رأي

ما الذي كشفته زيارتا ترمب وبوتين إلى بكين؟

نبيل الجبيلي – الجزيرة:

من تسنى له مراقبة زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ثم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اللاحقة إلى بكين، يكتشف سريعا الفرق بين الزيارتين. لم تكن الزيارتان قمتين دوليتين فحسب، وإنما كانا اختبارا سياسيا كشف طبيعة العلاقات، التي تربط الصين بكل من الولايات المتحدة من جهة، وبروسيا وحدود علاقتها معها من جهة أخرى.

فالزيارتان، على الرغم من تقاربهما زمنيا، حملتا رسائل سياسية مختلفة تماما: زيارة ترمب أظهرت أن الولايات المتحدة باتت مضطرة للتعامل مع الصين كـ”قوة موازية” لها في النظام الدولي، فيما كشفت زيارة بوتين أن روسيا تحولت، بالنسبة لبكين، إلى شريك إستراتيجي أساسي في مشروع إعادة تشكيل التوازنات العالمية.

جاءت زيارة بوتين مختلفة بالكامل، وذلك في الشكل والمضمون. حيث لم يذهب الرئيس الروسي إلى بكين لـ”إدارة خلافات” أو من أجل “احتواء توتر”. بل ذهب بهدف تثبيت شراكة إستراتيجية، تتوسع عاما بعد آخر

ترمب وصل إلى بكين محاطا بوفد اقتصادي ضخم، في مشهد عكس إدراك واشنطن حجم المصالح الاقتصادية المتشابكة مع الصين. لكن خلف هذا الحضور الكثيف كانت تقف حقيقة أكثر تعقيدا: العلاقة بين الطرفين لم تعد علاقة شراكة، بل علاقة تنافس وصراع على قيادة العالم.

الأمريكيون يريدون من الصين فتح الأسواق، وتخفيف القيود التجارية، ووقف تمددها التكنولوجي والعسكري، فيما ترى بكين أن واشنطن تسعى إلى احتوائها ومنعها من التحول إلى القوة الأولى عالميا. لذلك، بدت قمة ترمب ـ شي محكومة بسقف منخفض من الثقة السياسية، مهما حملت من ابتسامات ورسائل دبلوماسية.

وهذا ما يفسر لماذا انتهت زيارة ترمب تقريبا بلا اتفاقيات إستراتيجية كبرى، برغم وجود كبار رجال الأعمال الأمريكيين في بكين. وذلك لأن الجدار بين العملاقين لم يكن اقتصاديا بقدر ما كان سياسيا وإستراتيجيا. فلا واشنطن مستعدة لمنح الصين مساحة أوسع في النظام العالمي، ولا بكين مستعدة للتراجع عن مشروعها كـ”قوة عظمى” صاعدة.


في المقابل، جاءت زيارة بوتين مختلفة بالكامل، وذلك في الشكل والمضمون. حيث لم يذهب الرئيس الروسي إلى بكين لـ”إدارة خلافات”، أو من أجل “احتواء توتر”، بل ذهب بهدف تثبيت شراكة إستراتيجية، تتوسع عاما بعد آخر.

ومن أبرز ما أعطى زيارة بوتين هذا الثقل الاستثنائي، حجم الاتفاقيات التي وقعت بين الجانبين، والتي عكست انتقال العلاقة الروسية ـ الصينية من مستوى التنسيق السياسي إلى مستوى الشراكة البنيوية طويلة الأمد. فالاتفاقيات لم تقتصر على التجارة والطاقة، بل شملت مجالات إستراتيجية مرتبطة بإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، وتقليص الاعتماد على الغرب.

الصين تحتاج إلى روسيا كشريك يوفر لها العمق الجيوسياسي والطاقة والاستقرار على حدودها الشمالية، فيما تحتاج موسكو إلى الصين كمنفذ اقتصادي وتكنولوجي ضخم في ظل استمرار القطيعة مع الغرب

في قطاع الطاقة، عزز الطرفان التعاون في مشاريع الغاز والنفط وخطوط الإمداد طويلة المدى، مع توسيع استخدام الروبل واليوان في التسويات التجارية بدلا من الدولار الأمريكي. وهذه النقطة تحديدا حملت أهمية إستراتيجية كبرى؛ لأنها عكست رغبة مشتركة في بناء منظومة مالية موازية تقلل من قدرة واشنطن على استخدام العقوبات والهيمنة على النظام المالي العالمي كـ”سلاح سياسي”. كما ناقش الطرفان تسريع مشاريع البنى التحتية العابرة للحدود، وربط الممرات التجارية الروسية بالمبادرات الصينية الكبرى، وعلى رأسها مبادرة “الحزام والطريق”.

كما وسع الطرفان الاتفاقيات لتشمل مجالات التكنولوجيا والتعاون الصناعي والتنسيق الإعلامي والأمني، في إشارة إلى أن العلاقة لم تعد قائمة فقط على تبادل المصالح الاقتصادية، بل على بناء بيئة إستراتيجية متكاملة بين البلدين.

الصين تحتاج إلى روسيا كشريك يوفر لها العمق الجيوسياسي والطاقة والاستقرار على حدودها الشمالية، فيما تحتاج موسكو إلى الصين كمنفذ اقتصادي وتكنولوجي ضخم في ظل استمرار القطيعة مع الغرب. وهذا ما جعل الاتفاقيات الموقعة خلال الزيارة تبدو وكأنها جزء من مشروع طويل الأمد لإقامة محور دولي قادر على تحدي النفوذ الأمريكي تدريجيا، لا مجرد تفاهمات ظرفية مرتبطة بالمرحلة الحالية فقط.

ولهذا كله، خرجت زيارة بوتين بسلسلة اتفاقيات وتفاهمات واسعة في مجالات عدة، منها الطاقة، والتجارة، والتنسيق السياسي والإستراتيجي، بينما خرج ترمب تقريبا بصورة سياسية ممزوجة برسائل دبلوماسية أكثر مما خرج بإنجازات ملموسة. وهو ما أثبت بالدليل القاطع، أن نجاح الزيارات لا يقاس بحجم الوفد أو بقوة الاقتصاد، بل بطبيعة العلاقة نفسها: الولايات المتحدة تتعامل مع الصين باعتبارها التهديد الإستراتيجي الأكبر لمكانتها العالمية، فيما تنظر بكين إلى روسيا باعتبارها شريكا يساعدها على بناء عالم أقل خضوعا للهيمنة الأمريكية.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى