هناك تشريعات تجارية أخرى تتيح له فرض رسوم بعد تحقيقات مطولة.

الفرق الجوهري يكمن في أن عنصر المفاجأة والسرعة لم يعد متاحًا بالقدر نفسه، وهو ما قد يغيّر ديناميكيات التفاوض مع الشركاء التجاريين.

السياق الدولي والداخلي
دوليًا، قد يوفر الحكم قدرًا من الاستقرار النسبي للشركاء الذين عانوا من تقلبات متسارعة في السياسة التجارية الأمريكية منذ أبريل الماضي. غير أن استمرار التحقيقات وإمكانية فرض رسوم جديدة يبقيان عنصر عدم اليقين قائمًا، وإن في إطار أكثر تنظيمًا.

أما داخليًا، فيأتي القرار في لحظة حساسة تتقاطع فيها ملفات التجارة مع قضايا تكلفة المعيشة وتباطؤ النمو. فالرسوم الجمركية تؤثر في أسعار الواردات، ما يجعلها جزءًا من النقاش الاقتصادي والسياسي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

النهاية لم تُكتب بعد
لا يمثل الحكم القضائي نهاية لاستخدام الرسوم الجمركية في السياسة الأمريكية، لكنه يعيد تعريف قواعد استخدامها. إذ انتقلت الأداة من مساحة “الاستثناء الواسع” إلى نطاق “التقييد القانوني المنضبط”.

وبينما تحتفظ الإدارة الأمريكية بهوامش حركة عبر قوانين بديلة، فإن التوازن المؤسسي الذي كرّسه القرار يعكس مرحلة جديدة في إدارة السياسة التجارية، تقوم على ضبط الصلاحيات التنفيذية، وإعادة مواءمة أدوات الضغط الاقتصادي مع الأطر الدستورية والرقابية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى