كيف يمكن للعملة الصينية أن تصبح عالمية

كنتب ديمتري ميغونوف, في صحيفة “إزفستيا” الروسية:
ما هي الخطوات اللازمة لتدويل اليوان الصيني بشكل كامل؟ وكيف ستستفيد الصين من ذلك؟ وما هي المخاطر المحتملة؟
قبل شهر واحد فقط، توقع محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، ظهور “نظام نقدي عالمي جديد” يتنافس فيه اليوان مع العملات القوية الأخرى. وقد طُرحت فكرة تحويل اليوان إلى عملة احتياطية دولية لسنوات عديدة.
منذ النصف الثاني من العقد الأول من الألفية الثانية، أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وقلصت الفجوة بشكل ملحوظ مع الولايات المتحدة الأميركية (بل وتفوقت عليها في تعادل القوة الشرائية).
وبطبيعة الحال، يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا لا يمتلك اقتصاد بهذه القوة عملة تحظى بشعبية الدولار واليورو، في حين أن استخدام اليوان دولياً يقارب استخدام الجنيه الإسترليني والين؟
في الواقع، هذه ليست الطريقة المثلى للتعبير عن الأمر. فاستخدام العملة في التسويات عبر الحدود يخضع لعوامل متغيرة، ورغم ارتباطه بمستوى التنمية الاقتصادية وحجم الاقتصاد، إلا أن هذا الارتباط ليس مطلقًا.
الجميع يعرف أمثلةً كان فيها دور عملة دولة ما غير متناسب مع وزنها في الاقتصاد العالمي. فالدولار، على سبيل المثال، لم يتبوأ مكانةً رائدةً عالمياً إلا بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أن الاقتصاد الأميركي كان قد أصبح بالفعل الأكبر في العالم مع مطلع القرن العشرين.
في المقابل، حافظ الجنيه الإسترليني على أهمية كبيرة لعقود بعد أن فقدت الإمبراطورية البريطانية هيمنتها على التجارة العالمية.
مسارات التدويل
لا تقل أهمية السمعة والألفة وسهولة الاستخدام عن حجم الاقتصاد الوطني للدولة المُصدرة للعملة. لذا، لا يزال أمام الصين خطوات عديدة لتدويل عملتها قبل أن تتمكن من منافسة الدولار على قدم المساواة.
أولى هذه الخطوات هي تحرير حساب رأس المال. حالياً، اليوان قابل للتحويل جزئياً. ولكي يصبح عملة احتياطية، يجب أن يتمكن المستثمرون من إيداع مبالغ طائلة بحرية، والأهم من ذلك، سحبها دون موافقة الجهات التنظيمية. حالياً، لا يستطيع أي مواطن صيني صرف أو سحب أكثر من 50,000 دولار أميركي سنوياً.
وفي هذا السياق، قالت أولغا بونوماريفا، الخبيرة في مؤسسة السياسة الاقتصادية: “يمكن حالياً تحويل اليوان للمعاملات الجارية (التجارة والتحويلات)، لكن تدفقات رأس المال تخضع لرقابة صارمة من الدولة. ويجري التحرير في هذا المجال بحذر وتدريجياً (برامج QFII وStock Connect).
عموماً، أوضحت بونوماريفا أنّ الأمر “يتطلب الأمر مستوى عالٍ من تطور النظام المالي وأسواق الأسهم وسندات الشركات والحكومة لضمان مرونة وجاذبية أكبر للمستثمرين الأجانب من الشركات والمؤسسات”.
ثانياً، ثمة حاجة إلى سوق سندات عميقة وسيولة عالية. تحتفظ البنوك المركزية بالعملة في سندات الدين الوطنية. تحتاج الصين إلى سوق دين شفافة، متاحة للأجانب، وكبيرة بما يكفي لاستيعاب تريليونات اليوانات.
ثالثاً، ثمة حاجة إلى سعر صرف مرن، أي الانتقال من نظام “التعويم المُدار” إلى سعر صرف تحركه آليات السوق. يجب أن يثق الفاعلون العالميون بأن سعر صرف اليوان يتحدد وفقاً للعرض والطلب، لا بتوجيهات بنك الشعب الصيني.
حالياً، ومع تقسيم اليوان إلى “محلي” و”خارجي” (الأخير أكثر مرونة، لكن بنك الشعب الصيني لا يزال يؤثر عليه بمصادرة السيولة)، يبقى سعر الصرف خاضعاً لتنظيم دقيق.
من حيث المبدأ، في العقود الماضية (قبل النظام النقدي الجامايكي)، كان من الممكن وجود عملة عالمية حتى مع سعر صرف ثابت، لكن هذا يكاد يكون مستحيلاً الآن.
علاوة على ذلك، ينبغي تطوير بنية تحتية للدفع، لخلق بديل لنظام “سويفت”. لقد اتُخذت خطوات في هذا الاتجاه على مدى عدة سنوات، ونجاحات نظام “CIPS” معروفة جيداً.
في عام 2026، سيصبح مشروع “mBridge” (منصة متعددة العملات للعملات الرقمية للبنوك المركزية) بالغ الأهمية لتجاوز البنية التحتية المالية الغربية.
وأخيراً، الشرط الأخير، وربما الأصعب صياغةً، هو الثقة المؤسسية. نحن بحاجة إلى شفافية إحصائية، وإمكانية التنبؤ باللوائح التنظيمية، وسيادة القانون.
يجب أن يثق المستثمرون في أن أصولهم لن تُجمّد لأسباب سياسية (استجابةً لمخاوف بكين بشأن الدولار). هذا ليس العنصر الوحيد، ولكنه عنصر بالغ الأهمية.
من جهة أخرى، ونظراً للأحداث الجيوسياسية الأخيرة، لا يمكن اعتبار أي عملة موثوقة تماماً في هذه الأيام.
وأوضح أنطون تاباخ، كبير الاقتصاديين في وكالة التصنيف الائتماني “Expert RA”، في مقابلة مع صحيفة “إزفستيا”، أن التقدم في التدويل يتطلب “زيادة دور ديون اليوان كأصل احتياطي، وشفافية النظام المالي برمته”.
وقال “على سبيل المثال، يجب توحيد معايير التصنيفات الائتمانية. فالسوق الصينية حالياً مغلقة للغاية، وبعيدة كل البعد عن المستوى المطلوب لكي يصبح اليوان عملة احتياطية”.
ما هي ميزة الصين؟
ما الذي تجنيه الصين من تحويل اليوان إلى عملة احتياطية عالمية؟
بدايةً، ستتمكن الشركات الصينية من التداول دون القلق بشأن تقلبات الدولار. ثم هناك ميزة إصدار العملة: ستتمكن الصين من طباعة عملة ستكون الدول الأخرى ملزمة بالاحتفاظ بها، ما يُعد بمثابة قرض بدون فوائد للعالم.
وبنفس القدر من الأهمية، تعزيز الاستقرار الجيوسياسي. فإذا كان العالم يعتمد على اليوان، ستكون بكين محمية من الانقطاع عن النظام الدولاري، وبالتالي تكتسب نوعاً من “الحصانة من العقوبات”.
وأخيراً، ستضمن الصين اقتراضاً أرخص: فوضعها كعملة احتياطية يخلق طلباً مستمراً على السندات الحكومية الصينية، ما يقلل من عائدها (وتكلفة خدمة الدين).
لكنّ هذا أسهل قولاً من فعلاً. فعملية التدويل تنطوي على مخاطر جسيمة. بدايةً، ستفقد الصين سيطرتها الكاملة على السياسة النقدية.
لا يمكن تحقيق تدفقات رأس المال الحرة، وسياسة نقدية مستقلة، وسعر صرف ثابت في آنٍ واحد. لا بدّ من التضحية، وفي حالتنا، تتمثل هذه التضحية في سعر الصرف.
مع ذلك، يُعدّ سعر الصرف غير القابل للإدارة خطراً على دولة تعتمد على التجارة الدولية. علاوةً على ذلك، لتوفير السيولة للعالم، ستضطر الصين إلى تسجيل عجز تجاري، وهو ما يتعارض مع فلسفة التنمية الصينية الحالية.
سيُجبر بكين على إعادة تقييم اليوان، الأمر الذي سيُلحق ضرراً بالغاً بالمنتجين المحليين، ولا سيما المصدرين.
تسريع تحوّل اليوان إلى عملة عالمية؟
عموماً، بدأ تحوّل اليوان إلى عملة عالمية منذ ما يقارب عقداً من الزمن. هل من الممكن تسريع هذه العملية بشكلٍ كبير؟
من غير المرجح ذلك، فالعقبات التي تعترض هذه العملية لا تُزال بسرعة، والمخاطر التي تُهدد الاقتصادات الوطنية هائلة.
سؤال آخر يطرح نفسه: هل يُمكن أن تتسارع هذه العملية تلقائياً نتيجةً للاضطرابات العالمية، المالية منها والجيوسياسية؟




