
حسين زلغوط, خاص ـ “رأي سياسي”:

في ظلّ الحرب الأميركية والإسرائيلية مع إيران، والحرب الإسرائيلية على لبنان، بدأت تتكشّف ملامح مقاربة دولية جديدة للأزمة اللبنانية، عنوانها الأبرز تراجع الاهتمام الأميركي المباشر بالملف اللبناني، مقابل تصاعد أولويات أخرى أكثر إلحاحاً في حسابات واشنطن، وأبرزها الحرب مع إيران.
هذا التحوّل لم يأتِ في سياق عابر، بل يعكس إعادة ترتيب واضحة للأولويات الاستراتيجية، حيث باتت الساحة اللبنانية في مرتبة متأخرة مقارنة بملفات إقليمية ساخنة، وفي مقدّمها المواجهة المتصاعدة مع إيران، وما يرتبط بها من حساسيات جيوسياسية، لا سيّما في منطقة مضيق هرمز.
هذا التموضع الأميركي ألقى بظلاله مباشرة على المبادرة الفرنسية التي يقودها الرئيس إيمانويل ماكرون، والهادفة إلى فتح قنوات تفاوض بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب القائمة. فباريس، التي سعت إلى لعب دور الوسيط مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع لبنان، اصطدمت بواقع دولي لا يمنحها الغطاء السياسي الكافي للمضي قدماً، إذ إن أي تحرّك دبلوماسي من هذا النوع يحتاج، حكماً، إلى حدّ أدنى من التفاهم مع واشنطن، التي لا تزال تمسك بمفاتيح أساسية في توازنات المنطقة.
الرسالة الأميركية، وإن لم تُعلن بشكل رسمي، بدت واضحة في مضمونها: الأولوية اليوم ليست للبنان، بل لاحتواء التوتر مع إيران ومنع انزلاقه إلى مواجهة واسعة قد تهدّد أمن الطاقة العالمي، خصوصاً في مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط. هذا التحوّل يعكس إدراكاً أميركياً بأن أي تصعيد في تلك المنطقة قد تكون كلفته أعلى بكثير من استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية، مهما بلغت حدّته.
في المقابل، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة معقّدة؛ فهي، من جهة، تدرك خطورة استمرار الحرب في لبنان وانعكاساتها الإنسانية والأمنية، ومن جهة أخرى، تفتقر إلى القدرة على فرض مبادرتها في ظلّ غياب الدعم الأميركي. وهذا ما يفسّر الحذر الفرنسي في التصعيد السياسي، والاكتفاء بمحاولات دبلوماسية هادئة تُبقي قنوات التواصل مفتوحة دون الذهاب إلى خطوات حاسمة.
أما لبنان، فيقف مجدّداً في موقع المتأثّر لا المؤثّر، حيث تتحكّم التوازنات الدولية بمصيره أكثر مما تفعل حساباته الداخلية. فغياب الضغط الدولي الفاعل لوقف الحرب يطيل أمد الأزمة، ويُبقي البلاد رهينة الاشتباكات الميدانية والتجاذبات الإقليمية. كما أن تراجع الاهتمام الدولي يضعف فرص التوصّل إلى تسوية سريعة، ويؤجّل أي مسار تفاوضي جدّي إلى حين تبدّل الأولويات الكبرى.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن طبيعة الصراع الأوسع في المنطقة، حيث تتداخل الجبهات وتتقاطع المصالح. فلبنان، وإن بدا ساحة محدودة جغرافياً، إلا أنه يشكّل جزءاً من لوحة إقليمية أكبر، تتحرّك فيها القوى الكبرى وفق حسابات دقيقة تتجاوز حدوده. وبالتالي، فإن أي تهدئة مستدامة على الساحة اللبنانية تبقى مرتبطة بتفاهمات أوسع على مستوى المنطقة.
من هنا، يبدو أن المبادرة الفرنسية، في مرحلتها الراهنة، تصطدم بجدار الأولويات الأميركية، ما يجعل فرص نجاحها محدودة في المدى المنظور. وبين حسابات واشنطن الاستراتيجية وطموحات باريس الدبلوماسية، يبقى لبنان عالقاً في منطقة الانتظار، حيث لا حرب تُحسم ولا سلام يُبنى، في ظلّ مشهد إقليمي مفتوح على كلّ الاحتمالات.




