رأي

 لا يمكن لأوروبا أن تبقى متفرّجة في الشرق الأوسط الجديد

إيراتكس جارسيا بيريز ويانيس مانياتيس – موقع “EU Observer”:

لا يمكن لأوروبا أن تنتظر حتى يستقر الوضع في الشرق الأوسط قبل أن تحدّد موقفها.

بعد مرور عام على إعلان رئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل” في خطابها السنوي عن حالة الاتحاد، لا تزال أوروبا عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.

وفي الوقت نفسه، ازداد الوضع على أرض الواقع سوءاً: دمارٌ وموتٌ متواصلان في غزة، وتسارعٌ في ضمّ الضفة الغربية، وتطبيقٌ لعقوبة الإعدام على الفلسطينيين، ودعواتٌ مرعبة من وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرّف، بن غفير، إلى ارتكاب مجازر جماعية في غزة، وإقامة أكشاكٍ لتنفيذ أحكام الإعدام العلنية بحقّ الفلسطينيين.

وفي الوقت نفسه، يشهد النظام الإقليمي الأوسع نطاقاً إعادة تشكيل. وتُعدّ الحرب غير الشرعية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب و”إسرائيل” ضدّ إيران عاملاً رئيسياً آخر في إحداث اضطراب كبير في المنطقة وخارجها.

فهي تُلحق دماراً هائلاً بإيران، وتتسبّب في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، بما في ذلك في أوروبا، بينما تُدرّ أرباحاً طائلة لشركات الطاقة العملاقة، وتتوافق مع أجندة ترامب المتعلّقة بالوقود الأحفوري.

لقد جعل هذا الوضع الشرق الأوسط أكثر تعدديةً في الأقطاب، حيث تتصرّف القوى المتوسطة باستقلالية متزايدة، وتؤثّر بصورة متنامية في الأمن الإقليمي. أما النظام السابق، الذي كان قائماً على ضمانة أمنية أميركية مطلقة، فيفسح المجال أمام مشهد أكثر اضطراباً وتنازعاً.

في غضون ذلك، لا تزال أوروبا على الحياد، تصدر بيانات عند اندلاع الأزمات، بينما يحدّد الآخرون مسار الأحداث اللاحقة. لا يمكن أن يستمر هذا الوضع. أوروبا بحاجة إلى استراتيجية، والغموض ليس عذراً للتقاعس الأوروبي.

كان من المتوقّع أن تقدّم المفوّضية الأوروبية استراتيجية شاملة للشرق الأوسط في الربع الثاني من عام 2026.

انقضى هذا الموعد النهائي، وبرّرت المفوّضية التأخير بالإشارة إلى حالة عدم اليقين في المنطقة. ومع ذلك، فإنّ حالة عدم اليقين هي تحديداً سبب حاجة أوروبا إلى استراتيجية. فالاستراتيجية ليست تنبؤاً بما سيحدث لاحقاً، بل بيانٌ لمصالح أوروبا وقيمها وخطوطها الحمر.

بالنسبة إلى مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين، يجب أن تكون هذه المبادئ واضحة: القانون الدولي، وحقوق الإنسان، والسلام، والأمن، إلى جانب حقّ الإسرائيليين في الأمن وحقّ الفلسطينيين في تقرير المصير.

لكن على أوروبا أن تتجاوز مجرّد التصريحات، وأن تفرض عواقب حقيقية. تحتاج أوروبا إلى إجراءات فعلية، لا مجرد تصريحات.

أولاً، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يفرض فوراً حظراً شاملاً على توريد الأسلحة إلى “إسرائيل”، وأن يفرض عقوبات محددة الأهداف على الوزراء الإسرائيليين المتطرفين، وأن يعلّق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل” تعليقاً كاملاً، نظراً إلى الانتهاكات الواضحة لبند حقوق الإنسان فيها.

ثانياً، يجب على أوروبا أن تدعم بقوة تعافي غزة وإقامة الدولة الفلسطينية، سياسياً ومالياً. وينبغي للاتحاد الأوروبي إنشاء آلية قوية ومتعدّدة السنوات لإعادة إعمار غزة وتعافيها المبكر، مع تعزيز السلطة الفلسطينية ودعم الحكم الرشيد والإصلاح.

ثالثاً، لا ينبغي لأوروبا أن تتخلى عن دورها السياسي. ويجب ألّا يشارك الاتحاد الأوروبي في ترتيبات تُهدّد بتحويل عملية بناء السلام إلى عملية تهيمن عليها مجموعة ضيّقة من الدول، مع تهميش الفلسطينيين.

لا يمكن لما يُسمّى “مجلس السلام” أن يحلّ محلّ عملية سياسية شاملة وشرعيّة وذات أسس دولية.

رابعاً، يجب على أوروبا الدفاع عن العدالة الدولية. ولا يمكن التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة لا تُمارس سلطتها إلا عند الضرورة السياسية. فإذا كانت الحكومات الأوروبية جادّة بشأن نظام دولي قائم على القواعد، فعليها حماية المحكمة ومسؤوليها.

وينبغي أن يكون الاتحاد الأوروبي مستعدّاً لتفعيل نظامه الأساسي للحظر عند الضرورة، لحماية الجهات الفاعلة الأوروبية من التدابير خارج حدودها الإقليمية المصمّمة لعرقلة العدالة الدولية.

هذه ليست مسائل مؤسسية مجرّدة، بل هي التي تحدّد ما إذا كان لأوروبا أيّ تأثير في النظام السياسي الناشئ من حولها.

من الاستجابة للأزمات إلى صياغة المستقبل
أمضت مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين سنواتٍ في الدعوة إلى نهج أوروبي أكثر اتساقاً. سافرنا عبر المنطقة، واستمعنا إلى المجتمع المدني، وتواصلنا مع القادة السياسيين، وحثثنا البرلمان على الدفاع عن وقف دائم لإطلاق النار، ووصول المساعدات الإنسانية، والمساءلة، وحلّ الدولتين الحقيقي.

ساعدت فرقة عمل الاشتراكيين والديمقراطيين المعنية بالشرق الأوسط في تحويل هذا التواصل إلى جهد سياسي مستدام، بدلاً من مجرّد ردّ فعل على آخر الأخبار.

تضرّرت مصداقيّة الاتحاد الأوروبي بشدة من جرّاء ازدواجية المعايير، وستتطلّب إعادة بنائها اتخاذ قرارات جريئة.

يومي الأربعاء والخميس (9-10 أيلول/سبتمبر)، ستجمع مجموعة الاشتراكيين والديمقراطيين صانعي السياسات، والشركاء الإقليميين، والأكاديميين، وممثلي المجتمع المدني في البرلمان الأوروبي، لمناقشة ملامح هذه الاستراتيجية التقدمية.

يجب أن تكون الرسالة واضحة: لا يمكن لأوروبا أن تنتظر حتى يستقر الوضع في الشرق الأوسط قبل أن تحدّد موقفها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى