رأي

لا أذن صاغية للرسائل الأميركية | زيارة راتكليف: روسيا متشائمة بالتسوية

خضر خروبي – الأخبار:

زيارة راتكليف إلى موسكو تكشف تضارب الرسائل الأميركية بين التهديد والتفاوض، فيما تتمسّك روسيا بشروطها مستفيدةً من تراجع الدعم لكييف واتّساع الشرخ داخل «الناتو».

خفّفت التصريحات الصادرة من موسكو، حدّة الغموض والالتباس حول جدول أعمال زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون راتكليف، الثلاثاء الماضي، إلى روسيا، من دون أن تبدّد التباين في شأن خلفية هذه الخطوة ونتائجها. وفور مغادرة راتكليف، وهو أوّل مدير لـ«السي آي إيه» تطأ قدماه الأراضي الروسية منذ قدوم سلفه ويليام بيرنز إلى موسكو عام 2021، خرج المتحدّث باسم «الكرملين»، ديمتري بيسكوف، لينفي وجود أفق للتسوية بين كييف وموسكو حالياً، قائلاً إن محادثات راتكليف مع المسؤولين الروس اقتصرت على استكمال «الاتصالات بين وكالات الاستخبارات»، مشيراً إلى أن تلك الاتصالات تُعدّ «ظاهرة عملية وإيجابية»، و«غالباً ما تستمرّ حتى في أصعب أوقات علاقاتنا الثنائية»، علماً أن هذه القنوات الاستخبارية المعتادة تعمل بالتوازي مع قنوات منفصلة يديرها المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر. وأضاف بيسكوف أنه من «السابق لأوانه تحديد مدى تأثير ذلك على عملية استعادة علاقاتنا الثنائية من الأزمة العميقة التي تمرّ بها حالياً»؛ وهي خلاصة مطابقة لما ذهب إليه رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، سيرغي ناريشكين.
وممّا استرعى الانتباه أيضاً، أن الزيارة التي استغرقت قرابة تسع ساعات، صاحبتها مفارقات في الشكل، على غرار ما أشيع حول انتقال المسؤول الاستخباري الأميركي إلى موسكو عبر طائرة نقل عسكرية ثقيلة من طراز «سي-17 بوينغ غلوب ماستر»، أقلّته من العاصمة اللاتفية ريغا، فضلاً عن تمهّل كلّ من موسكو وواشنطن في الإعلان عن الزيارة التي اكتسبت طابعاً سرّياً، وعدم شمول جدول أعمال راتكليف لقاءً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يضاف إلى ذلك، ما تمّ تداوله حول تجهيز طائرة المسؤول الأميركي بنظام «ROCC»، وهو عبارة عن مركز مؤتمرات/ اتصالات مُتنقّل شديد التأمين، يمكن تحميله داخل طائرة النقل، ويتيح إجراء اتّصالات ومداولات حسّاسة في بيئة محميّة.

تضارب الرسائل الأميركية

على المقلب الأميركي، حمل الموقف الرسمي نبرة أكثر تفاؤلاً؛ ففي معرض ردّه على تقارير إعلامية ربطت زيارة راتكليف بقلق واشنطن من إمكانية إقدام موسكو على تهديد دول أوروبية في حلف «الناتو»، نفى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في مداخلة هاتفية مع برنامج المذيع غلين بيك، الأربعاء، صحّة تلك المعلومات، واصفاً الزيارة بأنها «شبه روتينية»، ومُلمِّحاً إلى أن هدفها كان مناقشة سبل إنهاء النزاع الأوكراني – الروسي. وكانت صحيفة «وول ستريت جورنال» أشارت، في وقت سابق، إلى أن أوّل زيارة علنية لراتكليف إلى موسكو، جاءت بهدف توجيه تحذير إلى روسيا من مهاجمة دول أعضاء في «حلف شمال الأطلسي»، ناقلةً عن أشخاص أحيطوا علماً بالزيارة، بأنها أعقبت تقييمات استخباراتية أميركية جديدة خلصت إلى أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد يحاول، خلال السنوات المقبلة، اختبار مدى استعداد «الناتو» للدفاع عن إحدى دوله الأعضاء، وذلك من خلال خطوة تصعيدية محتملة تُراوِح احتمالاتها بين هجوم إلكتروني وتوغّل بري محدود، ويُرجّح أن تستهدف إحدى دول البلطيق. وأضافت الصحيفة أن نقص بعض الذخائر والأسلحة الحيوية لدى الدول الغربية وحليفتها كييف، بما يشمل صواريخ «باتريوت» وغيرها من منصّات الدفاع الجوي، فضلاً عن أسلحة هجومية متطوّرة من مثل صواريخ «توماهوك» ونظام الصواريخ التكتيكية القصيرة المدى «أتاكمز»، والعائد إلى الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب على إيران، إضافة إلى معطيات استخبارية حول تراجع جاهزية القوات الأميركية… كلّها عوامل قد تكون مؤثّرةً في حسابات بوتين.

مقاربة الولايات المتحدة لدعم أوكرانيا، يغلب عليها منذ أشهر طابع التعاون الاستخباري


وفي الاتجاه نفسه، تحدّثت صحيفة «واشنطن بوست»، بالاستناد إلى مصدر مطّلع على جدول أعمال الزيارة، عن أن مهمّة راتكليف في موسكو «لم تكن تتعلّق بموقف بوتين الحرج» الناجم عن إخفاق قواته في كسر الجمود على أرض المعركة الأوكرانية، بقدر ما ترتبط بالوقوف على حقيقة «نظرة روسيا إلينا (كدول حلف الناتو) على أننا مُنهكون وغير قادرين على التدخّل» لدعم حكومة فولوديمير زيلينسكي. كما نقلت الصحيفة عن المصدر نفسه أن راتكليف حذّر المسؤولين الروس من أن تصعيد الحرب في أوكرانيا بشكل كبير، قد يدفع ترامب نحو تعزيز دعمه للأخيرة. إلّا أنه خلافاً لتلك التسريبات ذات الطابع التهديدي، أفيد، بحسب مصادر أخرى، عن أن راتكليف تباحث مع المسؤولين في موسكو، ومن بينهم رئيس جهاز الأمن الفيدرالي الروسي «إف إس بي»، ألكسندر بورتنيكوف، في شأن وثيقة أحضرها معه، اشتملت على سيناريوات «سلمية» ممكنة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، من دون أن تتضمّن تهديدات حول العواقب المحتملة التي قد تواجهها موسكو إذا ما تجاهلت التقييمات الأميركية، وقرّرت مواصلة القتال.
ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، تضمّنت الرسالة التي حملها راتكليف تقييماً قاتماً لمسار الحرب، مغايراً للتقييمات التي تُقدّم إلى الرئيس فلاديمير بوتين من جانب مستشاريه، وتحديداً لناحية حجم الخسائر والتكاليف التي تتحمّلها روسيا. وأضافت الصحيفة أن راتكليف خاطب الروس قائلاً إن «الوقت قد حان للدخول في مفاوضات جادّة لإنهاء الحرب»، قبل أن يزداد ذلك الواقع سوءاً، سواء بسبب صعوبة تحقيق موسكو أهدافها العسكرية، والضغوط الاقتصادية التي تواجهها، أو بسبب ما تبديه أوكرانيا من شدّة في القتال في شرق البلاد، رغم تراجع مستوى الدعم العسكري الأميركي المُقدَّم إليها.

ومع أنه ما زال من غير الواضح ما إذا كانت رسالة راتكليف تمثّل مؤشراً إلى تغيير في مقاربة الولايات المتحدة لدعم أوكرانيا، التي يغلب عليها منذ أشهر طابع التعاون الاستخباري، في ضوء القيود التي تضعها إدارة ترامب على تعزيز الدعم العسكري لحكومة فولوديمير زيلينسكي – ولا سيما لناحية الترخيص لكييف بتصنيع صواريخ «باتريوت» -، يرى مراقبون أن زيارة مدير «السي آي إيه» تندرج ضمن أحدث محاولات إدارة ترامب لإعطاء دفعة جديدة للمفاوضات المُتعثّرة، في موازاة العمل على استكشاف مسارات جديدة للضغط على روسيا. وعلى أيّ حال، تبقى الكرة في ملعب موسكو، التي لا يبدو إلى الآن أن المعروض عليها في شأن التسوية يرقى إلى مستوى طموحاتها، أو أن الأثمان التي تتكبّدها من جراء استمرار الحرب كفيلة بدفعها إلى العمل على إنهائها كيفما كان، أو حتى إن التهديدات الأميركية – في حال صحّتها – ستكون كفيلة بتعزيز الردع «الأطلسي» في وجهها، ولا سيما مع استمرار الشرخ الأميركي – الأوروبي.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى