ماتشادو إلى أوسلو كوجه سياسي للحرب الأميركية على فنزويلا

كتب سعيد محمد, في الأخبار:
اعترفت زعيمة المعارضة الفنزويلية بتنظيم واشنطن لهروبها إلى أوسلو تزامناً مع قرصنة البحرية الأميركية لناقلة تحمل نفطاً فنزويلياً، وفرض مزيد من العقوبات على الدائرة المحيطة بالرئيس مادورو.
أسقطت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو آخر أوراق التوت عن طبيعة علاقتها بالإدارة الأميركية، معترفةً بشكل صريح من العاصمة النرويجية أوسلو بتلقيها دعماً مباشراً من الحكومة الأميركية لتأمين خروجها من فنزويلا. ويأتي هذا الاعتراف بالتزامن الدقيق مع بدء واشنطن مرحلة «الاشتباك المباشر» ضد كاراكاس، عبر عملية قرصنة بحرية لناقلة نفط وفرض حزمة عقوبات تخنق ما تبقى من شريان الاقتصاد الفنزويلي، ما يؤكد المؤشرات إلى وجود تنسيق عملياتي عالي المستوى بين «الأصل» في واشنطن و«الوكيل» الذي تم تلميعه بجائزة نوبل في أوسلو.
ويكشف المشهد المتشكل خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية عن سيناريو بدا مرسوماً بعناية: إذ تم سحب «الورقة السياسية» (ماتشادو) إلى منطقة آمنة، لإفساح المجال أمام الآلة العسكرية الأميركية لضرب الداخل الفنزويلي دون خوف من تعرض الاستثمار السياسي للخطر.
وكانت ماتشادو قد وصلت إلى أوسلو أول من أمس (الخميس)، بعد عملية تهريب استخباراتية معقدة استمرت أياماً، وصفتها مصادر مطلعة بأنها عملية «إجلاء لأصل استخباراتي» أكثر منها هروباً لناشطة سياسية. وفي أول تصريحاتها للصحافيين، أقرّت ماتشادو بالدور المحوري لواشنطن قائلة: «لقد حظينا بدعم من حكومة الولايات المتحدة»، قاطعة بذلك الشك باليقين حول الجهة التي تدير تحركاتها.
ويشير توقيت عملية الإجلاء إلى أن الهدف توظيف شعارات السلام الفارغة التي تروّجها جائزة «نوبل» لتوفير منصة إعلامية دولية تشرعن الخطوات الأميركية العدائية القادمة ضد الثورة البوليفارية. وقد استغلت ماتشادو منبر أوسلو، لا للدعوة للتهدئة (والسلام)، وإنما لاستجداء المزيد من الخنق الاقتصادي لبلادها، مطالبة المجتمع الدولي بقطع كافة التدفقات المالية عن كاراكاس. وبررت دعوتها لتجويع الدولة الفنزويلية بنظرية أن «قطع التمويل ينهي القمع»، متجاهلة الآثار الكارثية لهذه السياسات على الشعب الذي تدعي تمثيله.
وقد أدّت ماتشادو دورها المرسوم بدقة في المؤتمر الصحافي، حيث قدّمت الغطاء الأيديولوجي للتدخل العسكري الأميركي المحتمل. ورداً على الأسئلة المتعلقة بالمخاوف من غزو أميركي، قلبت ماتشادو الحقائق لشرعنة أي هجوم قادم، قائلة: «فنزويلا تعرضت للغزو بالفعل».
وسردت ماتشادو قائمة من الجهات (روسيا، إيران، حزب الله، حماس، والعصابات الكولومبية) واصفة وجودهم بالاحتلال، وهي سردية تتماشى تماماً مع الدعاية الأميركية التي تحاول تصوير فنزويلا كقاعدة متقدّمة لأعداء واشنطن في الكاريبي. ويهدف هذا الخطاب إلى تحويل أي عدوان أميركي من «انتهاك للسيادة» إلى «عملية تحرير» ضد قوى خارجية على نسق «تحرير سوريا»، ما يمنح إدارة ترامب الذريعة الأخلاقية والقانونية التي تحتاجها لشن ضربات عسكرية.
بالتوازي مع الغطاء السياسي الذي وفرته ماتشادو من أوروبا، نفذت البحرية الأميركية ما يمكن وصفه بعملية قرصنة دولة في المياه الدولية. فقد استولت القوات الأميركية بالقوة على ناقلة النفط «سكيبّر»، وصادرت شحنتها البالغة حوالي مليوني برميل من النفط الخام الفنزويلي.
وتتذرع واشنطن بمذكرة قضائية تزعم استخدام السفينة سابقاً لنقل النفط الإيراني، إلا أن الهدف الحقيقي يتجاوز الجانب القانوني؛ إذ تسعى الإدارة الأميركية لفرض حصار بحري بقوة السلاح، ومنع فنزويلا من استثمار مواردها الطبيعية. وأكدت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أنّ واشنطن ستتبع «الإجراءات القانونية» لمصادرة النفط، في إشارة إلى نية بيع الموارد الفنزويلية المنهوبة لصالح الخزانة الأميركية أو تمويل عمليات المعارضة.
وتعكس السيطرة على السفينة التي يُعتقد أنها كانت متجهة إلى الصين، وإجبار طاقمها الروسي على توجيهها نحو الموانئ الأميركية تحت التهديد باستبدالهم بطاقم جاهز، عقلية العصابات التي تدير بها واشنطن ملف الطاقة العالمي، حيث تسرق أصول الدول ذات السيادة بمحض القوة العسكرية الغاشمة.
واستكمالاً لمسلسل التصعيد، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية حزمة عقوبات جديدة صمّمت لاستهداف الدائرة الشخصية للرئيس نيكولاس مادورو وشل قدرة الدولة على التصدير. وشملت العقوبات ثلاثة من أبناء إخوة زوجة الرئيس، معيدة تدوير اتهامات سابقة تتعلق بالمخدرات كان القضاء الأميركي قد استخدمها سابقاً قبل أن تضطر إدارة الرئيس جوزيف بايدن للإفراج عنهم في صفقة تبادل، ما يكرس تسييس القضاء الأميركي واستخدامه كورقة ضغط دبلوماسية.
كما طالت العقوبات ست شركات شحن دولية، في محاولة لترهيب أي طرف تجاري دولي يفكر في التعامل مع كاراكاس. وتدرك واشنطن وعميلتها في أوسلو أن الاقتصاد الفنزويلي يعتمد كلياً على النفط، لذا فإن استهداف الناقلات وشركات الشحن يمثل حكماً بالإعدام البطيء على الاقتصاد الوطني، وهو ما هللت له ماتشادو واعتبرته «قطعاً لتمويل النظام».
من جهته، لم يتردد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الكشف عن نواياه، مستخدماً ذريعة الهجرة والمخدرات للتهديد بعمل عسكري مباشر، وصرح بأنّ العمليات «ستبدأ على الأرض قريباً جداً»، في تصعيد خطير يتجاوز العقوبات الاقتصادية. ويرى مراقبون أن واشنطن، بعد أن استنفدت خيارات الحصار وفشلت في إحداث انقلاب من الداخل، تجد نفسها «محشورة في الزاوية» وفقاً لتعبير السفير التشيلي السابق خورخي هاينه.
فقد أدت سياسات «الضغط الأقصى» إلى نتائج عكسية، دافعة كاراكاس لتعزيز تحالفاتها الاستراتيجية مع موسكو وطهران وبكين. وأكد الاتصال الهاتفي الأخير بين الرئيس مادورو ونظيره الروسي فلاديمير بوتين متانة هذا التحالف، حيث جددت موسكو دعمها لسيادة فنزويلا في وجه الغطرسة الأميركية. وتدرك واشنطن أن أي مغامرة عسكرية ستواجه بمقاومة شرسة، ما يجعل التلويح بالحرب مقامرة غير محسوبة العواقب.




