
عبد الباسط سيدا -العربي الجديد:
تباينت الآراء والمواقف على المستويين الكردي والسوري بشأن إعلان مصطفى خليل عبدي (مظلوم عبدي) في 25 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، ومن داخل القصر الجمهوري في دمشق، عن انتهاء عمليات دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والأجهزة والمؤسسات الخاصة بالإدارة الذاتية، التي كان حزب الاتحاد الديمقراطي (الواجهة السورية لحزب العمّال الكردستاني) قد شكلها من طرف واحد عام 2014، ضمن مؤسّسات الدولة السورية ووزاراتها وهيئاتها وقواتها، بالإضافة إلى إعلانه حل “قسد”، بعد انتهاء مهمتها على حد تعبيره.
وقد تراوحت حدود التباينات بين التهجّم والتشكيك والتخوين، وبين التأييد المطلق والإشادة بالحكمة والوطنية والبراغماتية التي جسّدها عبدي بخطوته تلك. وبين الموقفين النقيضين جاءت سلسلة من مواقف أقل حدّية، وأكثر واقعية وقدرة على فهم الأمور، عبر وضعها ضمن سياق تطور الأحداث التي شهدتها، وتشهدها، منطقتنا وسوريا في العقدين الأخيرين على الأقل؛ وتفاعل المواقف الإقليمية والدولية، وانعكاسات ذلك كله على الوضعين الكردي والسوري.
لن تتناول هذه المقالة ظروف (وخلفيات) دخول حزب العمّال الكردستاني إلى الساحة الكردية السورية قبل أكثر من 45 عاماً، ولن نبحث في تفاصيل النتائج التي ترتبت على ذلك الدخول في مراحله المختلفة، فهذا الموضوع، الذي سيأخذ كثيراً من الوقت والمساحة، تطرقنا إليه في أكثر من مكان ومناسبة، ويمكن للمهتم أن يعود إلى ما قلناه وكتبناه، وكتبه غيرنا، في هذا المجال بغية مزيد من الاطلاع والتمكّن من إخضاع ما ذهبنا إليه في حينه لنقد عقلاني موضوعي يتجاوز حدود الشعارات والمزايدات والمبالغات والاتهامات التي تزيد تائهين كثيرين تيهاً. وإنما ستركز المقالة على التطورات الأخيرة، وستفترض ضمناً أن لدى القارئ المهتم معرفةً أساسية بالموضوع، ويمتلك فهماً لماهية التحولات وأسبابها.
هل سيبذل عبدي الجهود مع المقرّبين منه لإفساح المجال أمام القوى السياسية والفعاليات المجتمعية والثقافية وأصحاب الاختصاصات المهنية من خارج دائرة جماعته؟
لم تكن خطوة عبدي حصيلة مناقشات داخلية معمّقة بين القوى السياسية والمجتمعية والثقافية الفكرية ومنظمات المجتمع المدني الكردية السورية بتياراتها وتوجهاتها ومواقفها واعتباراتها المختلفة، ولكنها أثرت، وستؤثر، في واقع القضية الكردية السورية ومستقبلها، ونحن إذا ما ربطنا الأحداث ببعضها سنصل إلى نتيجة أن هذه الخطوة كانت حصيلة جملة من العوامل الخارجية فرضت نفسها على الواقع الكردي السوري الخاص، والسوري العام، وعلى واجهات حزب العمّال في سورية تحديداً.
في مقدّمة هذه العوامل، يأتي قرار الرئيس الأميركي ترامب بالتزامن مع مجيء الإدارة السورية الجديدة رفع الغطاء عن “قسد”، والخروج من سورية، وإتاحة المجال أمام تركيا للتعامل مع هذا الملف، ضمن إطار تعاملها مع موضوع حزب العمّال الكردستاني لديها. وعلى الرغم من تأكيد مظلوم عبدي، في بداية الأمر، أن طلب عبد الله أوجلان ضرورة تخلّي حزب العمّال عن السلاح وحل نفسه لا يعنيهم في “قسد”؛ إلا أن مسار الأحداث أثبت بما لا يدع أي مجال للشك أن موضوع “قسد” كان ضمن حزمة توافقات كانت قد تمت بين أوجلان والدولة التركية، ولم يتمكن عبدي من تجاوزها أو الإخلال بها. ومن الواضح أن إدارة الرئيس أحمد الشرع نفسها قد أخذت تلك التوافقات بالاعتبار، والتزمت بوجهة نظر إدارة ترامب في هذا المجال، كما أخذت رأي الجانب التركي بعين الاعتبار. ولم يتجاوز الدور الفرنسي في الموضوع حدود الجانب المعنوي الرمزي، وهذا الاستنتاج مستخلص من حصيلة ما آلت إليه الأمور بين إدارة ترامب وأوروبا، وفرنسا تحديداً.
وكان للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وأذرعها في المنطقة، والضغط الأميركي على الحكومة العراقية لتقوم بواجباتها السيادية عبر ضبط السلاح المنفلت في حوزة الفصائل العراقية الولائية العراقية المرتبطة عضوياً بالحرس الإيراني، الأثر الكبير على صعيد تراجع إمكانية حزب العمّال عبر القيادة القريبة من النظام الإيراني في ميدان بث الفوضى ضمن إقليم كردستان العراق، سواء في المناطق الواقعة ضمن إدارة الإقليم بموجب الدستور العراقي، أو في المناطق المتنازع عليها غير التابعة بصورة رسمية للإقليم، وهي المناطق القريبة أو المحاذية للحدود السورية العراقية.
كل هذه العوامل، وربما غيرها، ساهمت في وصول الأمور بين الدولة التركية وأوجلان إلى مرحلة متقدمة تُوّجت بإصدار قانون “تعزيز التضامن الوطني والتكامل المجتمعي” ضمن سياق مسار تركيا خالية من الإرهاب”. وكان لافتاً توقيع أعضاء حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المحسوب على حزب العمّال بكثافة على مشروع القانون المذكور، وترحيبهم الواسع بصدوره، على أمل أنه سيساعد على عودة عناصر حزب العمّال وقياداته إلى مناطقهم، ليندمجوا ضمن الحياة المدنية بعد حل الحزب المذكور؛ وربما فتح الآفاق أمام حل عادل للقضية الكردية في تركيا. مع العلم أنه لم يجر الحديث رسمياً من جهة التحالف الحاكم في تركيا بصورة صريحة علنية، أو حتى تلميحية، حول إمكانية حدوث أمر من هذا القبيل.
وبغض النظر عن دوافع مظلوم عبدي، والمجموعة التي تعاونت وتفاهمت معه، سواء ضمن قيادة “قسد” أم قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، لاتخاذ هذه الخطوة التي نحن بصددها، والإمكانات الواقعية التي ستتبلور ملامحها مستقبلاً بناء عليها.
وجدير بالإشارة إليه في هذا السياق الترحيب العربي والدولي بالخطوة المعنية، الأمر الذي يُفهم منه وجود إرادة دولية، إقليمية عربية لإغلاق ملف “قسد”.
غير أن الأمر الذي يستوقف، ويدعو إلى التأمل، بغية الفهم، هو الارتياح السوري، خارج الوسط الكردي، بهذه الخطوة رغم الحذر والهواجس، فالسوريون بصورة عامة، ما عدا مجموعة ممن لم يتمكّنوا بعد من التحرّر من النزعات القومية والطائفية، كانوا وما زالوا ينكرون، بل يمقتون، الخطاب التحريضي المثير للكراهية الذي اعتمده وسوّقه بعضهم في نطاق جهود تجييش الناس لصالح أجنداتهم الخاصة، وإرضاء عقدهم المَرَضيّة التي لا تنسجم أبداً مع موجبات المشروع الوطني السوري. مع العلم أن غالبية السوريين ليست لديهم معرفة كافية بدقائق اللوحة السياسية الكردية السورية، وبمدى تأثير العوامل الإقليمية فيها.
على صعيد المجتمع الكردي السوري، يلاحظ وجود انقسام عمودي حاد بين المرحّبين بخطوة عبدي ومنتقديها بدرجات متفاوتة. وبين هؤلاء وأولئك، أوساط واسعة من الناس آثرت التريث ولاذت بالحذر. ويطالب قسم كبير من هؤلاء بالعدالة، عبر الكشف عن هوية الذين ارتكبوا جرائم القتل والاغتيالات والتغييب وقمع الناس في مناطق الحسكة وعين العرب (كوباني) وعفرين؛ وخطف القاصرين والقاصرات، وفرض التجنيد الاجباري، وتدمير العملية التعليمية في جميع مراحلها، والتسبب في مقتل مقاتلين كثر في منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، بالإضافة إلى تحديد هوية (ومحاسبة) المسؤولين عن مقتل قسم كبير آخر من المجندين أثناء عمليات الانسحاب الكيفي من مناطق دير حافر والطبقة والرقة ودير الزور، من دون توضيح أسباب القتال ودوافع الانسحابات وطريقتها.
لم تكن خطوة عبدي حصيلة مناقشات داخلية معمّقة بين القوى السياسية والمجتمعية والثقافية الفكرية ومنظمات المجتمع المدني الكردية السورية
هذا بالإضافة إلى مظاهر الفساد الكبرى في مختلف الميادين وعلى جميع المستويات؛ وقد تسبّبت هذه الظاهرة في استنزاف الطاقات والموارد، وإهمال صيانة البنى التحتية وتطويرها، وعدم تحمّل مسؤولية تأمين الخدمات الأساسية للناس. والسؤال الذي يفرض نفسه بحدة: هل سيعمل مصطفى خليل عبدي من أجل الاندماج مع المجتمع الكردي السوري، ويبذل الجهود مع المقرّبين منه لإفساح المجال أمام القوى السياسية والفعاليات المجتمعية والثقافية وأصحاب الاختصاصات المهنية من خارج دائرة جماعته؟ وهل سيسبق ذلك الاعتراف بأخطاء تلك الجماعة، والاعتذار للضحايا وذويهم، وتقديم التعويضات التي قد تجبر الخواطر بعض الشيء وتؤكد حسن النيات؟
هناك ترحيب كردي سوري واسع بحل حزب العمّال وواجهاته، على أمل التخلّص من آثار مشاريع هذا الحزب التي أرهقت الكرد السوريين بأعباء تفوق إمكاناتهم، ولم تتوافق في أي يوم مع تطلعاتهم ومصالحهم، ولكن ثمة توجس من عودة هذا الحزب بهذه الصيغة أو تلك، وهو المعروف بتغيير الأسماء والألوان والرايات والتحالفات والشعارات، ومن دون إعطاء أي اعتبار للمصداقية والاتساق المنطقي.
لسان حال الكرد السوريين من خارج دائرة حزب العمّال: يتحدّثون عن حل “قسد”، ولكن ماذا عن حزب الاتحاد الديمقراطي؟ هل سيحرّك النظام الإيراني عناصره ضمن منظومة العمال الكردستاني مجدّداً بعد تجاوز الواقع العسير الذي يعيشه حالياً نتيجة الضغط الأميركي عليه؟ ومن يضمن عدم عودة حزب العمّال بأسماء أخرى، ليتخذ من كرد سورية رهينة بفعل ما يمتلكه من مال وسلاح ومن مؤيدين ومتسلقين مستفيدين؟
الوضع الكردي السوري اليوم أشبه بالوضع الفلسطيني الحالي الذي يعاني هو الآخر من الانقسام المجتمعي العمودي، نتيجة عدم توافق منظمة التحرير وحركة حماس؛ وهو يحتاج مبادرة جدّية مسؤولة لرأب الصدع، عبر معالجة الأسباب، وإيجاد آلية موثوق بها تضمن عدم حدوث ما حدث مرة أخرى، وتعزيز الثقة، وفتح الآفاق أمام العمل المشترك المثمر لصالح معالجة الموضوع الكردي، ضمن إطاره الوطني السوري، على أساس رفع الظلم المتمثل في جملة من المشاريع والإجراءات التمييزية، والاعتراف بالحقوق القومية المشروعة على قاعدة وحدة الوطن والشعب.
هل يضمن مصطفى خليل عبدي، بعد أن بات اليوم مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية، أن يكون مع رفاقه السابقين عامل تفاهم وتوافق بين الكرد السوريين والسوريين بصورة عامة، بعد أن كانوا عامل فرقة وتباعد؟ هل تستعيد القضية الكردية السورية بعدها الوطني المطلوب؟ وهل سنشهد توجهاً وطنيا سورياً راسخاً على المستويين الرسمي والشعبي يرى في الموضوع الكردي السوري جسراً للتواصل لا مشكلة عصية على الحلّ؟ أسئلة سورية مشروعة ملحّة تنتظر الإجابة.




