أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: شبح النزوح مجدداً

لم يكن الفجر الذي شهده اللبنانيون اليوم عادياً؛ موجة نزوح جديدة انطلقت على وقع التصعيد الإسرائيلي، أعادت إلى الأذهان مشاهد عام 2024 حين تحولت قرى الجنوب وأحياء الضاحية الجنوبية إلى ساحات قصف مفتوح، ودُفع عشرات الآلاف إلى ترك منازلهم تحت وطأة الخوف والدمار. اليوم، يتجدد القلق من انزلاق الأمور نحو تكرار تلك الحرب بكل تداعياتها الإنسانية والاقتصادية.

لبنان، الذي لم يتعافَ بعد من آثار الانهيار المالي ومن تداعيات المواجهات السابقة، يجد نفسه أمام اختبار صعب: هل يملك القدرة على استيعاب موجة نزوح جديدة إذا توسعت رقعة القصف وامتدت إلى قرى الجنوب أو أحياء مكتظة في الضاحية؟ التجربة القريبة تشير إلى أن القدرة محدودة، وأن أي تصعيد واسع قد يفوق إمكانات الدولة والمجتمع معاً.

في عام 2024، شكّل نزوح الجنوبيين ضغطاً هائلاً على المناطق البعيدة عن الحرب، لا سيما في بيروت وجبل لبنان والبقاع. تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، ولم تتحمل البنى التحتية المتهالكة ضغطاً إضافياً على الكهرباء والمياه والخدمات الصحية. واليوم، تبدو الظروف أكثر هشاشة، مع استمرار الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما يعني أن أي موجة نزوح جديدة قد تكون أكثر إيلاماً وأطول أمداً.

ولا يقتصر الخوف على فقدان المأوى، بل يتعداه إلى تكرار مشهد القصف اليومي للقرى الجنوبية والضاحية والبقاع، وما يحمله من دمار للمنازل والأراضي ومصادر الرزق. إن استهداف مناطق مكتظة في الضاحية، كما حصل سابقاً، يثير هواجس كارثة إنسانية في حال اضطر مئات الآلاف إلى التحرك دفعة واحدة نحو مناطق أكثر أماناً.

في مواجهة هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحّة إلى إجراءات استباقية واضحة:

أولاً: تفعيل خطط الطوارئ على مستوى الوزارات والبلديات، وتجهيز مراكز إيواء لائقة تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
ثانياً: تنظيم عملية النزوح داخلياً لتفادي الفوضى، عبر تحديد مناطق استقبال وتوفير دعم لوجستي سريع.
ثالثاً: تأمين مخزون استراتيجي من المواد الغذائية والطبية تحسباً لأي توسع في رقعة المواجهات.

إلى جانب ذلك، يبقى العامل السياسي والأمني هو الأساس. فاحتواء التصعيد ومنع انزلاقه إلى حرب شاملة هو السبيل الوحيد لتفادي كارثة نزوح واسعة. فلبنان، المنهك اقتصادياً واجتماعياً، لا يحتمل تكرار سيناريو 2024 بكل ما حمله من خوف ودمار وتشريد.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى