للتصويب، نتنياهو هو جنكيز خان العصر الحديث

د. جيرار ديب – العرب:
نتنياهو يجسد عنف جنكيز خان عبر حروبه المستمرة محاولًا فرض مشروع إسرائيل الكبرى لكن التاريخ يثبت أن القيم الإنسانية هي أساس الحضارات واستمراريتها.
نفى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن يكون قد أساء إلى السيد المسيح في التصريحات التي أثارت جدلًا واسعًا بعد قوله الخميس، 19 آذار/مارس، إن “التاريخ يثبت أن المسيح ليس له أفضلية على جنكيز خان”.
وزعم في توضيح نشره الجمعة 20 آذار/مارس عبر منصة “إكس”، أن ما ينسب إليه “أخبار كاذبة”، وأن ما قاله كان اقتباسًا للمؤرخ الأميركي ويل ديورانت بشأن محدودية الأخلاق في مواجهة العنف، مشيرًا إلى أن هذا الشخص “الشديد الإعجاب بيسوع المسيح” أكد أن الأخلاق وحدها لا تكفي لضمان البقاء.
لا شك أن الكاتب ديورانت يبدي إعجابه بالسيد المسيح، وإنه اكتفى فقط بتقديم مقاربة تاريخية حول الأخلاقية التي بشر بها السيد المسيح مقابل الهمجية التي رافقت أعمال جنكيز خان العسكرية عبر فتوحاته. ولكنّ الشك يدور حول احترام نتنياهو للسيد المسيح رغم تبريراته التي لم تصل إلى حد الاعتذار، وهو الذي تتضح مدى تقمصه عنف جنكيز خان من خلال حروبه التي يأبى إقفالها.
نتنياهو، اليهودي المتطرف، يدرك أن التاريخ الكنسي يؤكد أن صلب السيد المسيح على يد الرومان قبل أكثر من ألفي عام، كان بتحريض مباشر للقيصر الروماني من قبل الحاخامات اليهودية. وإن الاختلاف العقائدي بين اليهودية والمسيحية يتمثل في الرفض اليهودي لبشارة المسيح التي دعت إلى التسامح ونشر المحبة والسلام في العالم، والتي تمثلت في دعوة قداسة البابا لاوون الرابع عشر إلى نبذ العنف ونشر السلام ووقف الحروب. فالشخصية التسامحية التي أحاطت بالدعوة المسيحية رفضتها اليهودية، التي كانت تنتظر مسيحًا قائدًا عسكريًا يخلصهم من الحكم الروماني ويفرض بناء إسرائيل الكبرى.
مات جنكيز خان وتراجعت الإمبراطورية المغولية لكن ما لم يزل قائمًا هو الإجرام الذي مارسه هذا الرجل والذي يتجسد في شخص نتنياهو الذي يعمل على جر المنطقة إلى حرب كبرى
جنكيز خان هو إمبراطور المغول الذي أسس إمبراطورية اعتبرت الأضخم في التاريخ ككتلة واحدة بعد وفاته. مثلت العلاقة بين جنكيز خان والعرب حقبة دموية، بدأت باجتياح المغول للدول الخوارزمية (غرب آسيا) بعد استفزاز تجاري، ما أدى لمذابح هائلة. مات جنكيز خان وتراجعت حدود الإمبراطورية المغولية، لكن ما لم يزل قائمًا على ما يبدو، ذلك الإجرام الدموي الذي مارسه هذا الرجل والذي يتجسد في شخص نتنياهو، الذي يعمل على جر المنطقة إلى حرب كبرى.
فتح نتنياهو حربه في الشرق الأوسط منذ السابع من تشرين الأول عام 2023، تحت ذريعة القضاء على حركة حماس، وفتح معها جبهات على أكثر من ساحة في المنطقة، وصولًا إلى الحرب الكبرى التي يشترك فيها مع الولايات المتحدة لضرب إيران بعدما أفشلت كافة أنواع المفاوضات مع طهران. لم يكتف نتنياهو بفتح الحرب، لكنه فاتح حكومته ذات اليمين المتطرف بأنه الوقت المناسب لبناء حلم إسرائيل الكبرى.
أثار حديث نتنياهو حول ما يعرف بـ”إسرائيل الكبرى” موجة واسعة من الجدل والانتقادات السياسية، بعد أن وصف في إحدى تصريحاته المتلفزة بأنها “تاريخية وروحية”، وعبّر عن ارتباطه الشديد بهذه الرؤية. لتطبيق هذه الرؤية يحتاج نتنياهو للعب دور جنكيز خان في المنطقة، ولكن الظروف التاريخية التي رافقت القائد المغولي مختلفة عما هي عليه اليوم، وإن نتنياهو يحظى بمظلة أميركية قد تسحب منه قرارًا يتخذه ترامب، إضافة إلى أن الرجل لم يستطع رغم العدوان الإيراني المتكرر على دول عربية وخليجية من جر المنطقة إلى فوضى كبرى.
حروب جنكيز خان ووحشيته لم تستطع أن تحافظ على إمبراطوريته التي بدأت تتناثر مع موت الرجل. ولكن الأخلاق التي بشر بها السيد المسيح بنت عقيدة مسيحية نشرها الرسل في أصقاع العالم، وشكّلت أكبر ديانة عبر التاريخ ما زالت قائمة إلى يومنا هذا. لهذا نقول لنتنياهو: إن القيم الإنسانية هي من تؤسس الحضارات وتفرض استمراريتها، أما من أخذ بالسيف، فبالسيف يموت.
لا نقاش في أن هذه الحرب سيكون لها نهاية، وإن قيام الشرق الأوسط الجديد سيقوم لكن ليس بالمنظور النتنياهوي، بل بإرادة شعوب هذه المنطقة على الصمود والحفاظ على الهوية. وإن اللا أخلاقية التي قادت بها حكومته الحرب لن تستطيع بناء حلم إسرائيل الكبرى، وإن ممارسة الإجرام لن تجلب السلام الإبراهيمي المنشود من قبل إدارة ترامب. هذا ما سيخالف رؤية ديورانت ويؤكد أن أخلاق المسيح تتفوق على شخصية جنكيز خان وغيرهم ممن طوى عليهم التاريخ صفحاته.




