رأي

لماذا تواصل روسيا القتال في أوكرانيا على رغم تراجع قوتها؟

بوتين لا يرى أن ثمة ما يستدعي التفاوض

ألكسندر غابويف, ألكسندرا بروكوبينكو, تاتيانا ستانوفايا – اندبندنت عربية:

يعتقد الكرملين أنه سيتمكن خلال الشتاء المقبل من سحق إرادة أوكرانيا وحلفائها وترجيح كفة بلاده العسكرية. أما بوتين فيرغب في القتال ويرى أن النصر ممكن

في أواخر يونيو (حزيران)، أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقابلة أعلن فيها، مجدداً، أن روسيا ستنتصر في حربها ضد أوكرانيا. وقال إن الجيش الروسي يتقدم على طول خط الجبهة الممتد لنحو 800 ميل، ويستولي يومياً على مزيد من الأراضي الأوكرانية. أما كييف، في المقابل، فهي تتخبط وتفقد زمام المبادرة. وأقرّ بأن الضربات الأوكرانية بالطائرات المسيّرة التي تحرق مصافي النفط الروسية وغيرها من البنى التحتية الحيوية في عمق الأراضي الروسية بعيداً من خطوط المواجهة “تسبّب مشكلات”. لكنه أكد أن الروس سيتكيفون ويصمدون. وقال: “هذه الهجمات الإرهابية ليس لها أي تأثير على الإطلاق في مجريات الوضع”.

لو كان هذا قبل 20 شهراً، لكانت ثقة بوتين مبررة وفي محلها. ففي ذلك الوقت، كان الرئيس الأميركي المنتخب حديثاً دونالد ترمب يمتدح موسكو وينتقد كييف. وكانت القوات الروسية تُحقق مكاسب بطيئة ولكنها ثابتة في ساحة المعركة. ولذلك كان بإمكان بوتين اتباع ثلاث استراتيجيات، كما أوضحنا في مقال نُشر في مجلة “فورين أفيرز” في مارس (آذار) 2025. فبموجب الخطة “أ”، كان الكرملين سيعمل مع البيت الأبيض لإجبار كييف على قبول اتفاق جرت صياغته في موسكو. وبموجب الخطة “ب”، كان بوتين سيكتفي بالصمود إلى أن يوقف ترمب الدعم الأميركي لأوكرانيا، ما يسمح للقوات الروسية بشق طريقها نحو النصر. وفي حال فشلت هاتان الخطتان، كان بإمكانه الانتقال إلى الخطة “جيم”، وهي مواصلة القتال والانتصار في نهاية المطاف في ساحة المعركة.

أما اليوم، فقد تدهور موقف روسيا وانتكس. لقد فشلت الخطة “أ”، المتمثلة في كسب دعم ترمب؛ حتى أن بوتين لم يأت على ذكر الرئيس الأميركي في مقابلته الأخيرة. كذلك تعثرت الخطة “ب” أيضاً. فعلى رغم أن البيت الأبيض توقف عن تزويد أوكرانيا بعدة أشكال من المساعدات، فإن الولايات المتحدة واصلت تزويد كييف بالمعلومات الاستخباراتية الحيوية، كذلك واصلت فرض العقوبات على روسيا. وفي الوقت نفسه، تمكنت كييف من الاعتماد على داعميها الأوروبيين للتعويض عن المساعدات [الأميركية] المفقودة. في الواقع، أصبحت أوكرانيا الآن في وضع عسكري أفضل مما كانت عليه العام الماضي. أما روسيا في المقابل، فهي تخسر جنوداً بوتيرة تفوق قدرتها على تجنيد بدلاء يحلون محلهم، كذلك فإن تَقدّمها في ساحة المعركة بدأ يتعثر ويفقد زخمه. إضافة إلى ذلك، يواجه اقتصادها مشكلات متزايدة. وبالتالي، فإن الخطة “جيم”، القائمة على فوز روسيا من خلال الصمود أكثر من أوكرانيا، لا تحقق النتائج المرجوة أيضاً.

اقرأ المزيد

روسيا تقصف كييف وأوكرانيا تغرق سفينة لوكالة “روساتوم” الروسية

زيلينسكي في لندن للقاء بيرنهام وتأكيد الدعم البريطاني الثابت لأوكرانيا

المستنقع الأوكراني في براثن الماضي
لكن هذا لا يعني أن بوتين سيغيّر مساره. فمشكلات روسيا حقيقية، إلا أن البلاد لا تزال قادرة على مواصلة الحرب. فعجلة اقتصادها لا تزال تدور، كذلك هي تمتلك القوى البشرية والأسلحة اللازمة لمواصلة القتال. وتعمل موسكو أيضاً على ابتكار وسائل جديدة لاستعادة زمام المبادرة. وسيؤدي إصرار الكرملين على مواصلة الحرب إلى جعل حياة الروس أكثر صعوبة، لذلك بدأت أصوات بعض النخب في موسكو تدعو إلى حل تفاوضي. لكن لا يوجد ما يشير إلى أن بوتين يصغي إليها. وبالتالي، من شبه المؤكد أن الحرب ستستمر لفترة طويلة.

آمال وتوقعات كبيرة
عندما تولى ترمب منصبه عام 2025، اعتقد الكرملين أنه قادر على تحقيق نجاح دبلوماسي كبير ومفاجئ. فخلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، تعهد ترمب بإنهاء الحرب في أوكرانيا “خلال 24 ساعة”. وبعد توليه منصبه، شرع في ممارسة الضغوط على قيادة أوكرانيا للموافقة على بعض المطالب الروسية. في فبراير (شباط) 2025، أصرّ على أن يوافق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على وقف فوري لإطلاق النار مع روسيا، وأشار إلى أن كييف هي المسؤولة عن الحرب. وعندما رفض زيلينسكي، علّق ترمب موقتاً تبادل المعلومات الاستخباراتية والمساعدات العسكرية مع أوكرانيا. كذلك ألقى نائب الرئيس جي دي فانس خطاباً في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2025، أعلن فيه أن الولايات المتحدة بصدد تقليص انخراطها في أوروبا. وفي أغسطس (آب) 2025، عقد ترمب وبوتين قمة ودية في ألاسكا. أعقبها تصريح للرئيس الأميركي كرر فيه أن فلاديمير زيلينسكي هو السبب في استمرار الحرب وعدم انتهائها.

علاوة على ذلك، فإن مسار الاقتصاد الروسي وديناميكيات ساحة المعركة قد عززت ثقة بوتين بنفسه. ففي عام 2024، نما الناتج المحلي الإجمالي لروسيا بنسبة 4.3 في المئة، مدفوعاً بالإنتاج العسكري والاستهلاك المحلي. وكانت معدلات التضخم مرتفعة لكنها ظلت ضمن حدود يمكن السيطرة عليها. وكانت القوات المسلحة الروسية تجنّد عدداً من الرجال يفوق عدد من تفقدهم، في حين كان الجيش الأوكراني يفقد مقاتلين أكثر مما كان يضيف إلى صفوفه. وكان التقدم البطيء في احتلال إقليم دونباس يكلف روسيا عشرات الآلاف من الجنود، لكن هذه الخسائر كانت مقبولة طالما أن البلاد تواصل التقدم. ففي عام 2024، استولت قوات بوتين على نحو 1600 ميل مربع من الأراضي الأوكرانية. وكانت روسيا تنتج عدداً من الطائرات المسيّرة يكاد يوازي ما تنتجه أوكرانيا، وتستخدمها بطرق تزداد ابتكاراً. كذلك كانت تصنّع كميات أكبر بكثير من الأسلحة التقليدية، مثل قذائف المدفعية والصواريخ، مقارنة بأوكرانيا أو شركائها الغربيين. ومن وجهة نظر الكرملين، كان الانتصار الروسي مسألة حتمية لا مناص منها.

لكن، وكما حدث أكثر من مرة، أدى اطمئنان بوتين إلى ثقة مفرطة بالنفس والقدرات الروسية. فقد استمر في الضغط من أجل شروط لم يكن ترمب قادراً على قبولها أو فرضها، بما في ذلك أن تتخلى كييف عن أجزاء من دونباس كانت لا تزال تسيطر عليها، وأن تتنازل عن جزء كبير من سيادتها. وكان المبعوثان الرئيسيان لترمب إلى موسكو، صديقه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، يفتقران إلى الخبرة في الدبلوماسية الدولية، ولم ينجحا في إطلاق عملية تفاوض حقيقية سليمة. وفي موسكو، بدأت النظرة إليهما تسوء وتصبح سلبية. وهكذا فشلت الخطة “أ”.

ولفترة من الوقت، ظل بوتين يأمل في نجاح الخطة “ب”، التي كان ترمب بموجبها سيتخلى عن أوكرانيا ببساطة. ففي مارس (آذار) 2025، أوقف ترمب بشكل نهائي تزويد أوكرانيا بالأسلحة الأميركية المجانية، موجهاً ضربة قوية إلى كييف. وبحلول يوليو (تموز) 2025، كان قد أوقف أيضاً جميع أشكال المساعدات المالية الأميركية المقدمة للبلاد. لكن الدبلوماسية الذكية التي انتهجها المسؤولون الأوكرانيون وحلفاؤهم الأوروبيون نجحت في إقناع ترمب في نهاية المطاف بمواصلة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف والاستمرار في بيع الأسلحة لأوكرانيا عن طريق برنامج تموّله أوروبا. كذلك تدخل الأوروبيون لتزويد أوكرانيا بالمساعدات المالية التي سحبتها واشنطن وحرمتها منها، وحولوا القارة الأوروبية إلى قاعدة خلفية آمنة للصناعات الدفاعية الأوكرانية، من خلال توفير التمويل والتكنولوجيا ومواقع آمنة داخل أراضي الاتحاد الأوروبي لتصنيع الطائرات المسيّرة والصواريخ الأوكرانية. وفي الوقت نفسه، ازداد إحباط ترمب من بوتين بسبب رفض روسيا تقديم أي تنازلات. فأبقى على العقوبات المفروضة على روسيا، بل وأدرج أيضاً أكبر شركتي نفط تابعتين للكرملين، “روسنفت” (Rosneft) و”لوك أويل” (Lukoil)، على القائمة السوداء، مما زاد الضغط على الموارد المالية التي يعتمد عليها بوتين في تمويل حربه.

معارك خاسرة
مع فشل الخطتين (أ) و(ب)، انتقل بوتين إلى الخطة (جيم)، وهي كسب الحرب في ساحة المعركة. إلا أن هذه الخطة بدأت تتعثر هي الأخرى. فمن الواضح أن المجهود الحربي نفسه يترنح: ففي عام 2025، استولى الجيش الروسي على أكثر من 1600 ميل مربع من الأراضي الأوكرانية (بتكلفة بشرية باهظة للغاية)، أما خلال النصف الأول من هذا العام، فلم يتجاوز تقدمه، في أفضل الأحوال، نحو 250 ميلاً مربعاً. ويعود ذلك جزئياً إلى أن أوكرانيا أقامت خطوطاً دفاعية إضافية تضم تحصينات وحقول ألغام. كذلك يعود إلى نجاح الأوكرانيين في توسيع ما يسميه المحللون “منطقة القتل”، وهي المنطقة الممتدة على طول خطوط المواجهة حيث ترصد الطائرات الأوكرانية المسيرة الجنود الروس على الفور تقريباً ثم تستهدفهم.

وأدت في النتيجة إلى ارتفاع ضخم في الخسائر البشرية الروسية. وعلى رغم عدم توافر بيانات رسمية، فإن المحلل العسكري في مؤسسة كارنيغي، مايكل كوفمان، يؤكد أن عدد الجنود الروس الذين يُقتلون شهرياً قد ارتفع بشكل كبير خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية. وإجمالاً، يبلغ عدد الجنود الروس الذين يُقتلون أو يُصابون بجروح بالغة كل شهر نحو 30 ألف جندي. وفي المقابل، انخفض عدد المنضمين الجدد إلى الجيش الروسي إلى نحو 27 ألفاً شهرياً، نتيجة تراجع الحوافز المالية المقدمة للراغبين في الالتحاق بالجيش في بعض المناطق الروسية، وازدياد إدراك الناس لحجم الخسائر البشرية. وعليه، أصبحت قدرة موسكو على اختراق خطوط الدفاع الأوكرانية بشكل حاسم موضع شك متزايد.

ويواجه الكرملين مشكلات أخرى أيضاً. فقد شنت أوكرانيا حملة ناجحة للغاية من الضربات متوسطة المدى عطلت شبكات الإمداد والخدمات اللوجستية الروسية، مما أدى إلى إبطاء تقدم الجيش الروسي أكثر. كذلك وسعت كييف نطاق ضرباتها بعيدة المدى، مستهدفة منشآت الإنتاج العسكري والبنية التحتية المدنية في عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك موانئ النفط ومصافي التكرير. وبسبب هذه الهجمات، تَعطّل نحو ثلث القدرة الروسية على تكرير النفط، ما تسبب في نقص البنزين، وتقنين توزيع الوقود، وطوابير طويلة أمام محطات الوقود استمرت من يونيو حتى أواخر يوليو، ومن المرجح أن تعود عندما تستأنف أوكرانيا هذه الضربات. وفي يوليو، بدأت أوكرانيا باستهداف مستودعات تابعة لشركة “وايلدبيريز” (Wildberries)، أكبر شركة روسية للبيع بالتجزئة عبر الإنترنت، مما جعل الحرب حاضرة بقوة في أذهان عامة المستهلكين ، وأثر سلباً في آلاف الشركات الروسية الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على هذه المنصة في بيع منتجاتها. كذلك كثفت كييف جهودها الرامية إلى عزل شبه جزيرة القرم من خلال استهداف طرق إمدادات الوقود ومنشآت توليد الكهرباء في شبه الجزيرة المحتلة. كذلك، تهاجم الطائرات المسيّرة الأوكرانية ناقلات النفط وسفن الشحن الروسية في البحر الأسود وبحر آزوف، في محاولة لوقف صادرات روسيا البحرية من النفط والحبوب.

وتُلحق حملة كييف أضراراً بالاقتصاد الروسي. فوفقاً للتوقعات الرسمية لعام 2026، لن يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي الروسي نسبة 0.4 في المئة (وهي نسبة متواضعة جداً). وفي الوقت نفسه، يواصل التضخم ارتفاعه. وفي سبيل تجنب ارتفاع الأسعار أكثر، يُبقي البنك المركزي الروسي سعر الفائدة عند 14 في المئة. إلا أن هذه النسبة المرتفعة تجعل الائتمان [الحصول على قروض] باهظاً للغاية بالنسبة إلى كثير من الشركات. وأكثر ما يثير القلق بالنسبة إلى الكرملين مفاده أن عجز الموازنة ارتفع بمقدار 73 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، متجاوزاً بكثير العجز البالغ 48.5 مليار دولار الذي كانت الحكومة تتوقعه للعام بأكمله. صحيح أن حرب ترمب ضد إيران رفعت إيرادات النفط الروسية، لكن هذه العائدات ليست كافية لتوفير احتياطي مالي مريح، كذلك استُنفدت الاحتياطيات النقدية التي راكمتها روسيا على مدى عقود من صادرات السلع الأساسية، بما في ذلك المكاسب التي حققتها خلال الطفرة في أسعار السلع الناجمة عن الحرب في عام 2022. ولتمويل فاتورة الحرب المتزايدة، يضطر الكرملين إلى مواصلة خفض الإنفاق غير العسكري والاقتراض محلياً، في وقت يطالب مشترو السندات الروسية بعائدات أكبر جراء تعاظم الأخطار.

وبسبب هذه المشكلات، بدأ الكرملين يفقد الدعم داخل البلاد. فقد أدت الصعوبات الاقتصادية، وانقطاعات الكهرباء، والقيود المفروضة على الإنترنت، والإرهاق العام من الحرب، إلى تراجع شعبية بوتين من نحو 80 في المئة في بداية العام إلى 66 في المئة في منتصف يوليو. وتشير جميع بيانات استطلاعات الرأي المتاحة إلى أن المزاج العام في روسيا يتجه نحو مزيد من القلق وعدم اليقين. وأن الروس أصبحوا أقل اقتناعاً بقدرة جيشهم على تحقيق النصر، وأقل ثقة في أن بوتين يمتلك خطة واقعية.

الخطة د
في ظل كل هذه الإخفاقات، قد تعتقد الحكومات الغربية أن بوتين أصبح مستعداً للنظر في تسوية مجدية. لكن للأسف، لا مؤشرات إلى ذلك. في الواقع، في جميع إطلالاته العلنية الأخيرة، أكد بوتين أن أهدافه الحربية لم تتغير على الإطلاق. وصرّح في السابع والعشرين من يوليو قائلاً: “بعد أن عجز خصومنا عن هزيمة روسيا في ساحة المعركة، لجأوا إلى أساليب إرهابية صريحة ضد شعبنا. لكن شعب روسيا لا يمكن كسره [كسر عزيمته] على الإطلاق.

ولسوء الحظ، لا يزال بوتين يمتلك القدرة على ترجمة هذه التصريحات إلى أفعال. فالاقتصاد الروسي يواجه صعوبات ربما، لكنه ليس على شفا الانهيار. ويمكن لموسكو الاستمرار في تمويل الحرب من خلال إجبار الشركات على تحمل تكلفة هجمات الطائرات المسيّرة بدلاً من إنفاق الأموال على تحسين الدفاعات ضدها أو تعويض الشركات المتضررة. كذلك يمكنها تحميل الحكومات الإقليمية عبء ارتفاع النفقات الدفاعية من خلال تقليص موازناتها، وإجبار الأسر على تحمل تكاليف الحرب في صورة تضخم أعلى. ويمكن للكرملين أيضاً تقليص الإنفاق المدني بشكل أكبر في الموازنة العامة. حالياً، تنفق روسيا 8 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهو رقم مرتفع، لكنه أقل بكثير مما أنفقه كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، أو قياساً على ما تنفقه أوكرانيا اليوم والبالغ 40 في المئة تقريباً من ناتجها المحلي الإجمالي.

وستجعل هذه السياسات الروس أكثر فقراً وغضباً، غير أن الكرملين محصن إلى حد كبير ضد تصاعد السخط الشعبي. فالنظام يمتلك أدوات قمع متطورة، تشمل قوانين رقابة شاملة، وأدوات مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وأجهزة إنفاذ قانون جرى توسيع صلاحياتها، بما يمكّنه من احتواء أي احتجاجات. وقد يتراجع أيضاً الاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية بفعل تنامي ما يُعرف بظاهرة “الالتفاف حول العلم”. فمع تصاعد حدة الهجمات الأوكرانية واتساع نطاق تأثيرها لتطاول مزيداً من الناس، قد يستنتج الروس العاديون أن الحرب ضد كييف هي حربٌ من أجل البقاء الوطني، وهو الخطاب الذي يردده بوتين منذ سنوات. وتُظهر استطلاعات الرأي التي أجراها مركز “ليفادا” المستقل أن نسبة التأييد لعمليات القوات المسلحة الروسية تتجاوز 65 في المئة على مستوى البلاد، في حين أن نسبة المعارضة لا تتخطى 25 في المئة. لكن في المناطق الروسية المتاخمة لأوكرانيا، التي بدأت تتعرّض لضربات انتقامية من كييف قبل غيرها، فإن مستوى التأييد للحرب أعلى من ذلك.

وبطبيعة الحال، حتى لو حظيت موسكو بدعم شعبي واسع واقتصاد مستقر، فقد تجبَر على التوصل إلى تسوية إذا بدأ جيشها في الانهيار. لكن الكرملين لا يزال يمتلك وسائل للحفاظ على قوته في ساحة المعركة. فموسكو تواصل زيادة إنتاجها من القنابل الانزلاقية، التي تُهدد المواقع العسكرية الأوكرانية وتُرهب المدن القريبة من خط المواجهة، بما في ذلك عواصم إقليمية مثل زابوريجيا وسومي. كذلك، ضاعفت روسيا إنتاجها من الصواريخ الباليستية مقارنةً بمستويات ما قبل الحرب، في الوقت الذي تعاني فيه أوكرانيا من نقص حاد في الصواريخ الاعتراضية المتطورة (وهو نقص تفاقم بسبب قرار واشنطن خوض الحرب ضد إيران، وبالتالي توقفها عن بيع منظومات “باتريوت” لأوكرانيا)، مما يمنح بوتين فرصة لقصف المدن الأوكرانية بصواريخ تحمل متفجرات أكبر بكثير من تلك التي تحملها الطائرات المسيّرة. وسيكون لهذا الأمر عواقب وخيمة، بخاصة خلال فصل الشتاء، عندما تكون أوكرانيا في أمسّ الحاجة إلى الكهرباء، وحين تستطيع روسيا إلحاق أكبر قدر من الضرر. كذلك، بدأ الكرملين يستهدف بصورة منهجية الموانئ والسفن الأوكرانية في البحر الأسود، على أمل إضعاف البنية التحتية التي تعتمد عليها صادرات البلاد الزراعية. ويعتقد بوتين أنه إذا نجح في بث ما يكفي من الرعب بين المدنيين الأوكرانيين، فسيدفع موجة جديدة وكبيرة من اللاجئين إلى أوروبا قبل الانتخابات الإقليمية في ألمانيا والانتخابات الرئاسية في فرنسا، مما يرجح كفة الأحزاب اليمينية المتطرفة المناهضة لدعم أوكرانيا في البلدين، ويدفع القارة بعيداً من كييف.

وإذا لم تكن حملة القصف هذه وحدها كافية لقلب موازين الحرب وإجبار كييف على قبول شروط بوتين، فإن الكرملين يستطيع زيادة الضغط من خلال تعبئة مزيد من الرجال. وقد سبق للرئيس الروسي أن أعلن تعبئة عامة مرة واحدة، في أواخر عام 2022، عندما استدعى مجندين من مختلف أقاليم البلاد. وقد نجحت تلك الخطوة في توفير مئات الآلاف من الجنود الجدد، لكنها أدت أيضاً إلى تراجع موقت في شعبية بوتين، وإلى هجرة مئات الآلاف من الرجال في سن الخدمة العسكرية. ورداً على ذلك، لجأ إلى تقديم حوافز مالية لجذب المتطوعين. إلا أن هذا الأسلوب بدأ يستنفد فعاليته، مما يدفع النظام إلى الاستعداد للعودة إلى التجنيد الإجباري، وهذه المرة معتمداً على إشعارات إلكترونية أكثر سرية، يمكن إرسالها على مدار العام إلى آلاف الأشخاص المؤهلين للخدمة العسكرية. وخلافاً لمجندي عام 2022، سيُمنع هؤلاء من عبور الحدود إذا حاولوا الفرار من روسيا. كما يمكن لأجهزة إنفاذ القانون في البلاد استخدام كاميرات المراقبة الرقمية وتقنيات التعرف إلى الوجوه لتعقب المتهربين من التجنيد، وتهديدهم بعقوبة السجن لمدة عامين، وهي عقوبة أُقرّت حديثاً. ومن شبه المؤكد أن التعبئة الجديدة ستثير موجة جديدة من السخط، لكنها ستكون أقل ضجيجاً بكثير من تعبئة عام 2022، عندما ظهر بوتين بنفسه على شاشات التلفزيون الوطني وأعلن عن قرار التعبئة، وبالتالي من المتوقع أن تجذب اهتماماً أضعف. ومن المرجح أيضاً أن يحرص الكرملين على أن تتركز التعبئة في المناطق الأفقر، مع تجنب موسكو وغيرها من المدن الكبرى قدر الإمكان.

علاوة على ذلك، تستطيع موسكو زيادة الضغط على أوروبا بوسائل أخرى. فهي قد تنفذ مزيداً من الهجمات الهجينة، أو عمليات عسكرية يمكن إنكار المسؤولية عنها، لا ترقى إلى مستوى الحرب المباشرة، لكنها تُلحق الضرر بالخصوم أو تهددهم. وخلال السنوات الأربع الماضية، أرسلت روسيا، على سبيل المثال، طائرات مسيّرة وعناصر سرية لتعطيل منشآت إنتاج الصناعات الدفاعية الأوروبية، والقواعد العسكرية، والبنية التحتية لوسائل النقل. (وهي ما زالت تنفي مسؤوليتها عن جميع هذه الهجمات). لكنها قد توسع قائمة أهدافها لإحداث مزيد من الاضطراب في حياة الأوروبيين العاديين، بما في ذلك استهداف المستودعات التجارية بطائرات مسيّرة منخفضة التكلفة.

النهاية المُرّة
ليس جميع أركان المؤسسة الحاكمة في روسيا يرغبون في مواصلة الحرب، فضلاً عن تصعيدها. فقد بدأت تظهر داخل أوساط النخبة أصوات تدعو إلى مفاوضات حقيقية. ففي مايو (أيار)، على سبيل المثال، نشرت المجلة الروسية الرائدة في شؤون السياسة الخارجية مقالاً للمحلل العسكري البارز فاسيلي كاشين المعروف ببراغماتيته ونزعته القومية، دعا فيه إلى تجميد الصراع. ورأى كاشين أن روسيا لن تتمكن من تحقيق مكاسب إضافية في ساحة المعركة على المدى القصير أو المتوسط، وأن كلفة الحرب الطويلة بدأت تتجاوز فوائدها الاستراتيجية. ونظراً إلى مكانة المجلة، فمن شبه المؤكد أن مقال كاشين قد عُرض مسبقاً على مسؤولين في الكرملين وحاز موافقتهم، على الأرجح بهدف إعطاء صوتٍ للتيار البراغماتي داخل المؤسسة الأمنية الروسية. وعلى نحو مماثل، في 30 يونيو، صرّح الرئيس التنفيذي لأكبر بنك روسي (وأحد المقربين القدامى من بوتين) بأن الوقت قد حان لإنهاء الصراع. وقال: “لا أعتقد أن في البلاد شخصاً واحداً يشغله أمر أكثر من إنهاء الأعمال العدائية في أسرع وقت ممكن”.

لكنّ هذا الخيار لا يثير اهتمام بوتين في الوقت الراهن. فمع أنه يتسامح مع الدعوات الحذرة إلى السلام، ويرسل أحياناً إشارات توحي بأنه منفتح على التوصل إلى تسوية، فإن أفعاله تشير إلى أنه غير مستعد الآن للخروج من المستنقع الذي وقع في شراكه، لا بل يبدو حتى أنه مصمم على الغرق فيه أكثر. وما دام مقتنعاً بأن كفة بلاده راجحة أمام أوكرانيا بفضل القوة التدميرية لصواريخه الباليستية، وبأن أوكرانيا مكشوفة أكثر أمام الهجمات لأنها تعاني نقصاً في الصواريخ الاعتراضية، فمن المرجح أن يواصل محاولة إنهاكها، مهما بلغت التكلفة التي ستتكبدها بلاده. وهو ينظر إلى الدعوات غير المنسقة التي يطلقها الأميركيون والأوروبيون لإجراء محادثات أو التوصل إلى وقف لإطلاق النار على أنها مجرد حيلة لمنح أوكرانيا مزيداً من الوقت. وفي سياق متصل، قال في مقابلة أجريت معه في 28 يونيو: “نعلم أن الغرب يواصل سعيه إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا. فلماذا يدعو إذاً إلى وقف إطلاق النار وإلى مفاوضات سلام؟… إذا كانت أوكرانيا، كما يزعم، تستولي على مزيد من الأراضي… فما على القادة الغربيين إلا الانتظار. فالهزيمة الاستراتيجية لروسيا، بحسب هذا المنطق، ستتحقق من تلقاء نفسها”.

إذاً، يتعين على أوكرانيا وحلفائها الاستعداد لطريق طويل وشاق. فقد تكون كييف اليوم في أفضل وضع عسكري لها منذ أواخر عام 2022، لكن الكرملين يعتقد أنه سيتمكن خلال الشتاء المقبل من سحق إرادة أوكرانيا وحلفائها. وصحيح أن روسيا تواجه تحديات، لكن بوتين لم يستنفد بعد جميع خياراته. وما زال يرغب في القتال لأطول فترة ممكنة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى