مخاوف تتهدد الشراكة الأمريكية – الهندية

كتب د. محمد السعيد إدريس, في الخليج:
الظهور اللافت لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في «قمة منظمة شنغهاي للتعاون»، التي استضافتها الصين(1-2/ 9/ 2025) في مدينة «تيانجين» الشمالية بجوار الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى جانب باقي القادة الذين حضروا هذه القمة، وما صدر عنها من قرارات وما جرى توقيعه من اتفاقيات، اعتبرتها مصادر سياسية وإعلامية أمريكية بمثابة «ناقوس خطر» يتهدد المصالح الاستراتيجية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادي، نظراً لما تخشاه هذه المصادر من تحولات باتت غير مستبعدة، في السياسة الهندية نحو الصين وروسيا على حساب الشراكة الاستراتيجية الأمريكية – الهندية.
من بين أبرز وأهم تلك المصادر كانت مجلة «فورين أفييرز»، القريبة من دوائر الحكم في واشنطن، التي اعتبرت زيارة رئيس وزراء الهند للصين وحضوره المميز لقمة «منظمة شنغهاي للتعاون» وهي أول زيارة يقوم بها مودي للصين منذ توتر العلاقات بين الجارتين الآسيويتين في عام 2020، «تحولاً مثيراً» في العلاقات الهندية – الصينية، ستكون له حتماً انعكاساته السلبية على العلاقات الهندية – الأمريكية، وأرجعت المجلة جانباً كبيراً من أسباب هذا التحول إلى سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «غير المنضبطة» نحو الهند في الأشهر الأخيرة على وجه التحديد.
وكان تعليق المجلة على هذا التحول في السياسة الأمريكية التي تعتبرها الهند مفاضلة أمريكية للصين عليها أنه: «إذا استمر ترامب في استهداف الهند، فقد يؤدي ذلك إلى تخليق وضع تختار فيه الهند التعاون بشكل أقل مع الولايات المتحدة وشراء كميات أقل منها وربما بذل المزيد من الجهد مع الصين وغيرها على حساب العلاقات مع واشنطن».
هذا الاستنتاج كان دافعاً لإعادة قراءة وتقييم أسباب هذا التحول، مقارنة بالعلاقات بين البلدين على مدى 25 سنة مضت وعلى الأخص في الأشهر الأولى التي أعقبت تولي دونالد ترامب الحكم في ولايته الثانية الحالية.
فعلاقات الشراكة الاستراتيجية مع الهند التي كانت أهم معالم إستراتيجية
«ترامب–الآسيوية»، تجاوزت ما أقدمت عليه إدارات الرؤساء جورج دبليو بوش وبارك أوباما وجو بايدن، التي اعتمدت على الهند في التوجه الأمريكي نحو آسيا لمواجهه العدو الاستراتيجي الأول وهو الصين ورفعت معدلات التعاون التكنولوجي والدفاعي مع الهند، خاصة في ولاية
بايدن التي تم فيها تأسيس تحالف آسيوي تقوده أمريكا في آسيا على غرار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، يضم الولايات المتحدة مع الهند واليابان وأستراليا (تحالف كواد)، هذه الشراكة باتت مهددة الآن بسبب سياسات ترامب مع الهند.
ففي الزيارة المهمة التي قام فيها رئيس وزراء الهند لواشنطن (الخميس13/ 2/ 2025)، أعلن ترامب خلال مؤتمر صحفي مع مودي أنهما اتفقا على بدء محادثات لمعالجه ما أسماه ب«التفاوتات المزمنة في الميزان التجاري بين البلدين»، وأشار إلى أن واشنطن ستبيع نيودلهي مقاتلات من طراز «إف-35» لتصبح بذلك الهند واحدة من الدول القليلة التي تمتلك هذه الطائرات الخفية فائقة التطور.
ومن جهته أعلن مودي أن بلاده «تسعى للتواصل قريباً جداً إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة يكون مفيداً للطرفين» وقال: «من أجل ضمان أمن الطاقة في الهند، سنركز على التجارة في النفط والغاز، والاستثمار في البنى التحتية للطاقة سيزداد في مجال الطاقة النووية». وتعليقاً على هذه الرؤى للزعيمين أكد مسؤول أمريكي رفيع المستوى أن البلدين «يتجهان نحو توقيع شراكه دفاعيه جديدة» كما أشار إلى «مناقشات حول طلبيات عسكرية جديدة ومشتريات هندية من الطاقة الأمريكية، بهدف تقليص العجز في الميزان التجاري الأمريكي مع الهند قدره 45.6 مليار دولار 2024 وفي هذه الزيارة ناقش مودي وترامب فكرة «التحالف الأمني الرباعي».
هذا التوجه بدأ يواجه انتكاسات متتالية، بسبب سياسات ترامب سواء ما يتعلق بالعلاقة المباشرة مع الهند أو في سياساته الآسيوية، خاصة مع الصين، ناهيك عن تقاربه الزائد مع باكستان على حساب العلاقة مع الهند.
إعطاء ترامب كل الأولوية في سياساته لإصلاح الخلل في الميزان التجاري الأمريكي مع معظم دول العالم ومنها الهند، دفعته لفرض تعريفة جمركية بنسبة 50%، اعتبرتها الهند «عقوبة» لشرائها النفط الروسي بعد غزو روسيا لأوكرانيا.
جاء ذلك في وقت يبدو فيه ترامب أكثر حرصاً على التوصل إلى اتفاق مع الصين وزاد الموقف سوءاً بعد إعلان ترامب في أواخر يوليو/ تموز الماضي مع باكستان الخصم الأهم للهند، أن الولايات المتحدة ستعمل على تطوير احتياطات النفط الباكستانية، ناهيك عن الدعم والمساعدة الأمريكية لباكستان في اشتباكاتها الأخيرة مع الهند، وإعلان ترامب أن وساطته بين الهند وباكستان هي التي أنهت الأزمة بين البلدين، الأمر الذي تنفيه الهند بشدة، في وقت ترى فيه أن ترامب لا يظهر اهتماماً كبيراً بالمصير الجيوسياسي لمنطقه المحيطين الهندي والهادي بشكل عام وجنوب آسيا على وجه الخصوص، الأمر الذي تراه الهند فرصة مواتية لتعزز الصين نفوذها في هذه المنطقة على حساب الهند.
كل هذه المآخذ الهندية أخذت تثير مخاوف لدى كثير من الأمريكيين، خشية أن تدفع الهند للارتماء في أحضان الصين وروسيا، الأمر الذي تكشفت ملامحه في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» الأخيرة.




