ماذا لو أخطأت صفقة الذكاء الاصطناعي المقبلة أميركا؟

جوناثان ليفين – بلومبرغ:
تمثل الولايات المتحدة الموطن الرئيسي لازدهار الذكاء الاصطناعي؛ فهي تضم أغلب مراكز البيانات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي حول العالم، كما أنها المقر الرئيسي للشركات التي تصمم الرقائق الرائدة ونماذج اللغات الكبيرة، بيد أن المستثمرين قد عكسوا هذه المعطيات بالفعل في تقييمات الأسعار – وزادوا عليها أيضاً. وفي المقابل، تمتلك الأسواق الناشئة قصة نجاح مقنعة في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب خصم سعري حاد مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة، وهو مزيج مبشر للسنوات المقبلة.
ومن المثير للدهشة أن مؤشرات الأسواق الناشئة تملك انكشافاً أكبر على قطاع التكنولوجيا مقارنة بالولايات المتحدة، بنسبة تبلغ نحو 40 في المائة، كما يوضح «كيو نغوين» و«ماريو ألبوكيركي» من شركة الاستشارات الاستثمارية «ريسيرتش أفيلييتس» في تقرير جديد ممتاز.
كما أن مؤشرات الأسواق الناشئة – مثل مؤشر «بلومبرغ» للشركات الكبيرة والمتوسطة في الأسواق الناشئة، ومؤشر «إم إس سي آي» للأسواق الناشئة – تمتلك ثقلاً نسبياً زائداً في المواد الخام اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي؛ إذ تضم منطقة الشرق الأوسط والبرازيل شركات هيدروكربونية ضخمة، في حين تنتج المناجم في تشيلي وبيرو، النحاس الذي ينقل الطاقة من محطة التوليد إلى مركز البيانات، ومن ثم يوزعها في جميع الأرجاء.
وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن يرتفع استهلاك مراكز البيانات للكهرباء بمقدار يتجاوز الضعف ليصل إلى نحو 945 تيراواط/ ساعة بحلول عام 2030، وهو ما يفوق إجمالي استهلاك اليابان بأسرها. وسوف يساعد الغاز الطبيعي في تلبية هذا الطلب على المدى القصير، بالتزامن مع جهود جارية لجعل الطاقة النووية جزءاً متنامياً من مزيج توليد الطاقة، الأمر الذي قد يعود بالنفع الوفير على منتجي اليورانيوم في دول مثل كازاخستان. كما يُتوقع أن يرتفع الطلب على النحاس بشكل ملموس أيضاً؛ إذ تشير مؤسسة «وود ماكينزي» إلى أن مراكز البيانات تمثل «ورقة جامحة للتقلبات» يمكن أن تؤدي إلى استنزاف الإمدادات، وتحفيز قفزات حادة في الأسعار.
وكثيراً ما كانت المشاركة في صفقات الذكاء الاصطناعي معنية بتحديد التوقيت المناسب لدورة الزخم والدعاية بقدر عنايتها بـ«صوابية» الخيار الاستثماري نفسه. ففي السنوات الثلاث الماضية، تأرجحت الأسواق من موضوع فرعي إلى آخر، وقد شملت هذه الموضوعات – وفق ترتيب زمني تقريبي – ما يلي:
والدرس المستفاد هنا هو أن الأسواق تتحرك بسرعة البرق في تسعير آفاق الصعود ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي بمجرد تحديدها للطرف الفائز؛ فالمستثمرون الذين ينتظرون تأكيد فرضياتهم تفوتهم الموجة الصعودية الكبرى الأولى (إن لم يكن صعود السوق بأكملها). ولست أفضل من أي مُضارب آخر في التنبؤ بالتوقيت الدقيق لـ«لحظة الأسواق الناشئة»، بيد أن مؤشر الأسواق الناشئة يتحرك نحو الارتفاع هذا العام، وتشير التجربة الحديثة إلى أن الوقت قد حان للانتباه والمتابعة.
وتجري التداولات في الأسواق الناشئة بخصم سعري ملموس مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة، حتى بعد الأداء المتفوق الذي سجلته هذا العام؛ إذ يُتداول مؤشر «بلومبرغ» للشركات الكبيرة والمتوسطة في الأسواق الناشئة عند نحو 64 في المائة من قيمة نظيره في الأسواق المتقدمة، وفقاً لأرقامي (الرسم البياني أدناه). وقد بلغ هذا المتوسط نحو 74 في المائة في العقد الذي سبق ظهور «شات جي بي تي». وقد لا تبدو أسماء الشركات التكنولوجية في الأسواق الناشئة بمثابة صفقات مغرية للوهلة الأولى، لا سيما بعد القفزات الاستثنائية لشركات أشباه الموصلات هذا العام، غير أنها أرخص كثيراً من نظيراتها في الأسواق المتقدمة، كما أن قطاعات الطاقة، والمواد الخام، والمرافق العامة تُعد منخفضة التكلفة، سواء على أساس مستقل أو مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة.
لا تزال الأسواق الناشئة تتداول عند مضاعفات ربحية أكثر جاذبية بكثير مقارنة بنظيراتها في الأسواق المتقدمة.
ماذا لو تلاشت طفرة الذكاء الاصطناعي؟ إن المواد الخام التي تخرج من باطن الأرض في أميركا الجنوبية والشرق الأوسط ستكون ضرورية على الأرجح لدعم المرحلة التالية من النمو العالمي، بصرف النظر عن القطاع الذي يقود هذا النمو، كما أن أسهم قطاعي الطاقة والمواد الخام تمثل أداة تحوط فعالة ضد التوترات الجيوسياسية المرتفعة والمستمرة، وما قد تُسببه من صدمات مستمرة في العرض.
وتجدر الإشارة إلى أن أسهم الأسواق الناشئة قد سجلت أداءً أدنى من المتوقع لسنوات خلال فترة التسعينيات بالتزامن مع حدوث طفرة الإنترنت، ثم ما لبثت أن انتعشت محققة مكاسب هائلة كفلت لها التحول إلى رابح استثنائي في أوائل القرن الحادي والعشرين؛ إذ أدى الانهيار حينها إلى إعادة توجيه الاستثمارات نحو السلع الأساسية والمخزونات المادية الأخرى، مدفوعة بحركة التنمية والتطور في الصين. وقد شكَّل معدل النمو السنوي المركب للأسواق الناشئة البالغ 15 في المائة في الفترة من عام 1999 وحتى عام 2007 ترياقاً رائعاً لما كان في الأساس عقداً ضائعاً للاستثمار في الولايات المتحدة.
ومن المفهوم تماماً أن يتغاضى المستثمرون كثيراً عن الأسواق الناشئة في هذه الأيام؛ إذ إن «الدورة الفائقة للسلع الأساسية» التي شهدها العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قد أضحت تاريخاً قديماً الآن، ولم تعرف الأجيال الشابة من المستثمرين شيئاً سوى الهيمنة التكنولوجية الأميركية، غير أن الأسعار في الولايات المتحدة اليوم يجري تحديدها بناءً على افتراض الوصول إلى مرحلة الكمال، حتى في الوقت الذي ترتبط فيه ثورة الذكاء الاصطناعي بقدرة السوق على توفير كميات هائلة من النحاس، والغاز الطبيعي، واليورانيوم في نهاية المطاف. وقد يعني هذا أن صفقة الذكاء الاصطناعي المقبلة ستكون مرتبطة بمناجم تشيلي وبيرو بقدر ارتباطها بغرف مجالس الإدارات في وادي السيليكون.




