رأي

 لماذا تزداد الحرب في أوكرانيا خطورة؟

رافي أغراوال – مجلة “فورين بوليسي” الأميركية:

رئيس تحرير مجلة “فورين بوليسي” يتحدث عن المزاج العام في أوكرانيا، وما يعنيه ذلك لمستقبل الحرب.

فلاديمير بوتين بالتأكيد يعرف كيف يقول وداعاً. صباح الأحد، شنّت روسيا هجوماً بطائرة مسيّرة على قطار كان على وشك عبور الحدود الأوكرانية إلى بولندا. أصابت الطائرة هدفها وانفجرت عند الاصطدام. لم يُصب أحد بأذى، لأن أجهزة الأمن الأوكرانية رصدت المقذوف القادم وأخلت القطار، كما أصبح ذلك الآن بروتوكولاً شائعاً في البلاد. لكن الهجوم تصدّر عناوين الأخبار العالمية عندما كشف كارل بيلدت وبوريس جونسون، وهما كانا يترأسان حكومات السويد وبريطانيا، أنهما عبرا نقطة الحدود تلك قبل دقائق فقط على متن قطار خاص مستأجر آخر كان يقلهما، مما فرض صعوبة في ألا يقرأ الحادث، في أقصى الغرب وعلى مقربة من حدود دولة عضو في حلف “الناتو”، كرسالة من بوتين إلى أوروبا تقول، ابتعدوا وابقوا بعيداً، وإلا..

وما أثار انتباهي أكثر في زيارتي الأخيرة إلى كييف هو اكتشافي أن ديناميكيات ساحة المعركة بدأت مرة أخرى تميل إلى صالح موسكو. فلقد طورت روسيا أحدث نسخة من طائرة “شاهد 136” الإيرانية المسيّرة باسم “غيران 5″، إلى شيء يشبه صاروخ كروز بسرعة تقارب 370 ميلاً في الساعة، بمدى يزيد عن 600 ميل وحمولة متفجرة تقارب 200 رطل. لم تعد هذه مجرد طائرة مسيّرة محدثة بإمكانات إضافية، وهو ما كان قصة العامين الماضيين من الابتكار في ساحة المعركة، والتي تظهر في برامج تلفزيونية مثل “ليونيس” لتايلور شيريدان، بل إن “غيران 5” في جوهرها صاروخ، ولا تمتلك أوكرانيا حالياً أي طائرة مسيّرة يمكنها إيقافه، وبما أن كييف قد نفدت لديها صواريخ الاعتراض، فإن شعبها أصبح هدفاً مكشوفاً بينما تنتج موسكو هذه الطائرات المسيّرة الجديدة بالآلاف، ويزداد بوتين جرأة في اختياره للأهداف.

الشتاء قادم حقاً على أوكرانيا. خلال المؤتمر أدرت نقاشاً على الغداء مع بعض كبار الرؤساء التنفيذيين في مجال الطاقة والتعدين الأوكرانيين، عن كيفية محافظة أوكرانيا مزودة بالطاقة ودافئة مع انخفاض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر. وقد تحدث التنفيذيون في قطاع الطاقة بنبرة شجاعة، وهم يشرحون لي كيف كانوا ينفقون 4 دولارات في الخفاء مقابل كل دولار ينفقونه معلن عنه. بصيغة أخرى، كانوا يحاولون جعل البنية التحتية للطاقة في البلاد محصنة ضد هجمات الطائرات المسيرة. وأخبروني كيف أنهم يصنعون محولات إضافية وأجزاء من الشبكة الكهربائية حتى يتمكنوا من استبدال البنية التحتية المتضررة في أي هجوم بسرعة، وبدا مخططهم مقنعاً. ومع ذلك، بعد ساعة من غدائنا، علمنا أن روسيا قصفت مصنعين كبيرين للصلب، مما أدى إلى تدمير بعض العناصر الأساسية التي كانت أوكرانيا تحتاج إليها لإعداد خططها الاحتياطية، بينما تواصل الحرب كشف طبقات جديدة من الأزمة.

مضى على اندلاع الصراع بين روسيا وأوكرانيا 5 سنوات، وكل بضعة أشهر يظهر تحولاً في الزخم من طرف إلى آخر على نحو متكرر. ومؤخراً، بدت كييف في موقع متقدم مع زيادة وتيرة الهجمات بالمسيرات في عمق موسكو، مستهدفة البنية التحتية للطاقة الروسية، وجالبة الحرب إلى داخل حياة الروس العاديين. وكان أكثر المؤشرات دلالة على هذا التحول في الزخم، حين خفض بوتين من مستوى عرض يوم النصر المحبب إليه في الربيع، خوفاً من هجمات محتملة، في حين لجأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج إلى أوكرانيا طلباً للنصيحة حول كيفية صد هجمات إيران بالصواريخ والطائرات المسيرة. حينها ظهرت كييف قد انتقلت من عدم امتلاك أي أوراق، كما صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في اجتماع شهير في العام الماضي خلال لقاء مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إلى امتلاك المفتاح لأي دولة تسعى إلى الدفاع عن نفسها ضد إيران أو كوريا الشمالية أو روسيا.

ما يزال هذا التحول في الزخم، حيث أحدث ابتكارات روسيا في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة تهدد بحدوث انعطاف جديد لصالح الكرملين. وربما، حتى لصالح إيران أيضاً في حال شاركت موسكو تطوير طائراتها المسيّرة مع طهران، مما يمنح الجمهورية الإسلامية قدرة أكبر على مهاجمة السفن في مضيق هرمز أو القواعد الأميركية والبنية التحتية للطاقة في الخليج. وكما قال لي أحد التنفيذيين في مجال التكنولوجيا العاملين في إنتاج الأسلحة، لا يعرف أحد حالياً كيف يوقف عشرات الطائرات المسيرة المنطلقة نحو هدفها بسرعة تتجاوز 300 ميل في الساعة.

كما جرت العادة دائماً، للمال دور حاسم في تحديد أي جانب يحقق النصر في هذه الساحات المختلفة من الصراع. كانت روكسولانا بيدلاسا، وهي اقتصادية أوكرانية وعضو في البرلمان، صريحة في تقييمها لوضع أوكرانيا خلال نقاش على المنصة الرئيسية للمؤتمر وقالت، إن “الموازنة ليست جيدة”، وأشارت إلى أن كييف أنفقت 42 مليار دولار حتى الآن هذا العام على الدفاع، و”لقد أصبحت الحرب مكلفة إلى درجة أننا هذا العام لا نستطيع حتى تغطية التكاليف العسكرية الأساسية.

كذلك، شرح رئيس الوزراء سيرغي كوريتسكي كيف تعمل الحكومة على جعل نفسها أكثر مرونة لبناء القدرة على الصمود في مواجهة الهجمات المستمرة. وقال “يجب أن يكون هناك لا مركزية في الطاقة، وفي الخدمات اللوجستية، وفي قطاعات أخرى”. وبعض ذلك واضح بالفعل، حيث الطلب على الطاقة في البلاد انخفض بنسبة 30% هذا العام، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن الأسر والشركات الصغيرة أنشأت منصات للطاقة الشمسية الخاصة بها. غير أن انخفاض الطلب نادراً ما يكون مؤشراً جيداً للاقتصاد؛ فالكثير منه يعود أيضاً إلى تراجع الإنتاج الصناعي في ظل الهجمات المستمرة.

هل يمكن للدبلوماسية أن تنهي هذه الحرب التي تبدو بلا نهاية؟ ذكّر مستشار الأمن القومي في المملكة المتحدة جوناثان باول، الحاضرين بمقولة لاذعة لا تُنسى عن عملية السلام في الشرق الأوسط لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، “الخبر الجيد هو أن هناك ضوءاً في نهاية النفق، والخبر السيئ هو أنه لا يوجد نفق”. كانت فكرة باول أن جولة المحادثات الأخيرة بين واشنطن وموسكو، التي شملت زيارات قام بها المقربون من ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إضافة إلى زيارة منفصلة قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، بمثابة عملية بناء النفق.

وعندما يحين الوقت سيكون هناك تفاهمات وخطوط حمراء ومخارج طوارئ كمكونات ضرورية تساعد على التوصل إلى اتفاق. فهذه رؤية مفيدة وإن بدت مفرطة في التفاؤل، ويدل أن نشاهد كوشنر يتحدث في مؤتمر عبر الفيديو أصبح الآن يتحدث مباشرة، وقال إن “الحرب سلبية، والسلام إيجابي جداً جداً، فيما ارتبك الحضور بسماعهم هذه العبارات العامة. ولاحقاً، وهو يصف المحادثات الجارية وزيارته لموسكو، قال كوشنر، “الرئيس ترامب ملتزم جداً بهذا الأمر، والرئيس زيلينسكي ملتزم جداً، ومما سمعناه، فإن الرئيس بوتين ملتزم جداً بهذا أيضاً”، عندها انفجر الحاضرون في قاعة المؤتمر بالضحك، حيث ضاعت مصداقية النفق.

بينما كنا مجتمعين في كييف، كنت أتابع استضافة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قمة مجموعة “بريكس” وترحيبه بالرئيس بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إلى جانب قادة آخرين، حيث لم تُذكر أوكرانيا، ولو مرة واحدة في البيان الرسمي الصادر عن القمة. وذكرني ذلك بمدى شعور العالم اليوم وكأننا نعيش في عدة خطوط زمنية متوازية في الوقت نفسه. ومع ذلك، فإن نقطة التقاطع الأساسية، والسبب في أنني أكثر قلقاً اليوم مما كنت عليه منذ فترة، هي أن الحروب في كل مكان تصبح أكثر جوية، وأكثر خضوعاً للتحكم عن بعد والروبوتات، وأكثر تداخلاً مع الذكاء الاصطناعي، وكل هذا يعني أن الحرب تصبح أكثر خطورة، وأكثر قابلية لعدم التنبؤ، وأكثر عرضة للأخطاء. لبرهة من الزمن خلال العامين الماضيين، بدا وكأن التقنيات الدفاعية تواكب التقنيات الهجومية، قد لا يكون هذا هو الحال بعد الآن.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى