مصر والسعودية.. العلاقات الاقتصادية في حسابات الدعم العسكري!

يحيى الصادق – الميادين:
هل كانت هذه العلاقات على طاولة البحث أثناء دراسة القاهرة إمكانية إرسال قوات إلى السعودية؟ وهل استثمرت الأخيرة الأوضاع الاقتصادية المصرية لطلب الدعم العسكري؟
لا يمكن النظر إلى قرار القاهرة إمكانية إرسال قوات عسكرية لها إلى السعودية بمعزل عن تطوّرات العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، فالمصالح السياسية والاقتصادية لا يمكن فصلها بعضها عن بعض، ويبدو هذا الاندماج واضحاً في أوقات الأزمات والنزاعات، أو عند محاولة الدول استعادة علاقاتها السياسية وتطويرها، أو اتجاهها إلى تأسيس تكتل إقليمي، وما إلى ذلك.
والعلاقات الاقتصادية المصرية السعودية تحظى منذ سنوات بمستوى عالٍ من اهتمام البلدين، وعلى ذلك فهي تشهد منذ العام 2015 تطوّراً لافتاً، وهو العام الذي كرّس فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي سلطته في مصر بعد إنهاء حكم الإخوان المسلمين، وبروز نفوذ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خاصة أنّ الرياض كانت، إلى جانب أبو ظبي، من الداعمين الرئيسيين، سياسياً واقتصادياً، لإنهاء حكم الإخوان.
وقد تجلّى الدعم الاقتصادي الخليجي، والسعودي منه تحديداً، بعدة أشكال، بدأت بدعم احتياطيات البلاد من القطع الأجنبي عبر إيداع مبالغ ضخمة في المصرف المركزي، مروراً بضخ الاستثمارات وتشجيع انتقالها بين البلدين، وصولاً إلى رفع قيمة المبادلات التجارية وإزالة العوائق أمامها.
ودائع واستثمارات كبيرة
بعد عدة أشهر من الإطاحة بحكم الإخوان، وسعياً منها إلى دعم التحوّل السياسي الجديد وضمان الاستقرار المالي في البلاد، تعهّدت عدة دول خليجية، وفي مقدّمتها السعودية، بتقديم دعم مالي على هيئة ودائع ثابتة في البنك المركزي المصري، وقد بلغت قيمة تلك الودائع حتى تاريخه نحو 18.3 مليار دولار، منها نحو 10.3 مليارات دولار ودائع سعودية، أي ما نسبته نحو 56% من إجمالي الودائع الخليجية.
أسهمت هذه الودائع في دعم سعر صرف الجنيه في مواجهة الأوضاع الاقتصادية التي مرّت بها البلاد خلال السنوات الماضية، ولا سيما اضطرابات حركة الملاحة عبر قناة السويس وتراجع إيراداتها، إضافة إلى ارتفاع قيمة الديون الخارجية للبلاد، التي وصلت، بحسب تقديرات صندوق النقد العربي لعام 2024، إلى نحو 155.5 مليار دولار، أو ما نسبته 38.8% من إجمالي الناتج المحلي.
وتشير البيانات المصرية إلى أنّ الودائع السعودية موزّعة على قسمين: ودائع متوسطة وطويلة الأجل، وتبلغ قيمتها نحو 5.3 مليارات دولار، وقد انتهت مدتها هذا الشهر، وتجري حالياً مفاوضات مكثّفة بين الجانبين على أمل تجديدها. أما القسم الثاني، فهو عبارة عن ودائع قصيرة الأجل، وتبلغ قيمتها نحو 5 مليارات دولار، وهي تُجدَّد بشكل تلقائي سنوياً.
في السياق نفسه، تحضر الاستثمارات المتبادلة، التي وصلت إلى مراحل متقدّمة، سواء بالنسبة إلى الجانب السعودي أو الجانب المصري. وبحسب البيانات الرسمية المصرية، فقد تراوحت القيمة التراكمية لاستثمارات القطاعين الحكومي والخاص السعودي في مصر بين 37 و38 مليار دولار، حيث تعمل في السوق المصرية أكثر من 800 شركة سعودية في قطاعات العقارات والسياحة والزراعة والصناعات الغذائية وغيرها.
ولم تكن الاستثمارات المصرية في السعودية أقل أهمية، إذ تظهر البيانات السعودية أنّ هذه الاستثمارات شهدت قفزة نوعية بالتزامن مع “رؤية المملكة لعام 2030″، التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان في العام 2016. وتشير التقديرات الأولية إلى أنّ استثمارات الشركات المصرية العاملة في السعودية، والبالغ عددها نحو 6830 شركة تعمل بترخيص مصري أو مشترك، تُقدَّر بنحو 18.7 مليار ريال سعودي، وتتركّز غالبيتها في قطاعات المقاولات والإنشاءات والخدمات الاستشارية.
حكومياً، يعمل البلدان على تنفيذ عدة مشاريع ثنائية، أهمها مشروع الربط الكهربائي، الذي يوصف بأنه أضخم مشروع ربط للطاقة في المنطقة، بتكلفة تتجاوز 1.8 مليار دولار، وبقدرة تبادلية تصل إلى 3000 ميغاواط. ويهدف إلى تعزيز موثوقية شبكات الكهرباء، وإتاحة تبادل الطاقة بين النظامين الكهربائيين، وتحسين الاستفادة من قدرات التوليد، ودعم فرص التعاون المستقبلي في مجال الطاقة المتجدّدة.
وهناك كذلك اتفاقية بين صندوق الاستثمارات العامة وصندوق مصر السيادي، تهدف إلى ضخّ حزم استثمارية تبلغ قيمتها المستهدفة 10 مليارات دولار في قطاعات الرعاية الصحية والتعليم والزراعة والخدمات المالية.
وإلى جانب العدد الكبير من الشركات المصرية العاملة في السوق السعودية، تحضر جالية مصرية كبيرة يُقدَّر عدد أفرادها بنحو 4 ملايين مواطن مصري، منهم نحو 1.4 مليون عامل مسجّلين بشكل رسمي في سوق العمل السعودية. وبحسب ما تضيفه البيانات المصرية، فإنّ تحويلات هؤلاء العاملين المصريين إلى بلادهم بلغت نحو 8.3 مليارات دولار في السنة المالية 2022-2023، ونحو 8 مليارات دولار في السنة المالية 2023-2024، وارتفعت إلى نحو 12 مليار دولار في العام التالي 2024-2025. ولهذه التحويلات أثرها الكبير في إنفاق شريحة واسعة من الأسر المصرية، وفي واردات البلاد من القطع الأجنبي.
فائض تجاري سعودي
أما المبادلات التجارية، فقد نمت بشكل واضح خلال الفترة المذكورة بشكل واضح. وبحسب بيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء المصري فإنّ المبادلات التجارية بين البلدين زادت خلال عامي 2023 و2024 من نحو 8.2 مليارات دولار إلى نحو 11.3 مليار دولار، ومن ثمّ وصلت وفقاً لبيانات سعودية إلى أكثر من 18 مليار دولار في العام الماضي.
وتظهر تركيبة المبادلات فائضاً سعودياً مع تسجيل المستوردات المصرية زيادة واضحة من نحو 5.5 مليارات دولار في العام 2023 إلى نحو 7.9 مليارات دولار في العام 2024، فيما كانت قيمة الصادرات المصرية إلى السعودية محدودة وإن زادت بشكل قليل، حيث لم تتجاوز في العام ما قبل الماضي نحو 3.4 مليارات دولار، وذلك مقارنة بنحو 2.7 مليار دولار في العام السابق 2023.
يأتي النفط ومشتقاته في صدارة الصادرات السعودية، فقد بلغت واردات مصر من الوقود والزيوت المعدنية السعودية نحو 5.6 مليارات دولار في العام 2024، أي قرابة 71% من إجمالي الواردات المصرية من السعودية، وذلك وفقاً لبيانات جهاز الإحصاء المصري. وهذا يعني أنّ منتجات الطاقة تشكّل نسبة ليست قليلة من الميزان التجاري بين البلدين، وأنّ قيمة التبادل ليست انعكاساً للتجارة الصناعية وحدها.
كما تشكّل اللدائن والبتروكيماويات مكوّناً مهماً آخر من إجمالي الواردات المصرية، حيث بلغت قيمتها نحو 1.3 مليار دولار، إضافة إلى نحو 285 مليون دولار من المنتجات الكيميائية العضوية. ويعكس ذلك ارتباطاً بين قطاعي الطاقة والصناعات التحويلية في البلدين؛ فالسعودية مصدر للمواد الخام والمنتجات البتروكيماوية، بينما تتيح السوق المصرية فرصاً للاستهلاك والتصنيع والتوزيع.
أما الصادرات المصرية، التي توصف بأنها أكثر تنوّعاً من حيث القطاعات، فعلى الرغم من تنوّعها، فإنّ حجمها الإجمالي أقلّ، وهي تشمل المنتجات الزراعية والغذائية والكيماوية والحديد والصلب والملابس والأثاث ومنتجات صناعية أخرى.
أسئلة مشروعة
يبدو هذا الاستعراض السريع لمسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين ومجالاتها وآفاقها المستقبلية ضرورياً لفهم خلفيات التحرّك المصري الأخير، وبالتالي طرح تساؤلات محقة وضرورية من قبيل: هل كانت هذه العلاقات على طاولة البحث أثناء دراسة القاهرة إمكانية إرسال قوات إلى السعودية؟ وهل استثمرت الأخيرة الأوضاع الاقتصادية المصرية لطلب الدعم العسكري؟ وهل يمكن لتباين وجهات نظر البلدين حول هذه المسألة أن ينعكس سلباً على مجالات التعاون الاقتصادي، وتحديداً مسألة الودائع البنكية والاستثمارات السعودية والعمالة المصرية؟
حتى الآن، تبدو الإجابة عن هذه التساؤلات عبارة عن وجهات نظر، أو أنها أقرب إلى التحليل. فما جرى من مباحثات بين مسؤولي البلدين أثناء مناقشة مسألة تقديم الدعم العسكري هو وحده ما يمكنه أن يجيب بدقة عمّا سبق، وهذه المباحثات لا يزال يغلّفها الكتمان والسرية.



