لماذا خرجت الصين وروسيا من الظل في الحرب على إيران؟

ايف سميث – موقع Naked capitalism:
تطورات جديدة خطيرة تشير إلى أن هذه الحرب السرية التي تشارك فيها روسيا والصين بسرية حتى الآن، قد تخرج من الظل إلى العلن.
كما هو الحال في الحروب جميعها، وخصوصاً في منطقة “الشرق الأوسط” التي تعتبر المصدر الرئيسي للنفط والغاز في العالم، لطالما هدد الصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني بالتوسع ليشمل أطرافاً أخرى لديها مصالح إلى جانب الأطراف المتحاربة الرئيسية.
وقد اقتصرت مشاركة حلفاء واشنطن و”تل أبيب” حتى الآن على تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم الجوي الدفاعي البحت، دون المشاركة في عمليات قصف هجومية.
ومن جهة طهران وحلفائها، فقد تركز الدعم الرئيسي منذ فترة طويلة من الصين وروسيا بشكل كبير من خلال التغطية الدبلوماسية والدعم الاقتصادي، إلى جانب بعض المعدات العسكرية التي لا يمكن إنكارها، والتي تزود بها موسكو وبكين طهران، من ضمنها الإلكترونيات الدقيقة والمواد اللازمة لتصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة.
ولا شك في أن هذا الصراع الدائر ساهم في إبقاء أسواق النفط العالمية تحت وطأة حالة الذعر التام التي كان من المتوقع حدوثها. ومع ذلك، تشير تطورات جديدة خطيرة إلى أن هذه الحرب السرية التي تشارك فيها روسيا والصين بسرية حتى الآن، قد تخرج من الظل إلى العلن.
في حالة روسيا، تشير تقارير الاستخبارات الأميركية إلى أن موسكو تزود إيران بنشاط ببيانات الأقمار الصناعية في الوقت الفعلي، بالإضافة إلى معلومات استخباراتية عن الأهداف وتحركات السفن الحربية والطائرات الأميركية، ما أتاح لإيران شن ضربات صاروخية انتقامية أكثر دقة.
كما قامت موسكو، وفقاً للمصادر نفسها، بدمج نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية “غلوناس” في الطائرات المسيرة الإيرانية، ما يسمح لقذائف طهران بعيدة المدى بتجاوز التشويش الإلكتروني للحلفاء بشكل أكثر فعالية.
ولغاية التوسع في هذا المجال، تستفيد أحدث الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية من قدرتها على تتبع أنظمة “بيدو 3” الصينية بالتزامن مع نظام “غلوناس” الروسي. وبفضل دمج التحديثات الروسية التي تعود إلى الحقبة السوفياتية مع التكنولوجيا الصينية، لا تستطيع أنظمة التشويش الغربية التقليدية حجب النظامين معاً، نظراً إلى أن كل نظام يعمل على ترددات لاسلكية مختلفة تماماً، وهذا يمنح الطائرات المسيرة الجديدة التي تستخدمها إيران ضد الولايات المتحدة دقة غير مسبوقة في استهداف قواعدها وقواعد حلفائها.
تشير تطورات جديدة خطيرة إلى أن هذه الحرب السرية التي تشارك فيها روسيا والصين بسرية حتى الآن، قد تخرج من الظل إلى العلن
أما بالنسبة إلى الصين، فقد وردت أنباء في الأسبوع الماضي من مصادر استخباراتية متعددة عن أن إيران بصدد اقتناء نحو 400 نظام دفاع جوي صيني محمول على الكتف، التي تتميز بدقة عالية ضد المروحيات والطائرات المسيرة والطائرات النفاثة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، باستخدامها أنظمة تتبع حساسة تعمل بالأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية، وتتيح للصاروخ التوجه مباشرة نحو البصمة الحرارية لمحرك الطائرة، مستفيداً من حصانته ضد أي إجراءات مضادة.
كما أن هذا النظام سهل النشر، ويتراوح وزن الوحدة العام بين 15 و20 كيلوغراماً فقط، ويمكن إتمام التدريب التشغيلي الأساسي على منصة إطلاقه في أقل من أسبوع واحد، بينما من المستحيل أيضاً تحديد موقعه، لأنه لا يصدر أي بصمة إلكترونية في أثناء التتبع. بإيجاز، يهدف هذا النظام إلى حرمان الولايات المتحدة من التفوق الجوي على ارتفاعات منخفضة.
وعلى الرغم من الفاعلية الكبيرة التي تتمتع بها هذه الأدوات، فإنها تصبح أشد تأثيراً في السياق الجيوسياسي الأوسع الذي تسعى فيه الصين وروسيا إلى إيقاف ما كان الأمر عليه حتى وقوع الحرب على إيران، ومواجهة اندفاعة الرئيس دونالد ترامب لإعادة ترسيخ النفوذ الأميركي في مختلف أنحاء “الشرق الأوسط” التي كان أساسها أن تتقدم المزيد من “اتفاقات أبراهام” بين “إسرائيل” ودول أخرى في المنطقة برعاية واشنطن.
ولقد كانت الإمارات الدولة الأولى التي وقعت على “اتفاقيات أبراهام” في عام 2020، وكان ترامب واثقاً حينها بأنه استطاع تغيير المشهد في أنحاء المنطقة بدرجة كافية لتمهيد الطريق لعدة اتفاقات جديدة. وقد استند تفاؤله إلى نجاح الإطاحة الأميركية البريطانية المشتركة بنظام بشار الأسد في سوريا في نهاية العام 2024، حيث تم تحييد بين عشية وضحاها مركز الثقل الرئيسي للنفوذ الروسي في “الشرق الأوسط”، تواكبت مع انطلاق موجة ضخمة من الاستثمارات الأميركية في العراق من خلال منح العديد من مشروعات النفط والغاز الجديدة لشركات أميركية بدلاً من الشركات الصينية، كما كان الاتجاه السائد من قبل.
كما ضمن ترامب استثمارات كبيرة جديدة للسعودية أيضاً في الولايات المتحدة، بينما كان في الوقت عينه يضيق حلقة العقوبات حول خصمها الإقليمي الرئيسي إيران. ولو استمر ترامب على هذا النهج، لربما ذللت العقبة الأخيرة أمام رؤيته لعودة “الشرق الأوسط” إلى دائرة النفوذ الأميركي، بعيداً عن نفوذ الصين وروسيا، إلا أنه بشنه هجمات مباشرة على إيران، فتح صندوق باندورا، وكانت أولى المشكلات الناجمة عنه إغلاق إيران المتوقع لمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يصل إلى 30% من نفط العالم ونحو 10% من غازه الطبيعي المسال.
والأسوأ من ذلك، فإن أنصار الله قد يوسعون حصارهم الحالي للموانئ السعودية والسفن العابرة لمضيق باب المندب متى شاؤوا. وكل ذلك من شأنه أن يحرم العالم من 12% إضافية من تدفقات النفط الخام و8% من الغاز الطبيعي المسال. يضاف إلى هذه الكارثة الاقتصادية التي تواجه موردي الطاقة في “الشرق الأوسط”، هناك التهديد اليومي من الطائرات والصواريخ الإيرانية التي تستهدف منشآت الطاقة الرئيسية والبنية التحتية الحيوية المرتبطة بقطاع السياحة، وهو ركيزة اقتصادهم الأخرى.
ولا شك في أن التداعيات الجيوسياسية لكل هذا بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا تقل كارثية، حيث إن العديد من هذه الدول تتساءل الآن عن مبرراتها لشراء معدات دفاعية أميركية بمئات المليارات من الدولارات والاعتماد على واشنطن كحامية لها ضد إيران. وليس من قبيل المصادفة إطلاقاً أن تتمكن الصين من حل المشكلتين بسرعة كبيرة، بموجب بنود “اتفاقية التعاون الشامل بين إيران والصين لمدة 25 عاما”، حيث تستورد الصين كمية كبيرة من موارد النفط والغاز الإيرانية.
التداعيات الجيوسياسية لكل ما يحدث لا تقل كارثية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، حيث إن العديد من هذه الدول تتساءل الآن عن مبرراتها لشراء معدات دفاعية أميركية
وتتيح الاتفاقية المذكورة شراكة كبيرة بين طهران وبكين بالنفوذ الجيوسياسي على ممرات عبور النفط والغاز الطبيعي المسال الحيوية في مضيق هرمز، وفي ممر باب المندب المائي الذي يمتد بعرض 16 ميلاً بين الساحل الغربي لليمن من جهة، والساحلين الشرقيين في جيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ثم يتصل بالبحر الأحمر، حيث تتمتع الصين أيضاً بنفوذ كبير في جيبوتي وإريتريا من خلال قروض استثمارية لتمويل مشاريع البنية التحتية في إطار مبادرة “الحزام والطريق”.
وعندما يتعلق الأمر بمواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، تدرك الصين تفوق الولايات المتحدة عليها. وعلى أي حال نادراً ما يكون هذا هو النهج الصيني. وكما ورد في كتاب “فن الحرب” للقائد العسكري الصيني العظيم سون تزو، في القرن الخامس الميلادي، فإن “أسمى فنون الحرب هو إخضاع العدو دون قتال”. ويبدو أن هذا هو النهج الذي تتبعه الصين تحديداً في سياق الأحداث الجارية في “الشرق الأوسط”، حيث تستفيد بكين من استنزاف الولايات المتحدة لمواردها من الصواريخ وغيرها من المعدات الحربية الحيوية في حرب ساخنة خاسرة، بينما تكسب هي بهدوء سلامتها الاستراتيجية.
كذلك تضع هذه الاستراتيجية الصين في موقع مثالي للتوسط في سلام بين واشنطن وطهران عندما يصبح الوضع لا يطاق بالنسبة إلى ترامب، ربما بهدف جعل الولايات المتحدة تتخذ موقفاً أكثر مرونة تجاه تحركات الصين المستقبلية بشأن سيادة تايوان.
وقد تأمل موسكو أيضاً استغلال علاقتها مع إيران لتأمين اتفاق سلام مع واشنطن في المقابل، ومن المرجح أن تتوقع روسيا من ترامب السعي إلى تسوية مماثلة في أوكرانيا، أي تسوية تقدم اتفاقاً أفضل مما يمكن لروسيا تحقيقه بطريقة أخرى، على الرغم من أن هذا النهج يبدو أقل احتمالاً للنجاح من مناورة بيجين في هذا السياق.
في أثناء ذلك، أشارت الولايات المتحدة إلى استعدادها لمواجهة أي توسع إضافي للحرب، على الأقل على الصعيد الإقليمي. وللمرة الأولى، دخلت الولايات المتحدة في شراكة علنية مع السعودية في ضربات عسكرية نفذت في الأسبوع الماضي، استهدفت فصائل قوات الحشد الشعبي في العراق.
جاء ذلك عقب ضربة تاريخية بعيدة المدى بطائرة مسيرة نفذتها أوكرانيا في الشهر الماضي في بحر قزوين ضد سفن متجهة من إيران إلى روسيا. ويعتقد أن تلك السفن كانت تحمل مكونات طائرات مسيرة إيرانية من طراز شاهد وصواريخ باليستية كانت متجهة إلى موسكو لدعم مجهودها الحربي ضد كييف، بينما رأت الولايات المتحدة أنها يمكنها الاعتماد على أوكرانيا كشريك حيوي في جوانب مختلفة من حربها الأوسع ضد إيران.




